فصل: تفسير الآيات (149- 160):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.تفسير الآيات (99- 113):

{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)}

.شرح الكلمات:

{إني ذاهب إلى ربي سيهدين}: أي إني مهاجر إلى ربي سيهدين إلى مكان أعبده فيه فلا أمنع فيه من عبادته.
{ربّ هب لي من الصالحين}: أي ولداً من الصالحين.
{بغلام حليم}: أي ذي حلم وصبر كثير يولد له.
{فلما بلغ معه السعي}: أي بلغ من العمر ما اصبح يقدر فيه على العمل كسبع سنين فأكثر.
{فانظر ماذا ترى}: أي من الرأي الرشد.
{من الصابرين}: أي على الذبح الذي أُمرت به.
{فلما أسلما}: أي خضعا لأمر الله الولد والوالد وانقادا له.
{وتله للجبين}: أي صرعه على جبينه بأن وضع جبينه على الأرض ولكل إنسان جبينان أيمن وأيسر والجبهة بينهما.
{قد صدقت الرؤيا}: أي بما عزمت عليه وفعلته من الخروج بالولد إلى منى وصرعه على الأرض وإمرار السكين على حلقه.
{إن هذا لهو البلاء المبين}: أي الأمر بالذبح اختبار عظيم.
{وفديناه بذبح عظيم}: أي كبش كبير.
{وتركنا عليه في الآخرين}: أي أبقينا عليه ثناءً وذكراً حسنا فيمن جاء بعده من الناس.
{وباركنا عليه وعلى اسحق}: أي وباركنا عليه بتكثير ذريته وذرية إسحاق حتى إن عامة الأنبياء من ذريتهما.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في قصة إبراهيم الخليل إنه بعد أن أُلقي به في النار وخرج بحمد الله سالماً قرر الهجرة وترك البلاد، وقال: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين} أي إني ذاهب إلى حيث أذن لي ربي بالهجرة إليه حيث أتمكن من عبادته فذهب إلى بلاد الشام ونزل أولا بحران من الشام، وقوله سيهدين أي يثبتني بدوام هدايته لي. ودعا ربّه قائلا {ربّ هب لي من الصالحين} أي ارزقني أولاداً صالحين. فاستجاب الله تعالى له وذلك انه سافر في أرض القدس مع زوجته سارة وانتهى مصر، وحدث أن وهب طاغية مصر جارية لسارة تسمى هاجر فوهبتها سارة لزوجها إبراهيم فتسراها فولدت له غلاماً هو إسماعيل وهو استجابة الله تعالى لإبراهيم في دعائه عند هجرته {رب هب لي من الصالحين} وهو قوله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم}. وقد أخذ سارة ما يأخذ النساء من الغيرة لما رأت جارية إبراهيم أنجبت له إسماعيل فأمر الله إبراهيم بأن يأخذها وطفلها إلى مكة إبعاداً لها عن سارة ليقل تألمها. وهناك بمكة رأى إبراهيم رؤيته ورؤيا الأنبياء وحي وقال لإسماعيل ما أخبر تعالى به في قوله، {فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي} كابن سبع سنين فأكثر بمعنى أصبح قادرا على العمل معه {قال يا بنيّ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} أي استشارة ليرى رأيه في القبول أو الرفض فأجاب إسماعيل قائلا {يا ابت افعل ما تؤمر} أي ما يأمرك به ربك {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} وفعلا خرج به إبراهيم من حول البيت إلى منى وانتهى إلى مكان تجاوز به مكان الجمرات الثلاث وتله للجبين أي صرعه على جبينه بأن وضع جبينه على الأرض وأخذ المدية ووضعها على رقبته والتفت لأمر ما وإذا بكبش أملح والهاتف يقول اترك ذاك وخذ هذا فترك الولد وذبح الكبش وكانت آية.
وهو قوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم}، وقوله تعالى: {وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين} أي الاختبار البيّن وبذلك تأهل للخلة وأصبح خليل الرحمن، وقوله تعالى: {وفديناه} أي اسماعيل {بذبح عظيم} أي بكبش عظيم. وهو الذي ذبحه إبراهيم وترك إسماعيل وقوله: {وتركنا عليه في الآخرين} أي أبقينا عليه ثناء عاطرا وذكرا حسنا فيمن جاء بعده من الأمم والشعوب. {سلام على إبراهيم} أي سلام من الله على إبراهيم كذلك أي كذلك الجزاء الذي جزى به الله تعالى على إيمانه وهجرته وصبره وطاعته يجزي المحسنين وقوله: {إنه من عبادنا المؤمنين} وفي هذا ثناء عاطر على المؤمنين، وقوله: {وبشرناه بإسحاق نبيّاً من الصالحين} وهذا يوم جاءه الضيف من الملائكة وهم في طريقهم إلى المؤتفكات قرى قوم لوط، وذلك بعد أن بلغ من العمر عتيا وامرأته سارة كذلك إذ قالت ساعة البشرى {أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً} وعجبا لمن يقول إن الذبيح إسحاق وليس اسماعيل وقوله تعالى: {وباركنا عليه وعلى اسحق} أي وباركنا عليه بتكثير ذريّته وذريّة إسحاق حتى إن عامة الأنبياء من بعدهما من ذريّتهما، وقوله تعالى: {ومن ذريّتهما} أي إبراهيم وإسحاق {محسن} أي مؤمن صالح {وظالم لنفسه} بالشرك والعاصي.

