فصل: تفسير الآيات (101- 107):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.تفسير الآيات (63- 70):

{بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70)}

.شرح الكلمات:

{في غمرة من هذا}: أي جهالة من القرآن وعمى.
{ولهم أعمال من دون ذلك}: أي من دون أعمال المؤمنين التي هي الخشية والإيمان بالآيات والتوحيد والمراقبة.
{هم لها عاملون}: أي سيعملونها لتكون سبب نهايتهم حيث يأخذهم الله تعالى بها.
{إذا هم يجأرون}: أي يصرخون بأعلى أصواتهم ضاجينّ مستغيثين ممَّا حلَّ تعالى بهم.
{تنكصون}: أي ترجعون على أعقابكم كراهة سماعة القرآن.
{مستكبرين به}: أي بالحرم أي كانوا يقولون: لا يظهر علينا فيه أحد لأنّا أهل الحرم.
{سامراَ تهجرون}: أي تسمرون بالحرم ليلاَ هاجرين الحق وسماعه على قراءة فتح التاء وعلى قراءة ضمها تهجرون أي تقولوا الهجر من القول كالفحش والقبح.
{رسولهم}: أي محمداً صلى الله عليه وسلم.
{به جنّة}: أي مجنون.

.معنى الآيات:

{بل قلوبهم في غمرة من هذا} أي ليس الأمر كما يحسب هؤلاء المشركون أنّا نمدهم بالمال مسارعة منا لهم في الخيرات لرضانا عنهم لا بل إن قلوبهم في غمرة وعمى من القرآن {ولهم أعمال من دون ذلك} أي دون عمل المؤمنين {هم لها عاملون} حتى تنتهي بمترفيهم إلى هلاكهم ودمارهم وقوله تعالى: {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون} أي استمرت الأعمال الشركية الإِجرامية حتى أخذ الله تعالى مترفيهم في بدر بعذاب القتل والأسر {إذا هم يجأرون} يضجون بالصراخ مستغيثين، والله تعالى يقول لهم: {لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون} وذكر تعالى لهم ما كانوا عليه من التكذيب والاستكبار وقول الهجر موبخاً إياهم {قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون} هروباً من سماعها حال كونكم {مستكبرين به} أي بالحرم زاعمين أنكم أهل الحرم، وأن أحداَ لا يظهر عليكم فيه لأنكم أهله وقوله: {سامراَ تهجرون} أي تسمرون بالليل تهجرون بذلك سماع الحق ودعوة الحق التي تُتلى بها عليكم آيات الله. وقد قرئ تُهجرون بضم التاء وكسر الجيم أي تقولن أنثاء سمركم في الليل الهجر من القول كالكفر وقول الفحش وما لا خير فيه من الكلام، وكانوا كذلك.
وقوله تعالى: {أفلم يدبروا القول} الذي يسمعونه من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيعرفوا أنه حق وخير وأنه فيه صلاحهم {أم جاءهم} من الدين والشرع {ما لم يأت أباءهم الأولين} فقد جاءت رسل ونزلت كتب وهم يعرفون ذلك. أم لم يعرفوا رسولهم محمداً صلى الله عليه وسلم فهم له منكرون إنهم يعرفونه بصدقه وطهارته وكماله منذ نشأته وصباه إلى يوم أن دعاهم إلى الله {أم يقولون به جنّة} أي جنون وأين الجنون من رجل ينطق بالحكمة ويعمل بها ويدعو إليها {بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون}، وهذا هو سرًُّ إعراضهم واستكبارهم- إنه كراهيتهم للحق لطول ما ألفوا الباطل وعاشوا عليه، وهذه سنة البشر في كل زمان ومكان.

.من هداية الآيات:

1- غمرة الجهل والتعصب وعمى التقليد هي سبب إعراض الناس عن الحق ومعارضتهم له.
2- لا تنفع التوبة عند معاينة العذاب أو نزوله.
3- بيان الذنوب التي أخذ بها مترفو مكة ببدر وهي هروبهم من سماع القرآن ونكوصهم عند سماعه على أعقابهم حتى لا يسمعوه واستكبارهم بالحرم واعتزارهم به جهلاً وضلالا واجتماعهم في الليالي الطوال يسمرون على اللهو وقول الباطل هاجرين سماع القرآن وما يدعو إليه من هدى وخير.

