فصل: تفسير الآيات (142- 145):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.تفسير الآيات (127- 129):

{وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)}

.شرح الكلمات:

{قال الملأ}: أي لفرعون.
{أتذر}: أي أنترك.
{وقومه}: أي بني إسرائيل.
{ليفسدوا في الأرض}: أي في البلاد بالدعوة إلى مخالفتك، وترك طاعتك.
{وآلهتك}: أصناماً صغاراً وضعها ليعبدها الناس وقال أنا ربكم الأعلى وربها.
{نستحيي نساءهم}: نبقي على على نسائهم لا تذبحهن كما تذبح الأطفال الذكور.
{ويستخلفكم في الأرض}: أي يجعلكم خلفاء فيها تخلفون الظالمين بعد هلاكهم.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في أحداث قصص موصى وفرعون انه بعد انتصار موسى في المباراة وإيمان السحرة ظهر أمر موسى واتبعه ستمائة ألف من بني إسرائيل، وخاف قوم فرعون من إيمان الناس بموسى وبما جاء به من الحق قالوا لفرعون على وجه التحريض والتحريك له {أتذر موسى وقومه} يريدون بني إسرائيل {ليفسدوا في الأرض} أي أرض مصر فإفساد خدمك وعبيدك {ويذرك وآلهتك} أي ويترك فلا يخدمك ولا يطيعك ويترك آلهتك فلا يعبدها إذ كان لفرعون أصنام يدعو الناس لعبادتها لتقربهم إليه وهو الرب الأعلى للكل. وبعد هذا التحريش الإِغراء من رجال فرعون ليبطش بموسى وقومه قال فرعون {سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم} كما كان يفعل قبل عند أخبر بأن سقوط ملكه سيكون على يد بني إسرائيل {وإنا فوقهم قاهرون} هذه الكلمة من فرعون في هذا الظرف بالذات لا تعد وأن تكون تعويضاً عما فقد من جبروت ورهبوت كان له قبل هزيمته في المبارة وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. هذا ما دلت عليه الآية الأولى (127) وهي قوله تعالى: {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك. قال سنقتل طأبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فرقهم قاهرون} وكان رد موسى عليه السلام على هذا التهديد والوعيد الذي أرعب بني إسرائيل وأخافهم ما جاء في الآية الثانية (128): {وقال موسى لقومه} أي من بني إسرائيل {استعينوا بالله} على ما قد ينالكم من ظلم فرعون، وما قد يصيبكم من أذى انتقاماً لما فقد من علوه وكبريائه {واصبروا} على ذلك، واعلموا {ان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} فمى صبرتم على ما يصيبكم فلم تجزعوا فترتدوا، واتقيتم الله ربكم فلم تتركوا طاعته وطاعة رسوله أهلك عدوكم وأورثكم أرضه ودياره، وسبحان الله هذا الذي ذكره موسى لبني إسرائيل قد تم حرفياً بعد فترة صبر فيها بنو إسرائيل واتقوا كما سيأتي في هذا السياق بعد كذا آية، وهنا قال بنو إسرائيل ما تضمنته الآية الأخيرة (129): {قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا} بما أتيتنا به من الدين والآيات، وذلك عندما كان فرعون يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم للخدمة {ومن بعدما جئتنا} وهذه منهم كلمة الآيس المهزوم نفسياً لطول ما عانوا من الاضطهاد والعذاب من فرعون وقومه الأقباط.
فأجابهم موسى عليه السلام قائلا: محيياً الأمل في نفوسهم وإيصالهم بقوة الله التي لا تقهم {عسى ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} وهذا الذي رجاه موسى ورجاه بني إسرائيل قد تم كاملاً بلا نقصان والحمد لله الكريم المنان.

.من هداية الآيات:

1- خطر بطانة السوء على الملوك والرؤساء تجلت في إثارة فرعون ودفعه إلى البطش بقولهم {أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض...} إلخ.
2- بيان فضيلة الصبر والتقوى أنها مفتاح النصر وإكسير الكمال البشري.
3- النفوس المريضة علاجها عسير ولكن بالصبر والمثابرة تشفى إن شاء الله تعالى.
4- بيان صدق ما رجاه موسى من ربه حيث تحقق بحذافيره.
5- استحسان رفع معنويات المؤمنين بذكر حسن العاقبة والتبشير بوعد الله لأوليائه أهل الإِيمان والتقوى.

