فصل: تفسير الآيات (167- 170):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.تفسير الآيات (167- 170):

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170)}
{كفروا وصدوا}: كفروا: جحدوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدوا: صرفوا الناس عن الإِيمان به صلى الله عليه وسلم.
{كفروا وظلموا}: جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وظلموا ببقائهم على جحودهم بغياً منهم وحسداً للعرب أن يكون فيهم رسول يخرجهم من الظلمات إلى النور.
{الرسول}: هو محمد صلى الله عليه وسلم في رسالته الصادق في دعوته.
{فآمنوا خيرا لكم}: أي يكون إيمانكم خيراً لكم.

.معنى الآيات:

بعد أن أقام الله تعالى الحجة على رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بشهادته له بالرسالة وشهادة ملائكته، وشهادة القرآن لما فيه من العلوم والمعارف الإِلهية بعد هذا أخبر تعالى أن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وهم اليهود قد ضلوا ضلالاً بعيداً قد يتعذر معه الرجوع إلى الحق، وهذا ما تضمنته الآية الأولى (167) كما أخبر في الآية الثانية (168) أن الذين كفروا وظلموا وهم أيضاً اليهود لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً اللهم إلا طريق جهنم وهذا قائم على سنته في خلقه وهي أن المرء إذا كفر كفر عناد وجحود وأضاف إلى الكفر الظلم لم يبق له أي استعداد لقبول الهداية الإِلهية، لم يبق له من طريق يرجى له سلوكه إلا طريق، جهنم يخلد فيها خلوداً أبديّاً، وقوله تعالى: {وكان ذلك على الله يسيراً} في ختام الآية يقرر فيه أن دخول أصحاب هذه الصفات من اليهود جهنم وخلودهم فيها ليس بالأمر الصعب على الله المتعذر عليه فعله بل هو من السهل اليسير أما الآية الأخيرة (170) فهي تتضمن إعلاناً إلهياً موجهاً إلى الناس كافة مشركين وأهل كتاب {... يا أيها الناس قد جاءكم الرسول...} الكامل الخاتم جاءكم بالدين الحق من ربكم فآمنوا به خيراً لكم، وإن أبيتم وأعرضتم ايثاراً للشر على الخير والضلال على الهدى فاعلموا أن لله ما في السموات والأرض خلقاً وملكاً وتصرفاً وسيجزيكم بما اخترتم من الكفر والضلال جهنم وساءت مصيراً فإنه عليم بمن استجاب لندائه فآمن وأطاع، وبمن أعرض فكفر وعصى حكيم في وضع الجزاء في موضعه اللائق به. فلا يجزي المحسن بالسوء، ولا المسيء بالإِحسان.

.من هداية الآيات:

1- شر الكفر ما كان مع الصد عن سبيل الله والظلم وهذا كفر اليهود والعياذ بالله تعالى.
2- سنة الله تعالى في أن العبد إذا أبعد في الضلال، وتوغل في الشر والفساد يتعذر عليه التوبة فيموت على ذلك فيهلك.
3- الرسالة المحمدية عامة لسائر الناس أبيضهم وأصفرهم.
4- إثبات صفتى العلم والحكمة لله تعالى. وبموجبهما يتم الجزاء العادل الرحيم.

.تفسير الآيات (171- 173):

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173)}

.شرح الكلمات:

{يا أهل الكتاب}: المراد بهم هنا النصارى.
{لا تغلوا في دينكم}: الغلو: تجاوز الحد للشيء فعيسى عليه السلام عبد الله ورسوله فغلوا فيه فقالوا هو الله.
{المسيح}: هو عيسى عليه السلام ولقب بالمسيح لأنه ممسوح من الذنوب أي لا ذنب له قط.
{كلمته ألقاها}: أي قول الله تعالى له {كن} فكان- ألقاها إلى مريم: أوصلها لها وأبلغها إياها وهي قول الملائكة لها إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم.
{وروح منه}: أي عيسى كان بنفخة جبريل روح الله في كم درعها.
{وكيلاً}: حفيظاً وشاهداً عليماً.
{لن يستنكف}: لا يرفض عبوديته لله تعالى أنفة وكبراً.
{ويستكبر}: يرى نفسه كبيرة فوق ما طلب منه أن يقوله أو يفعله إعجاباً وغروراً.
{ولياً ولا نصيراً}: أي لا يجدون يوم القيامة ولياً يتولى الدفاع عنهم ولا نصيراً ينصرهم حتى لا يدخلوا النار ويعذبوا فيها.