.تفسير الآيات (71- 77):

{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77)}

.شرح الكلمات:

{لو اتبع الحق أهواءهم}: أي ما يهوونه ويشتهونه.
{أتيناهم بذكرهم}: أي بالقرآن العظيم الذي فيه ذكرهم فيه يذكرون ويُذكرون.
{أم تسألهم خرجاً}: أي مالاً مقابل إبلاغك لهم دعوة ربهم.
{فخراج ربك خير}: أي ما يرزقكه الله خير وهو خير الرازقين.
{إلى صراط مستقيم}: أي إلى الإسلام.
{عن الصراط لناكون}: أي عن الإسلام أي متنكبونه جاعلوه على منكب أي جانب عادلون عنه.
{للجوُّا في طغيانهم يعمهون}: لتمادوا في طغيانهم مصرين عليه.
{فما استكانوا}: أي ماذلوا ولا خضعوا.
{إذا هم فيه مبلسون}: أي آيسون قنطون.

.معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في دعوة المشركين إلى التوحيد والإيمان بالبعث والجزاء فقوله تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن} هذا كلام مستأنف لبيان حقائق أخرى منها أن هؤلاء المشركين لو اتبع الحقُّ النازل من عند الله والذي يمثله القرآن أهواءهم أي ما يهوونه ويشتهونه فكان يوافقهم عليه لأدى ذلك إلى فساد الكون كلع علويه وسفليه، وذلك لأنهم أهل باطل لا يرون إلا الباطل ويصبح سيرهم معاكساً للحق فيؤدي حتما إلى خراب الكون وقوله تعالى: {بل أتيناهم بذكرهم} أي جئناهم بذكرهم الذي هو القرآن الكريم إذ به يذكرون وبه يُذكرون لأنه سبب شرفهم، وقوله ك {فهم عن ذكرهم معرضون}، فهم لسوء حالهم وفساد قلوبهم معرضون عما به يذكرون ويذكرون، وقوله تعالى: {أم تسألهم خرْجاً} أي أجراً ومالاً {فخراج ربّك خير} أي ثواب ربِّك الذي يثيبك به خير وهو تعالى خير الرازقين وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسألهم عن التبليغ أجراً وقوله تعالى: {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} أي إلى الإسلام طريق السعادة والكمال في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى: {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط الناكبون} أي علة تنكبَهم أي ابتعادهم عن الإسلام هو عدم إيمانهم بالآخرة، وهو كذلك فالقلب الذي لا يعمره الإيمان بلقاء الله والجزاء يوم القيامة صاحبه ضد كل خير ومعروف ولا يؤمل منه ذلك لعلة كفره بالآخرة.
وقوله تعالى: {ولو رحمنا وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون} يخبر تعالى أنه لو رحم أولئك المشركين المكذبين بالآخرة، وكشف ما بهم من ضر أصابهم من قحط وجدب وجوع ومرض لا يشكرون الله، بل يتمادون في عتوهم وضلالهم وظلمهم يعمهون حيارى يترددون، وقوله تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب} وهي سنوات الجدب والقحط بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أصابهم من قتل وجراحات وهزائم في بدر. وقوله: {فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} فما ذلوا لربهم وما دعوه ولا تضرعوا إليه بل بقوا على طغيانهم في ضلالهم ومرد هذا ظلمة النفوس الناتجة عن الشرك والمعاصي.
وقوله تعالى: {حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد} وهو معركة بدر وما أصاب المشركين من القتل {إذ هم فيه ملبسون} أي آيسون من كل خير حزنون قنطون وذلك لظلمة نفوسهم بالشرك والمعاصي.

.من هداية الآيات:

1- خطر اتباع الهوى وما يفضي إليه من الهلاك والخسران.
2- الصراط المسقيم الموصل إلى السعادة والكمال هو الإسلام لا غير.
3- التكذيب بيوم القيامة وما يتم فيه من حساب وجزاء هو الباغث على كل شر والمانع من كل خير.
4- من آثار ظلمة النفس نتيجة الكفر اليأس والقنوط والتمادي في الشر والفساد.