.تفسير الآيات (130- 133):

{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133)}

.شرح الكلمات:

{أخذنا آل فرعون بالسنين}: أي عاقبناهم بِسِنِيى الجدب والقحط.
{ونقص من الثمرات}: بالجوائح تصيبها، وبعدم صلاحيتها.
{الحسنة}: ما يحسن من خصب ورخاء وكثرة رزق وعافية.
{سيئة}: ضد الحسنة وهي الجدب والغلاء والمرض.
{يطيروا بموسى}: أي يتشاءمون بموسى وقومه.
{الطوفان والضفادع}: الطوفان الفيضانات المغرقة، والجراد معروف بأكل الزرع والثمار، والقمل جائز أن يكون القمل المعروف وجائز أن يكون السوس في الحبوب، والضفادع جمع ضفدعة. حيوان يوجد في المياه والمستنقعات.
{والدم}: والدم معروف قد يكون دم رعاف أو نزيف، أو تحول الماء ماء الشرب إلى دم عبيط في أوانيهم وأفواههم آية لموسى عليه السلام.
{فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين}: حيث لم يؤمنوا بهذه الآيات. أي مفسدين حيث حكم بإهلاكهم.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في قصص موسى مع آل فرعون انه لما شاهد فرعون وآله آية العصا وانهزام السحر أمامهم وإيمان السحرة خملهم الكبر على مواصلة الكفر والعناد فأصابهم الرب تعالى بجفاف وقحط سنوات لعلهم يذكرون، ولم يذكروا فحول الله تعالى جدبهم إلى خصب، وبلاءهم إلى عافية فلم يرجعون وقالوا في الرخاء هذه لنا نحن مستحقوها وجديرون بها، وقالوا في القحط والبلاء قالوا هذه من شؤم موسى وبني إسرائيل، قال تعالى: {ألا أنما طائرهم عند الله} وذلك لأنه مدبر الأمر وخالق كل شيء وجاعل للحسنة أسبابها وللسيئة أسبابها ولكن أكثرهم لا يعلمون فلذلك قالوا اطيرنا بموسى ومن معه وأصروا على الكفر ولجوا في المكابرة والعناد حتى قالوا لموسى {مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين} ولو علموا ما أصروا على الكفر ولما قالوا ما قالوا فأسباب الحسنة الإِيمان والتقوى، وأسباب السيئة الكفر والمعاصي، إذ المراد بالحسنة والسيئة هنا: الخير والشر. وهنا وبعد هذا الإِصرار والعناد والمكابرة رفع موسى يديه إلى ربه يدعوه فقال: يا رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغا وعتا، وأن قومه قد نقضوةا العهد فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدهم آية، فاستجاب الله تعالى دعاءه فأرسل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم فأخذهم الطوفان أولاً فكادوا يهلكون بالغرق فجاءوا موسى وطلبوا منه أن يدعو ربه ليرفع عنهم هذا العذاب فإن رفعه عنهم آمنوا وأرسلوا معه بني إسرائيل فدعا ربه واستجاب لله تعالى فأخذوا شهراً في عافية فطلب منهم موسى ما وعدوه به فتنكروا لوعدهم وأصروا على كفرهم فأرسل الله تعالى عليهم الجراد فأكل زروعهم وأشجارهم وثمارهم حتى ضجوا وصاحوا وأتوا موسى عنهم ذلك فلبثوا مدة آمنين من هذه العاهة وطالبهم موسى بوعدهم فتنكروا له، وهكذا حتى تمت الآيات الخمس مفصلات ما بين كل آية وأخرى مدة تقصر وتطول فاستكبروا عن الإِيمان والطاعة وكانوا قوماً مجرمين مفسدين لا خير فيهم ولا عهد لهم.

.من هداية الآيات:

1- من تدبير الله تعالى أخذه عباده بالشدائد لعلهم يذكرون فيتعظون ويتوبون.
2- بطلان التطير مطلقاً، وإنما الشؤم في المعاصي بمخالفة شرع الله فيترتب على الفسق والعصيان البلاء والعذاب.
3- الجهل سبب الكفر والمعاصي وسوء الأخلاق وفساد الأحوال.
4- عدم إيمان آل فرعون مع توارد الآيات عليهم دال على أن إيمانهم لم يسبق به القدر.
كما هو دال على أن الآيات المعجزات لا يتستلزم الإِيمان بالضرورة.
5- التنديد بالإِجرام وهو إفساد النفس بالشرك والمعاصي.