.من هداية الآيات:

1- فضل الهجرة في سبيل الله وأن أول هجرة كانت في الأرض هي هجرة إبراهيم من العراق إلى الشام.
2- بيان أن الذبيح هو إسماعيل وليس هو إسحاق كما يقول البعض وكما يدعي اليهود.
3- وجوب بر الوالدين وطاعتهما في المعروف.
4- فضل إبراهيم وعلو مقامه وكرامته عند ربّه.
5- فضل الإِحسان وجزاء المحسنين.

.تفسير الآيات (114- 122):

{وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122)}

.شرح الكلمات:

{ولقد مننا على موسى وهرون}: أي بالنبوة والرسالة.
{ونجيناهم وقومهما}: أي بني إسرائيل.
{من الكرب العظيم}: أي استعباد فرعون غياهم واضطهاده لهم.
{ونصرناهم}: على فرعون وجنوده.
{الكتاب المستبين}: أي التوراة الموضحة الأحكام والشرائع.
{وهديناهما الصراط المستقيم}: أي الإِسلام لله ربّ العالمين.
{وتركنا عليهما في الآخرين}: أي أبقينا عليهما في الآخرين ثناء حسنا.
{سلام على موسى وهرون}: أي سلام منا على موسى وهرون.
{إنا كذلك}: أي كما جزيناهما نجزي المحسنين منعبادنا المؤمنين.
{إنهما من عبادنا المؤمنين}: أي جزيناهما بما جزيناهما به لإِيمانهما.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في ذكر إفضال الله وإنعامه على من يشاء من عباده فبعد ذكر إنعامه على إبراهيم وولده إسحاق ذكر من ذريّتهما المحسنين موسى وهرون فقال تعالى: {ولقد مننا على موسى وهرون} أي بالنبوة والرسالة، {ونجيناهما وقومهما} أي بني إسرائيل {من الكرب العظيم} الذي هو استعباد فرعون والأقباط لهم واضطهادهم زمنا طويلا {ونصرناهم} أي على فرعون وملائه {فكانوا هم الغالبين} {وآتيناهما} أي أعطيناهما {الكتاب المستبين} وهو التوراة الواضحة الأحكام البيّن الشرائع لا خفاء فيها ولا غموض. {وهديناهما الصراط المستقيم} وهو الدين الصحيح الذي هو الإسلام دين الله الذي بعث به كافة رسله {وتركنا عليهما في الآخرين} أي وأبقينا عليهما الذكر الحسن والثناء العطر فيمن بعدهما {سلام على موسى وهرون} {إنا كذلك نجزي المحسنين} أي كما جزيناهما لإِحسانهما نجزي المحسنين {إنهما من عبادنا المؤمنين} فيه بيان لعلة ما وهبهما من الإنعام والإِفصال وهو الإِيمان المقتضي للإِسلام والإِحسان.