.تفسير الآيات (78- 83):

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83)}

.شرح الكلمات:

{أنشأ لكم السمع}: أي خلق وأوجد لكم الأسماع والأبصار.
{والأفئدة}: جمع فؤاد وهو القلب.
{قليلا ما تشكرون}: أي ما تشكرون إلاّ قليلا.
{ذرأكم}: أي خلقكم.
{وإليه تحشرون}: أي تجمعون إليه بعد إحيائكم وخروجكم من قبوركم.
{وله اختلاف الليل والنهار}: أي إليه تعالى إيجاد الليل والنهار وظلمة الليل وضياء النهار.
{أفلا تعقلون}: فتعرفوا أن الله هو المعبود الحق إذ هو الرب الحق.
{إلا أساطير الأولين}: أي ما تقولون من البعث والحياة الثانية ما هو إلا حكايات وأساطير وأخبار الأولين، والأساطير جمع أسطورة أي حكاية مسطرة مكتوبة.

.معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في دعوة المنكرين للبعث الآخر إلى الإيمان به بعرض الأدلة العقلية عليهم لعلهم يؤمنون فقال تعالى لهم: {وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة} أي الله الذي خلق لكم أسماعكم وأبصاركم وقلوبكم قادر على إحيائكم بعد موتكم وحشركم إليه تعالى ليحاسبكم ويجزيكم، وقوله: {قليلاً ما تشكرون} يوبخهم تعالى على كفرانهم نعمه عليهم، إذ أوجد لهم أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ولم يحمدوه على ذلك ولم يشكروه بالإيمان به وبطاعته، وقوله تعالى: {وهو الذي ذرأكم في الأرض} أي خلقكم في الأرض، {وإليه تحشرون} إذ الذي قدر على خلقكم في الأرض قادر على خلقكم في أرض أخرى بعد أن يميتكم ويحشركم أي يجمعكم إليه ليحاسبكم ويجزيكم. وقوله: {وهو الذي يحيى ويميت} أي يحيي النطفة بجعلها مضغة لحم ثم ينفخ فيها الروح فتكون بشراً، ويميتكم بعد انقضاء آجالكم أليس هذا قادراً على إحيائكم بعد موتكم.
وقوله تعالى: {وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون} أي ولله تعالى اختلاف الليل والنهار بإيجادهما وتعاقبهما وإدخال أحدهما في الآخر أفلا تعقلون أنَّ من هذه قدرته وتصاريفه في خلقه قادر على بعثكم بعد إماتتكم وقوله تعالى: {بل مقالوا مثل ما قال الأولون} أي بدل أن يؤمنوا باليوم الآخر لِما دَلْ عليه من هذه الأدلة التي لا يردها عاقل ولا ينكرها عقل عادوا فقالوا قوله المنكرين من الأمم قبلهم: {قالوا أإذا متنا وكنا تراباً إنا لمبعوثون} وهو انكار صريح منهم للعبث الآخر. وقالوا أيضاً ما أخبر تعالى عنهم، وهم يعلنون تكذيبهم لله تعالى ورسوله: {ولقد وعدنا نحن وأباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين} أي لقد وعد هذا آباؤبا من قبل ولم يحصل ما هذا الذي يقال إلا أساطير أي حكايات سطرها الأولون في كتبهم فهي تروى ويتناقلها الناس ولا حقيقة لها ولا وجود.

.من هداية الآيات:

1- وجوب الشكر لله تعالى بطاعته على نعمه ومن بينها نعمة السمع والبصر والقلب.
2- تقرير عقدية البعث والجزاء بما تضمنت الآيات من الأدلة العديدة على ذلك.
3- سوء التقليد وآثارة في السلوك الإنساني بحيث ينكر المقلد عقله.

.تفسير الآيات (84- 92):

{قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)}

.شرح الكلمات:

{قل أفلا تذكرون}: فتعلمون أن من له الأرض ومن فيها خلقاً وملكاً قادر على البعث وأنه لا إله إلا هو.
{قل أفلا تتقون}: أي كيف لا تتقونه بالإيمان به وتوحيده وتصديقه في البعث والجزاء.
{من بيده ملكوت كل شيء}: أي ملك كل شيء يتصرف فيه كيف يشاء.
{وهو يجير ولا يجار عليه}: يحفظ وحيمي من يشاء ولا يُحمى عليه ويحفظ من أراده بسوء.
{فأنى تسحرون}: أي كيف تخدعون وتصرفون عن الحق.
{بل أتيناهم بالحق}: أي بما هو الحق والصدق في التوحيد والنبوة والبعث والجزاء.
{ولعلا بعضهم على بعض}: أي قهراً وسطاناً.
{عما يصفون}: أي من الكذب كزعمهم أن لله ولداً وأن له شريكاً وأنه غير قادر على البعث.

.معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في دعوة المشركين إلى التوحيد والإيمان بالبعث والجزاء فقال تعالى لرسوله قل لهؤلاء المشركين المنكرين للبعث والجزاء {لمن الأرض ومن فيها} من المخلوقات {إن كنتم تعلمون} من هي له فسموه. ولما لم يكن لهم من بُدٍّ أن يقولوا {لله} أخبر تعالى أنهم سيقولون لله. إذاًَ قل لهم: {أفلا تذكرون} فتعلموا أن من له الأرض ومن فيها خلقاً وملكاً وتصرفاً لا يصلح أن يكون له شريك من عباده، وهو رب كل شيء ومليكه، وقوله: {قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم} أي سَلْهُمْ من هو رب السموات السبع وربّ العرش العظيم. الذي أحاط بالملكوت كله، أي من هو خالق السموات السبع، ومن فيهن ومن خالق العرش العظيم ومالك ذلك كله والمنصرف فيه، ولما لم يكن من جواب سوى الله أخبر تعالى أنهم سيقلون الله أي خالقها وهي لله ملكا وتدبيرا وتصريفا إذا قل لهم يا رسولنا {أفلا تتقون} أي الله وأنتم تنكرون عليه قدرته في إحياء الناس بعد موتهم وتجعلون له أندادا تعبدونها معه، أما تخافون عقابه أما تخشون عذابه وقوله تعالى: {قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه} أي سلهم يا رسولنا فقل لهم من بيده ملكوت كل شيء أي ملك كل شيء وخزائنه؟ وهو يجير من يشاء أي يحمي ويحفظ من يشاء فلا يستطيع أحد أن يمسه بسوء ولا يجار عليه، أي ولا يستطيع أحد أن يجير أي يحمي ويحفظ عليه أحداً أراده بسور وقوله: {إن كنتم تعلمون} أي إن كنتم تعلمون أحداً غير الله بيده ملكوت كل شيء ويجير ولا يجار عليه فاذكروه، ولما لم يكن لهم أن يقولوا غير الله، أخبر تعالى أ، هم سيقلون الله أي هو الذي بيده ملكوت كل شيء وهي لله خلقاً وملكاً وتصرفاً إذاً قل لهم {فأنى تسحرون} أي كيف تخدعون فتصرفون عن الحق فتعبدون غير الخالق الرازق، وتنكرون على الخالق إحياء الأموات وبعثهم وهو الذي أحياهم أولاً ثم أماتهم ثانياً فكيف ينكر عليه إحياءهم مرة أخرى وقوله تعالى: {بل أتيناهم بالحق} أي ليس الأمر كما يتوهمون ويخيل إليهم بل أتيناهم بذكرهم الذي هو القرآن به يذكرون لأنه ذكرى وذكر، وبه يذكرون لأنه شرف لهم وإنهم لكاذبون في كل ما يدعون ويقولون.
{ما اتخذ الله من ولد} ولا بنت، {وما كان معه من إله} ولا ينبغي ذلك، والدليل المنطقي العقلي الذي لا يرد وأنه لو كان مع الله إله آخر لقاسمه الملك وذهب كل إله بما خلق، ولحارب بعضهم بعضاً وعلا بعضهم على بعض غلبة وقهراً وقوله تعالى: {سبحان الله} تنزيهاً لله تعالى عما يصفه به الواصفون من صفات العجز كاتخاذ الولد والشريك، والعجز عن البعث، وقوله تعالى: {عالم الغيب والشهادة} أي ما ظهر وما بطن، وما غاب وما حضر فلو كان معه آلهة أخرى لعرفهم وأخبر عنهم ولكن هيهات هيهات أن يكون مع الله إله آخر وهو الخالق لكل شيء والمالك لكل شيء {فتعالى عما يشركون} علواً كبيراً وتنزه تنزهاً عظيماً.

.من هداية الآيات:

1- مشروعية توبيخ المتغافل المتجاهل وتأنيب المتعامي عن الحق وهو قادر على رؤيته.
2- تقرير ربوبية الله تعالى وألوهيته.
3- تنزيه الله تعالى عن الصاحبة والولد وإبطال ترهات المفترين.
4- الإستدلال العقلي ومشروعيته والعمل به لإحقاق الحق وإبطال الباطل.