.معنى الآيات:

ما زال السياق مع أهل الكتاب ففي الآية الأولى (171) نادى الرب تبارك وتعالى النصارى بلقب الكتاب الذي هو الإِنجيل ونهاهم عن الغلوّ في دينهم من التنطع والتكلف كالترهب واعتزال النساء وما إلى ذلك من البدع التي حمل عليها الغلوّ، كما نهاهم عن قولهم على الله تبارك وتعالى أبداً غير رسول الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم حيث بعث إليها جبريل فبشرها بأن الله تعالى قد يهبها غلاماً زكياً، ونفخ وهو روح الله في كم درعها فكان عيسى بكلمة التكوين وهي {كن} وبسبب تلك النفخة من روح الله جبريل عليه السلام فلم يكن عيسى الله ولا ابن الله فارجعوا إلى الحق وآمنوا بالله ورسله جبريل وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، ولا تقولوا زوراً وباطلا: الله ثالث ثلاثة آلهة. انتهوا عن هذا القول الكذب يكن انتهاؤكم خيراً لكم حالاً ومآلاً، إنما الله سبحانه وتعالى إله واحد لا شريك له ولا ند ولا ولد. سبحانه تنزه وعلا وجل وعظم أن يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة، ولم يكن ذا حاجة وله ما في السموات وما في الأرض خلقاً وملكاً وحكماً وتدبيراً، وكفى به سبحانه وتعالى وكيلاً شاهداً عليماً فحسبكم الله تعالى ربّاً وإهلاً فإنه يكفيكم كل ما يهمكم فلا تلتفتون إلى غيره ولا تطلبون سواه.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى (171) وأما الآيتان الثانية (172) والثالثة (173) فقد أخبر تعالى أن عبد ه ورسوله المسيح عليه السلام لن يستنكف أبداً أن يعبد الله وينسب إليه بعنوان العبودية فيقال عبد الله ورسوله، حتى الملائكة المقربون منهم فضلاً عن غيرهم لا يستنكفون عن عبادة الله تعالى وعن لقب العبودية فهم عباد الله وملائكته، ثم توعد تعالى كل من يستنكف عن عبادته ويستكبر عنها من سائر الناس بأنه سيحشرهم جميعاً ويحاسبهم على أعمالهم فأمّا الذين آمنوا واعملوا الصالحات آمنوا بألوهيّته تعالى وحده وعبدوه وحده بما شرع لهم من أنواع الابدات وهى الأعمال الصالحة فهؤلاء يوفيهم أجورهم كاملة ويزيدهم من فضله الحسنة بعشر أمثالها وقد يضاعف إلى سبعمائة ضعف.
وأما الذين استنكفوا واستكبروا أي حملتهم الأنفة والكبر على عدم قبول الحق والرجوع اليه فأصروا على الاعتقاد الباطل والعمل الفاسد فيعذبهم تعالى عذاباً أليماً أي موجعاً ولا يجدون لهم من دونه ولياً ولا ناصراً فينتهي أمرهم إلى عذاب الخلد جزاء بما كانوا يعملون.

.من هداية الآيات:

1- حرمة الغلو في الدين إذ هي من الأسباب الموجبة للابتداع والضلال.
2- حرمة القول على الله تعالى بدون علم مطلقاً والقول عليه بغير الحق بصورة خاصة.
3- بيان المعتقد الحق في عيسى عليه السلام، وأنه عبد الله ورسوله كان بكلمة الله ونفخة جبريل عليه السلام.
4- حرمة الاستنكاف عن الحق والاستكبار عن قبوله.
5- بيان الجزاء الأخروي وهو إما نعيم وإما جحيم.

.تفسير الآيات (174- 175):

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175)}

.شرح الكلمات:

{برهان}: البرهان: الحجة والمراد به هنا محمد صلى الله عليه وسلم.
{نوراً مبيناً}: هو القرآن الكريم.
{واعتصموا}: أي تمسكوا بالقرآن وبما يحمله من الشرائع.
{فى رحمة منه}: الجنة.
{صراطاً}: طريقاً يفضى بهم إلى جوار ربهم في دار الكرامة.