.تفسير الآيات (134- 137):

{وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)}

.شرح الكلمات:

{الرجز}: العذاب وهو الخمسة المذكورة في آية (133) الآنفة الذكر.
{إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون}: المراد من الأجل أنهم كانوا إذا سألوا موسى أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب ويعدونه بالإِيمان وإرسال بنس إسرائيل معه فيرفع الله عنهم العذاب فيمكثون زمنا ثم يطالبهم موسى بالإِيمان وإرسال بني إسرائيل فيأبون عليه ذلك وينكثون عهدهم.
{فانتقمنا منهم}: أي أنزلنا بهم نقمتنا فأغرقناهم في اليم الذي هو البحر.
{الذين كانوا يستضعفون}: هم بنو إسرائيل.
{مشارق الأرض ومغاربها}: هي أرض مصر والشام.
{وتمَّت كلمة ربك الحسنى}: هي وعدة تعالى لهم في قوله: {ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين}- من سورة القصص-. وما كانوا يعرشون: أي يرفعون من مباني الدور والقصور العالية.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في قصص موسى مع فرعون وقومه، وهذه هي الآيات الأخيرة في هذا القصص. إنه لما وقع عليهم الرجز وهو العذاب المفصل الطوفان فالجراد، فالقمل، فالضفادع، فالدم {قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك} أي من كشف العذاب عنا إن نحن آمنا بك وبما جئت به وبما تطالب به من إرسال بني إسرائيل معك وحلفوا وقالوا {لئن كشفت عنا الرجز} {لنؤمن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل} قال تعالى: {فلما كشف عنهم الرجز} أي العذاب {إلى أجل هم بالغوه} إلى وقت ينتهون إليه {إذ هم ينكثون} عهودهم ولم يؤمنوا ولم يرسلوا بني إسرائيل وكان هذا ما بين كل آية وآية حتى كانت الخمس الآيات، ودقت ساعة هلاكهم قال تعالى: {فأغرقناهم في اليم} وهو البحر الملح أي أغرق فرعون وجنده ورجال دولته وأشراف بلاده، ثم ذكر تعالى علة هذ الهلاك الذي حاق بهم ليكون عبرة لغيرهم وخاصة قريش التي ما زالت مصرة على الشرك والتكذيب، فقال تعالى: {بأنهم كذبوا بآياتنا وكانا عنها غافلين} كما هي الحال في قريش ومشركي العرب وكفارهم. وختم تعالى هذا القصص قصص موسى مع فرعون بقوله: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} وهم بنو إسرائيل حيث استعبدهم فرعون الظالم وآله زمناً غير قصير {مشارق الأرض ومغاربها} وهي أرض مصر والشام إذ الكل مما بارك الله تعالى فيه إلا أن أرض الشام أولاً ثم أرض مصر ثانياً، إذ دخل بنو إسرائيل أرض فلسطين بعد وفاة موسى وهارون حيث غزا بهم يوشع بن نون العمالقة في أرض فلسطين وفتح البلاد وسكنها بنو إسرائيل وقوله تعالى: {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} والمراد من كلمة الله قوله في سورة القصص {ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما ما كانوا يحذرون}
وقوله تعالى: {ودمرنا ما كان يعرشون} ويرفعون ويعلون من صروح عالية، وحدائق أعناب زاهية زاهرة وأورث أرضهم وديارهم وأموالهم قوماً أخرين غيرهم، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. إلى هنا انتهى قصص موسى عليه السلام مع فرعون وملائه وكانت العاقبة له والحمد لله.

.من هداية الآيات:

1- ضعف الإِنسان يظهر عند نزول البلاء به حيث يفزع إلى الله تعالى يدعوه ويضرع إليه وعند رفعه حيث ينسى ما نزل به ويعود إلى عاداته وما كان عليه من الشرك والمعاصي إلا من آمن وعمل صالحاً فإنه يخرج من دائرة الضعف حيث يصبر عند البلاء ويشكر عند النعماء.
2- سبب العذاب في الدنيا والآخر التكذيب بآيات الله بعدم الإِيمان والعمل بها، والغفلة عنها حيث لا يتدبّر ولا يفكر فيها وفي ما نزلت لأجله.
3- مظاهر قدرة الله، وصادق عنده، وعظيم منته على خلقه، وحسن تدبيره فيهم فسبحانه من إله عليم حكيم، رؤوف رحيم.