.تفسير الآيات (93- 100):

{قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)}

.شرح الكلمات:

{إما تريني ما يوعدون}: أي إن تُريني من العذاب.
{ادفع بالتي هي أحسن}: أي ادفع بالخصلة التي هي أحسن وذلك كالصفح والإِعراض عنهم.
{من همزات الشياطين}: أي من وساوسهم التي تخطر بالقلب فتكاد تفسده.
{أن يحضرون}: أي في أموري حتى لا يفسدوها علي.
{جاء أحدهم الموت}: أي رأى علاماته ورآه.
{برزخ}: أي حاجز يمنع وهو مدة الحياة الدنيا، وإن عاد بالبعث فلا عما يقبل.

.معنى الآيات:

في هذا السياق تهديد للمشركين الذين لم ينتفعوا بتلك التوجيهات التي تقدمت في الآيات قبل هذه، فأمر الله تعالى رسوله أن يدعوه ويضرع إليه إن هو أبقاه حتى يحين هلاك قومه، أن لا يهلكه معهم فقال: {قل رب إما تريني} أي أن تريني {ما يوعدون} أي من العذاب، {رب فلا تجعلني في القوم الظالمين} بل أخرجني منهم وأبعدني عنهم حتى لا أهلك معهم. وقوله تعالى: {وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون} يخبر تعالى رسوله بأنه قادر على إنزال العذاب الذي وعد به المشركين إذا لم يتوبوا قبل حلوله بهم.
وقوله: {ادفع بالتي هي أحسن} هذا قل أمره بقتالهم: أمره بأن يدفع ما يقولونه له في الكفر والتكذيب بالخُلَّة والخصلة التي هي أحسن وذلك كالصفح والإعراض عنهم وعدم الإلتفاف إليهم. وقوله: {ونحن أعلم بما يصفون} أي من قولهم لله شريك وله ولد، وأنه ما أرسل محمداً رسولاً، وأنه لا بعث ولا حياة ولا نشور يوم القيامة وقوله: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون} لما علمه الاحتراز والتحصُّن من المشركين بالصفح والإعراض أمره أن يتحصن من الشياطين بالإستعاذة بالله تعالى فأمره أن يقول {رب} أي يا رب {أعوذ بك} أي استجير بك من همزات الشياطين أي وساوسهم حتى لا يفتنوني عن ديني وأعوذ بك أن يحضروا أمري فيفسدوه على.
وقوله تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت} أي إذا حضر أحد أولئك المشركين الموت أي رأى ملك الموت وأعوانه وقد حضروا لقبض روحه {قال رب ارجعون} أي أخروا موتي كي أعمل صالحاً فيما تركت العمل فيه بالصلاح، وفيما ضيعت من واجبات قال تعالى رداً عليه {كلا} أي لا رجوع أبداً، {إنها كلمة هو قائلها} لا فائدة منها ولا نفع فيها، {ومن ورائهم برزخ} أي حاجز مانع من العودة إلى الحياة وهو أيام الدنيا كلها حتى إذا انقضت عادوا إلى الحياة، ولكن ليست حياة عمل وإصلاح ولكنها حياة حساب وجزاء هذا معنى قوله: {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون}.

.من هداية الآيات:

1- مشروعية الدعاء والترغيب فيه وإنه لذو جدوى للمؤمن.
2- استحباب دفع السيء من القول أو الفعل بالصفح والإعراض عن صاحبه.
3- مشروعية الإستعاذة بالله تعالى من وساوس الشياطين ومن حضورهم أمر العبد الهام حتى لا يفسدوه عليه بالخواطر السيئة.
4- موعظة المؤمن بحال من يتمنى العمل الصالح عند الموت فلا يُمكن منه فيموت بندمه وحسرته ويلقى جزاء تفريطه حرماناً وخسراناً في الدار الآخرة.