.من هداية الآيات:

1- بيان إكرام الله تعالى لرسوليه موسى وهرون عليهما السلام.
2- بيان إنعام الله تعالى على بني إسرائيل بإِنجائهم من آل فرعون ونصرته لهم عليهم.
3- بيان أن الإِسلام دين سائر الأنبياء وليس خاصاً بأمة الإِسلام.
4- بيان فضل الإِحسان والإِيمان.

.تفسير الآيات (123- 132):

{وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132)}

.شرح الكلمات:

{وإن إلياس لمن المرسلين}: إلياس هو أحد أنبياء بني إسرائيل من سبط هرون أرسله الله تعالى إلى أهل مدينة بعلبك بالشام.
{أتدعون بعلا}: أي صنما يمسى بعلا.
{وتذرون أحسن الخالقين}: أي وتتركون عبادة الله أحسن الخالقين.
{فإنهم لمحضرون}: أي في النار.
{إلا عباد الله المخلصين}: أي فإنهم نجوا من النار.
{وتركنا عليه في الآخرين}: أي أبقينا عليه في الآخرين ذكرا حسنا.
{سلام على إل ياسين}: أي سلام منا على إلياس.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في ذكر إنعام الله تعالى على بعض أنبيائه ورسله فقال تعالى: {وإنّ إلياس لمن المرسلين} وهو من سبط هرون عليه السلام أحد أنبياء بني إسرائيل أخبر تعالى أنه من المرسلين أي اذكر إذ قال لقومه وهم أهل مدينة بعلبك وما حولها {ألا تتقون} أي الله تعالى بعبادته وترك عبادة غيره، وهذا دليل على أنه رسول. وقوله عليه السلام {أتدعون بعلا} هذا إنكار منه لهم على عبادة نم كبير لهم يسمونه بعلا، أي كيف تعبدون صنما بدعائه والعكوف عليه والذبح والنذر له، وتتركون عبادة الله أحسن الخالقين، الله ربكم ورب آبائكم الأولين. قال تعالى: {فكذبوه} أي في أنه لا إله إلا الله {فماتوا وهم كافرون} فاحضروا في جهنم فهم من المحضرين فيها، وقوله تالى {إلا عباد الله المخلصين} أي الموحدين فإنهم ليسوا في النار بل هم في الجنة. وقوله تعالى: {وتركنا عليه في الآخرين} أي وأبقينا له ذكراً حسنا في الذين جاءوا من بعده من الناس. وقوله تعالى: {سلام} أي منّا {على إِل ياسين} {إنا كذلك} أي كما جزينا إلياس لإِحسانه في طاعتنا {نجزي المحسنين} وقوله: {إنه من عبادنا المؤمنين} أي استحق تكريمنا والجزاء الحسن لأنه منعبادنا المؤمنين.

.من هداية الآيات:

1- تقرير التوحيد، والتنديد بالشرك.
2- هلاك المشركين ونجاة الموحدين يوم القيامة.
3- فضل الإِحسان ومجازاة أهله بحسن الجزاء.
4- فضل الإِيمان وأنه سبب كل خير وكمال.

.تفسير الآيات (133- 138):

{وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138)}

.شرح الكلمات:

{وإن لوطاً لمن المرسلين}: أي وإن لوطا وهو ابن هاران أخي إبراهيم الخليل لمن جملة الرسل أيضا.
{إننجيناه وأهله أجميعن}: أي اذكر يا رسولنا ممن أنعمنا عليهم بالنبوة والرسالة لوطا إذ نجيناه وأهله أجمعين من عذاب مطر السوء.
{إلا عجوزا في الغابرين}: أي إلا امرأته الكافرة هلكت في الغابرين أي الباقين في العذاب.
{ثم دمرنا الآخرين}: أي أهلكنا الآخرين ممن عدا لوطاً والمؤمنين معه.
{وإنكم لتمرون عليهم}: أي في أسفاركم إلى فلسطين وغزة ومصر بالليل والنهار.
{أفلا تعقلون}: أي يا أهل مكة ما حل بهم فتعتبرون وتتعظون فتؤمنوا وتوحدوا.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في ذكر إنعام الله على من اصطفى من عباده فقال تعالى: {وإن لوطاً} وهو ابن هاران أخي إبراهيم عليهما السلام {لمن المرسلين} أي لمن جُملة رسلنا {إذ نجيناه} أي اذكر إنعامنا عيه إذ نجيناه من العذاب وأهله أجميعن {إلا عجوزا في الغابرين} وهي امرأته إذ كانت مع الكافرين فبقيت معهم فهلكت بهلاكهك. وقوله تعالى: {ثم دمرنا الآخرين} أي ممن عدا لوطاً ومن آمن به من قومه. وقوله: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل} هذا خطاب لأهل مكة المشركين إذ كانوا يسافرون للتجارة إلى الشام وفلسطين ويمرون بالبحر الميت وهو مكان الهالكين من قوم لوط أصبح بعد الخسف بحراً ميتاً لا حياة فيه البتة. وقوله: {أفلا تعقلون} توبيخ لهم وتقريع على عدم التفكر والتدبر إذ لو فكروا لعلموا أن الله تعالى أهلكهم لتكذيبهم برسولهم وكفرهم بما جاءهم به من الهدى والدين الحق، وقد كذب هؤلاء فأي مانع يمنع من وقوع عذاب بهم كما وقع بقوم لوط من قبلهم.

.من هداية الآيات:

1- تقرير نبوة لوط ورسالته.
2- بيان العبرة في إنجاء لوط والمؤمنين معه وإهلاك الكافرين المكذبين به.
3- بيان أن لا شفاعة تنفع ولو كان الشافع أقرب قريب إلا بعد أن يأذن الله للشافع وبعد رضائه عن المشفوع له.
4- وجوب التفكر والتعقل في الأحداث الكونية للاهتداء بذلك إلى معرفة سنن الله تعالى في الكون والحياة.

.تفسير الآيات (139- 148):

{وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)}

.شرح الكلمات:

{وإن يونس لمن المرسلين}: أي وإن يونس بن متى الملقب بذي النون لمن جُملة المرسلين.
{إذ أبق إلى الفلك المشحون}: أي إذ هرب إلى السفينة المملوءة بالركاب.
{فساهم فكان من المدحضين}: أي اقترع مع ركاب السفينة فكان من المغلوبين.
{فالتقمه الحوت وهو مليم}: أي ابتلعه الحوت وهو آتٍ بما يلام عليه.
{للبث في بطنه إلى يوم يبعثون}: أي لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة.
{فنبذناه بالعراء}: أي فألقيناه في بطن الحوت بالعراء أي يوجه الأرض بالساحل.
{وهو سقيم}: أي عليل كالفرخ المنتوف الريش.
{شجرة من يقطين}: أي الدباء: القرع.
{إلى مائة الف أو يزيدون}: أي أرسلناه إلى مائة ألف نسمة بل يزيدون بكذا الف.
{فآمنوا فمتعاهم إلى حين}: أي فآمن قومه عند معاينة أمارات العذاب فأبقاهم الله إلى آجالهم.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في ذكر من أنعم الله تعالى عليهم بما شاء من وجوه الإِنعام. فقال عز وجل عطفا عما سبق {وإن يونس لمن المرسلين} أي وإن عبدنا يونس بن متى ذا النون لمن جُملة من مننّا عليهم بالنبوّة والرسالة. {إذ أبق} أي في الوقت الذي هرب من قومه لما لم يؤمنوا به وواعدهم العذاب وتأخر عنهم فاستعجل فهرب من المدينة وهي نينوي من أرض الموصل بالعراق، فوصل الميناء فوجد سفينة مبحرة فركب وكانت حمولتها أكبر من طاقتها فوقفت في عرض البحر لا تتقدم ولا تتأخر فرأى رُبّان السفينة أنه لابد من تقليل الشحنة وإلاّ غرق الجميع، وشح كل راكب بنفسه فاقترعوا فكان يونس من المدحضين أي المغلوبين في القرعة فرموه في البحر فالتقمه حوته، وهو مليم أي فاعل ما يلام عليه من فراره من دعوة قومه إلى الله لما ضاق صدره ولم يطق البقاء معهم.
وهذا معنى قوله تعالى: {إذ ابق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم}. وقوله تعالى: {فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه} أي بطن الحوت {إلى يوم يبعثون} أي يوم القيامة بأن يصير بطن الحوت قبراً له أي فلولا أن يونس كان من المسبحين أي المكثرين من الصلاة والذكر والدعاء والتسبيح قبل البلاء لما كان يُلهم قوله لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ولما كان يستجاب له ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعرّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة» فإِن صوت يونس سمع تحت العرش فعرفه بعض الملائكة فذكروا ذلك لربهم تعالى فأخبرهم أنه عبده يونس، وأنه كان من المكثرين الصلاة والذكر والدعاء قبل البلاء فلذا استجاب الله تعالى ونجاه من الغم، وهو معنى قوله تعالى: {فنبذناه بالعراء} أي بوجه الأرض العارية من الشجر وكل ظل وهو كالفرخ المنتوف الريش نضج لحمه من حرارة جوف الحوت وأنبت تعالى عليه شجرة من يقطين أي فرع تظلله بأوراقها الحررية الناعمة والتي لا ينزل بساحتها الذباب، وسخر له أُروية غزالة فكانت تأتيه صباح مساء فتفشح عليه أي تفتح رجليها وتدني ضرعها منه فيرضع حتى يشبع إلى أن تماثل للشفاء وعاد إلى قومه فوجدهم مؤمنين لتوبة أحدثوها عند ظهور امارات العذاب فتاب الله عليهم.
وقوله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} أي أرسلناه إلى قومه وهم أهل نينوي وكان تعدادهم مائة ألف وزيادة كذا ألفا فآمنوا أي بالله ربّا وبالإِسلام دينا وبيونس نبيا وتابوا بترك الشرك والكفر فجزيناهم على إيمانهم وتوبتهم بأن كشفنا عنهم العذاب الذي أظلهم، ومتعناهم أي أبقينا عليهم يتمتعون بالحياة إلى نهاية آجالهم المحدودة لهم في كتاب المقادير.

.من هداية الآيات:

1- تقرير نبوة يونس ورسالته وضمن ذلك تقرير رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
2- مشروعية الركوب في السفن البحرية.
3- مشروعية الاقتراع لفض النزاع في قسمة الأشياء ونحوها.
4- فضل الصلاة والذكر والدعاء والتسبيح وعظيم نفعها عند الوقوع في البلاء.
5- تقرير مبدأ «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة».
6- بركة أكل اليقطين أي الدباء القرع إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكلها ويلتقطها من حافة القصعة.
7- فضل قوم يونس إذ آمنوا كلهم ولم تؤمن أمة بكاملها إلاّ هم.

.تفسير الآيات (149- 160):

{فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160)}

.شرح الكلمات:

{فاستفتهم}: أي استخبر كفار مكة توبيخا لهم وتقريعاً.
{ولهم البنون}: أي فيختصون بالأفضل الأشرف.
{ليقولون ولد الله}: أي لقولهم الملائكة بنات الله.
{اصطفى البنات}: أي اختار البنات على البنين.
{افلا تذكرون}: أي إن الله تعالى منزه عن الصاحبة والولد.
{أم لكم سلطان مبين}: أي ألكم حجة واضحة على صحة ما تدعون.
{فأتوا بكتابكم}: أي الذي تحتجون بما فيه، ومن اين لكم ذلك.
{وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا}: إذ قالوا الملائكة بنات الله.
{ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون}: أي في العذاب.
{سبحان الله عما يصفون}: أي تنزيها لله تعالى عما يصفونه به من كون الملائكة بنات له.
{إلا عباد الله المخلصين}: أي فإِنهم ينزهون ربهم ولا يصفونه بالنقائص كهؤلاء المشركين.