.تفسير الآيات (138- 141):

{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)}

.شرح الكلمات:

{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر}: أي قطعنا بهم فاجتازوه إلى ساحله.
{يعكفون على أصنام لهم}: يجلسون إلى تماثيل بقر منحوته من حجر.
{اجعل لنا إلهاً}: أي معبوداً يريدون تمثالاً كالذي شاهدوه.
{تجهلون}: أي أنَّ العبادة لا تكون إلا لله تعالى.
{متبرما هم فيه}: هالك خاسر لا يكسبرهم خيراً ولا يدفع عنهم شراً.
{وإذ نجيناكم}: أي واذكروا نعم الله عليكم بإنجائه إياكم من آل فرعون.
{يسومونكم سوء العذاب}: يوردونكم موارد الردى والهلاك بما يصيبونكم به من عذاب.
{بلاء من ربكم}: أي اختبار وامتحان قاسٍ شديد.

.معنى الآيات:

هذا بداية قصص جديد لنبي الله تعالى موسى مع قومه من بني إسرائيل إنه بعد هلاك فرعون وجنوده في اليم، انتهى الكلام على دعوة موسى لفرعون وملئه، وبذلك استقبل موسى وأخوه هارون مشاكل جديدة مع قومهما انه بعد أن جاوز تعالى ببني إسرائيل البحر ونزلوا على شاطئه سالمين مرّوا بأناس يعكفون على تماثيل لهم وهي عبارة عن أبقار حجرية منحوته نحتاً يعبدونها وهم عاكفون عليها وما إن رأى بنو إسرائيل هؤلاء العاكفين على الأصنام حتى قالوا لموسى يا موسى اجعل لنا إلها كما لهؤلاء آلهة، وهي كلمة دالة على جهلٍ بالله تعالى وآياته. فما كان من موسى عليه السلام حتى جابههم بقوله: {إنكم قوم تجهلون} وواصل تأنيبه لهم وإنكاره الشديد عليهم فقال: {إن هؤلاء} أي العاكفين على الأصنام والذين غرتكم حالهم {متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} أي إنهم وما هم عليه من حال في هلاك وخسار، ثم قال لهم منكرً متعجباً {أغير الله أبغيكم إلهاً} أي غير ربي عز وجل أطلب لكم إلهاً تعبدونه دون الله ما لكم أين يذهب بعقولكم، وهو سبحانه وتعالى فضلكم على العالمين وشرفكم على سائر سكان المعمورة أهكذا يكون شكركم له بطلب إله غيره، وهل هناك من يستحق العبادة غيره؟ وقوله تعالى في الآية الأخيرة (141): {وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب} أياكم من فرعون وآله وهم الذين كانوا على منهجه في الظلم والكفر من رجال حكمه وأفراد شرطه وجيوشه {يسومونكم سوء العذاب. يقتلون أبناءكم} حتى لا تكثروا، {ويستحيون نساءكم} للامتهان والخدمة، وفي هذا التعذيب والإِنجاء منه {بلاء من ربكم عظيم} يتطلب شكركم لا كفركم، فيكف تريدون أن تعبدوا غيره، وتشركوا به أصناماً لا تنفع ولا تضر، إن أمركم لجد مستغرب وعجب فاتقوا الله وتوبوا إليه.

.من هداية الآيات:

1- طلب بني إسرائيل من موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلهاً يعبدونه دال على جهل تام في بني إسرائيل ولذا قال لهم موسى {إنكم قوم تجهلون} فالعلة في هذا الطلب العجيب هي الجهل بالله تعالى وأسمائه وصفاته، يشهد لهذا أن مسلمة الفتح لما خرج بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حينين مروا بسدرة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أجعلها لنا ذات أنواط ننيط بها فعجب الرسول من قوله وقال: «سبحان الله ما زدتم أن قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى: {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة}» فجهل القائلين هو الذي سهل عليهم أن يقولوا مثل هذا القول، ويشهد لذلك أن آلاف الأشجار والمزارات في بلاد المسلمين تزار ويتبرك بها وتقدم لها القرابين ولا علة لذلك سوى جهل المسلمين بربهم عز وجل.
2- إنكار المنكر عند وجوده والعثور عليه بالأسلوب الذي غيره.
3- استحباب التذكير بأيام الله خيرها وشرها لاستجلاب الموعظة للناس لعلهم يتوبون.
4- الرب تعالى يبتلى بالخير والغير، وفي كل ذلك خير لمن صبر وشكر.