.تفسير الآيات (101- 107):

{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107)}

.شرح الكلمات:

{في الصور}: أي في القرن المعبر عنه بالبوق نفخة القيام من القبور للحساب والجزاء.
{المفلحون}: أي الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة.
{تلفح وجوههم النار}: أي تحرقها.
{وهم فيها كالحون}: الكالح من أحرقت النار جلدة وجهه وشفتيه فظهرت أسنانه.
{ألم تكن آياتي تتلى عليكم}: أي يوبخون ويذكرون بالماضى ليحصل لهم الندم والمراد بالآيات آيات القرآن.
{غلبت علينا شقوتنا}: أي الشقاوة الأزلية التي تكتب على العبد في كتاب المقادير قبل وجوده.
{أخرجنا منها فإن عدنا}: أي من النار فإن عدنا إلى الشرك والمعاصي.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في تقرير التوحيد والنبوة والبعث والجزاء والدعوة إلى ذلك وعرض الأدلة وتبيينها وتنويعها، إذ لا يمكن استقامة إنسان في تفكيره وخلقه وسلوكه على مناهج الحق والخبر إلا إذا آمن إيماناً راسخاً بوجود الله تعالى ووجوب طاعته وتوحيده في عباداته، وبالواسطة في ذلك وهو الوحي والنبي الموحي إليه، وبالبعث الآخر الذي هو دور الحصاد لما زرع الإنسان في هذه الحياة من خير وشر فقوله تعالى: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} هذا عرض لما يجرى في الآخرة فيخبر تعالى أنه إذا نفخ إسرافيل بإذن الله في الصور الذي هو القرن أي كقرن الشاة لقوله تعالى: {فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير} فلشدة الهول وعظيم الفزع لم يبق نسب يراعى أو يلتفت إليه بل كل واحد همه نفسه فقط، ولا يسأل حميم حميماً وسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: هل تذكرون أهليكم يا رسول الله يوم القيامة فقال: «أما عند ثلاثة فلا: إذا تطايرت الصحف، وإذا وضع الميزان وإذا نصب الصراط» ومعنى هذا الحديث واضح والشاهد منه ظاهر وهو أنهم لا يتساءلون.
وقوله تعالى: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} أي من رجحت كفة حسناته على كفة سيئآته أفلح أي نجا من النار وأدخل الجنة وَمن خفت موازينه بأن حصل العكس فقد خسر وأبعد عن الجنة وأدخل النار وهذا معنى قوله تعالى: {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا انفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون} أي تحرق وجوههم النار فيكلحون باحتراق شفاههم وتظهر أسنانهم وهو أبشع منظر وأسوأه وقوله تعالى: {ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون} هذا يقال لهم تأنبياً وتوبيخاً وهم في جهنم وهو عذاب نفساني مع العذاب الجثماني {ألم تكن آياتي تتلى عليكم} أما كان رسلنا يتلون عليكم آياتنا {فكنتم بها تكذبون} بأقوالكم وأعمالكم أو بأعمالكم دون أقوالكم فلم تحرموا ما حرم الله ولم تؤدوا ما أوجب الله، ولم تنتهوا عما نهاكم عنه.
وقوله تعالى: {قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا} هذا جوابهم كالمعتذرين بأن شقاءهم كان بقضاء وقدر فلذا حيل بينهم وبين الإيمان والعمل الصالح. وقوله تعالى: {وكنا قوماً ضالين} هذا قولهم أيضاً وهو اعتراف صريح بأنهم كانوا ضالين. ثم قالوا ما أخبر تعالى به عنهم بقوله: {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} هذا دعؤهم وهم في جهنم يسْألون ربهم أن يردهم إلى الدنيا ليؤمنوا ويستقيموا على صراط الله المستقيم الذي هو الإسلام وسوف ينتظرون جواب الله تعالى ألف سنة، وهو ما تضمنته الآيات التالية.

.من هداية الآيات:

1- تقرير عقيدة البعث والجزاء من خلال عرض أحداثها في هذه الآيات.
2- تقرير أن وزن الأعمال يوم القيامة حق وإنكاره بدعة مكفرة.
3- تقرير أن إسرافيل ينفخ في الصور وإنكار ذلك وتأويله بلفظ الصور كما فعل المراغي. عند تفسيره هذه الآية مع الأسف بدعة من البدع المنكرة ولذا نبهت عليها هنا حتى لا يغتر بها المؤمنون.
4- الإعتذار بالقدر لا ينفع صاحبه، إذ القدر مستور فلا ينظر إليه والعبد مأمور فليؤتمر بأمر الله ورسوله ولينته بنهيهما ما دام العبد قادراً على ذلك فإن عجز فهو معذور.