.معنى الآيات:

بعد تقرير البعث والتوحيد والنبوة في السياق السابق بالأدلة والحجج والبراهين القاطعة أراد تعالى إبطال فرية من اسوأ الفرى التي عرفتها ديار الجزيرة وهي قول بعضهم إن الله تعالى قد اصهر إلى الجن فأنجب الملائكة وهم بنات الله، وهذا لا شك انه من إيحاء الشيطان لإِغواء الإِنسان وإضلاله فقال تعالى لرسوله استفتهم أي استخبرهم موبخا لهم مقرّعا قائلا لهم {ألربك البنات ولهم البنون}، أي أما تخجلون عندما تنسبون لكم الأسنى والأشرف وهو البنون، وتجعلون لله الآخس والأدنى وهو البنات وقوله تعالى: {أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون} أي حضروا يوم خلقنا الملائكة فعرفوا بذلك أنهم إناث، والجواب لا إنهم لم يشهدوا خلقهم إذاً فلم يكذبون وقوله تعالى: {ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون} أي ألا إن هؤلاء المشركين الضالين من كذبهم الذي عاشوا عليه واعتادوه يقولون ولد الله وذلك بقولهم الملائكة بنات الله، وإنهم وربّ العزة لكاذبون في قيلهم هذا الذي هو صورة لإِفكهم الذي يعيشون عليه. وقوله تعالى: {اصطفى البنات على البنين} هذا توبيخ لهم وتقريع اصطفى أي هل الله اختار البنات على البنين فلذا جعلهم إناثاً كما تزعمون. ما لكم كيف تحكمون هذا الحكم الباطل الفاسد.
أفلا تذكرون فتذكروا أن الله تعالى منزه عن الصاحبة والولد أم لكم سلطان مبين أي ألكم حجة قوية تثبت دعواكم والحجة القوية تكون بوحي من الله في كتاب أنزله يخبر فيه بما تقولون إذاً {فأتوا بكتابكم} الذي فيه ما تدعون {إن كنتم صادقين} في زعمكم.
ومن اين لكم الكتاب، وقد كفرتم بكتابكم الذي نزل لهدايتكم وهو اقرآن الكريم. وهكذا ابطل الله هذه القرية بأقوى الحجج. وقوله تعالى: {وجعلوا بينه} أي بين الله تعالى {وبين الجنة نسباً} بقولهم اصهر الله تعالى إن الجن فتزوج سروات الجن إذ سالهم ابو بكر: من أمهات الملائكة فقالوا سروات الجن وقوله تعالى: {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} أي في العذاب، فكيف يكون لهم نسب ويعذبهم الله بالنار.
فالنسيب يكرم نسيبه لا يعذبه بالنار، وبذلك بطلت هذه الفرية الممقوتة، فنزه الله تعالى نفسه عن مثل هذه الترهات والأباطيل فقال: {سبحان الله عما يصفون}. {إلا عباد الله المخلصين} أي فإنهم لا يصفون ربهم بمثل هذه النقائص التي هي من صفات العباد العجزة المفتقرين غلى الزوجة والولد أما ربّ كل شيء ومالكه وخالقه فلا يقبل العقل أن ينسب إليه الصاحبة والولد. فلذا عباد الله الذين استخلصهم لمعرفته والإِيمان به وعبادته لا يصفون ربهم جل جلاله بصفات المحدثين من خلق الله. ولا يكونون من المحضرين في النار.

.من هداية الآيات:

1- إبطال فرية بَني ملحان من العرب الذين زيّن لهم الشيطان فكرة الملائكة بنات الله، ووجود نسب بين الله تعالى وبين الجن.
2- مشروعية دحض الباطل بأقوى الحجج وأصَحِّ البراهين.
3- الحجة الأقوى ما كانت من وحي الله في كتاب من كتبه التي أوحى بها إلى رسله.