.تفسير الآيات (142- 145):

{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)}

.شرح الكلمات:

{ميقات}: الميقات: الوقت المعين.
{أخلفني في قومي}: أي كن خليفتي فيهم.
{المفسدين}: أي كن خليفتي فيهم.
{استقر مكانه}: الذين يعملون بالمعاصي.
{خرّ}: سقط على الأرض.
{أفاق}: ذهب عنه الإِغماء وعاد إليه وعيه.
{اصطفيتك}: أخرتك.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في ذكر أحداث موسى مع بني إسرائيل انه لما نجى الله تعالى بني إسرائيل من فرعون وملئه، وحدثت حادثة طلب بني إسرائيل من موسى أن يجعل لهم إلهاً كما للمشركين إلهاً وقد أنبأهم موسى وأدبهم عن قولهم الباطل واعد الله تعالى موسى أن يناجيه بجبل الطور وجعل له الموعد الذي يلقاه فيه شهراً ثلاثين يوماً وكانت شهر القعدة وزادها عشراً من أول الحجة فتم الميقات أربعين ليلة. وعند خروجه عليه السلام استخلف في بني إسرائيل أخاه هارون وأوصاه بالإِصلاح، ونهاه عن اتباع آراء المفسدين هذا معنى قوله تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} وكان ذلك من أجل أن يأتي بني إسرائيل بكتاب من ربهم يتضمن شريعة كاملة يساسون بها وتحكمهم ليكملوا ويسعدوا عليها.
وقوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا} أي في الموعد الذي واعدنا والوقت الذي حددنا وكلمه ربه بلا واسطة بينهما بل كان يسمع كلامه ولا يرى ذاته، تاقت نفس موسى لرؤية ربه تعالى، فطلب ذلك فقال: {ربّ أرني أنظر إليك} فأجابه ربه تعالى بقوله إنك لن تراني أي رؤيتك لي غير ممكنة لك، ولكن إذا أردت أن تتأكد من أن رؤيتك لي في هذه الحياة غير ممكنة فانظر إلى الجبل جبل الطور فإن استقر مكانه بعد أن أتجلى له، فسوف تراني {فلما تجلى للجبل جعله دكاً وخر موسى} عند رؤية الجبل {صَعِقا} أي مغشياً عليه {فلما أفاق} مما اعتراه من الصعق {قال سبحانك} أي تنزيهاً لك وتقديساً {تبت إليك} فلم أسألك بعد مثل هذا السؤال {وأنا أول المؤمنين} بك وبجلالك وعظيم سلطانك وأنا عبدك عاجز عن رؤيتك في هذه الدار دار التكليف والعمل.
وها أجابه ربه تعالى قائلا {يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك} من هذا الكمال والخير والعظيم {وكن من الشاكرين} لي على إنعامي لأزيدك وذلك بطاعتي والتقرب إلى بفعل محابي وترك مكارهي. وقوله تعالى: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء} أي كتبنا له في ألواحه من كل شيء من أمور الدين والدنيا موعظة لقومه من أمر ونهي وترغيب وترهيب، وتفصيلا لكل شيء يحتاجون إلى بيانه وتفصيله.
وقوله: {فخذها بقوة} أي وقلنا له خذها بقوة أي بعزم وجد وذلك بالعمل بحلالها وحرامها فعلاً وتركاً، {وأمر قومك} أيضاً {يأخذون بأحسنها} أي بما هو عزائم فيها وليس برخص تربية لهم وتعويداً لهم على تحمل العظائم لما لازمهم من الضعف والخور دهراً طويلاً. وقوله تعالى: {سأريكم دار الفاسقين} يتضمن النهي لبني إسرائيل عن ترك ما جاء في الألواح من الشرائع والأحكام فإنهم متى تركوا ذلك أو شيئاً منه يعتبرون فاسقين، وللفاسقين نار جهنم هي جزاؤهم يوم يلقون ربهم، وسيريهم إياها، فهذه الجملة تحمل غاية الوعيد والتهديد للذين يفسقون عن شائع الله تعالى بإهمالها وعدم العمل بها، فليحذر المؤمنون هذا فإنه أمر عظيم.

.من هداية الآيات:

1- المحافظة على المواعيد أمر محبوب للشارع مرغب فيه وهو من شمات الصادقين.
2- جواز الاستخلاف في الأرض في مهام الأمور فضلاً عما هو دون ذلك.
3- مشروعية الوصية للخلفاء بما هو خير.
4- امكان رؤية الله تعالى وهي ثابتة في الآخرة لأهل الجنة.
5- استحالة رؤية الله تعالى في الدنيا لضعف الإِنسان على ذلك.
6- وجود الامة القابلة لأحكام الله قبل وجود الشرع الذي يحكمها.