.معنى الآيتين:

ينادى الرب تبارك وتعالى سائر الناس مشركين ويهود ونصارى مخبراص إياهم قاطعاً للحجة عليهم بأنه أرسل إليهم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهو البرهان الساطع والدليل القاطع على وجود الله تعالى وعلمه وقدرته ووجوب الإِيمان به وبرسله ولزوم عبادته بطاعة رسوله وأنه أنزل عليه كتبه شافياً كافياً هادياً نوراً مبيّناً يهدي به الله من ابتع رضوانه سبل السلام، ويخرجه من الظلمات إلى النور. بهذا قد أعذر الله تعالى إلى الناس كافة وقطع عليهم كل معذرة وحجة ثم هم صنفان مؤمن وكافر فالذين آمنوا بالله ربّاً وإلها وبرسوله نبيّاً ورسولاً واعتصموا بالقرآن فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وصدقا أنباءه والتزموا آدابه فهؤلاء سيدخلهم في رحمة منه وفضل ذلك بأن ينجيهم من النار ويدخلهم الجنان وذلك هو الفوز العظيم كما قال تعالى فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فق فاز. وأما الذين كفروا به وبرسوله وكتابه فمصيرهم معروف وجزاءهم معلوم فلا حاجة إلى ذكره: إنه الحرمان والخسران.

.من هداية الآيات:

1- الدعوة الإسلامية دعوة عامة فهي للأبيض والأصفر على حد سواء.
2- إطلاق لفظ البرهان على النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم لأنه بأميته وكمله الذي لا مطمع لبشريّ أن يساميه فيه برهان على وجود الله وعلمه ورحمته.
3- القرآن نور لما يحصل به من الإِهتداء إلى سبيل النجاة وطرق السعادة والكمال.
4- ثمن السعادة ودخول الجنة الإِيمان بالله ورسوله ولقائه والعمل الصالح وهو التمسك بالكتاب والسنة المعبر عنه بالاعتصام.

.تفسير الآية رقم (176):

{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)}

.شرح الكلمات:

{يستفتونك}: يطلبون فتياك في كذا.
{يفتيكم}: يبيّن لكم ما أشكل عليكم من أمر الكلالة.
{الكلالة}: أن يهلك الرجل ولا يترك ولداً ولا ولد ولد وإنما يترك أخا أو أختاً.
{الحظ}: النصيب.
{أن تضلوا}: كيلا تضلوا أي تخطئوا في قسمة التركة.

.معنى الآية الكريمة:

هذه الآية تسمى آية الكلالة، وآيات المواريث أربع الأولى في شأن الولد والوالد {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين} والثانية في شأن الزوج والزوجة {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} إلخ.. وفي شأن الإِخوة لأم {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت} إلخ.. وهاتان الآيتان تقدمتا في أول سورة النساء، والثالثة هي هذه {يستفتونك} إلخ. وهى في شأن ميراث الاخوة والأخوات عند موت أحدهم ولم يترك ولداً ولا ولد ولد.. وهو معنى الكلالة والرابعة في آخر سورة الانفال وهي في شأن ذوى الأرحام وهى قوله تعالى: {وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} وهذه الآية نزلت عند سؤال بعض الصحابة رضي الله عنهم عن الكلالة فقال تعالى أمرؤ ذكراً كان أو أنثى وليس له ولد ولا ولد ولد وله أخت شقيقة أو لأب فلها نصف ما ترك، وهو يرثها أيضاً إن لم يكن لا ولد ولا ولد ولد. فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساءً أي ذكوراً وإناثاً فللذكر مثل حظ الانثتين وبعد أن بيّن تعالى كيف يورث من مات كلالة قال مبيّناً حكمة هذا البيان {يبين الله لكم أن تضلوا} أي كيلا تضلوا في قسمة التركات فتخطئوا الحق وتجوروا في قسمة أموالكم. {والله بكل شيء عليم} فلا يجهل شيئا ولا يخفى عليه آخر وكيف وقد أحاط بكل شيء علما سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه.

.من هداية الآية الكريمة:

1- جواز سؤال من لا يعلم من يعلم للحصول على العلم المطلوب له.
2- اثبات وجود الله تعالى عليماً قديراً سميعاً بصيراً وتقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إذ سؤال الأصحاب واجابة الرب تعالى بواسطة وحيه المنزل على رسوله يقرر ذلك ويثبته.
3- بيان قسمة تركة من يورث كلالة من رجل أو امرأة فالأخت الواحدة لها من أخيها نصف ما ترك، والاختان لهما لهما الثلثان، والاخوة مع الأخوات للذكر يرثون أختهم مثل حظ الأنثيين إذا لم تترك ولداً ولا ولد ولد.

.سورة المائدة:

.تفسير الآيات (1- 2):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)}

.شرح الكلمات:

{أوفوا بالعقود} العقود: هي العهود التي بين العبد والرب تعالى وبين العبد وأخيه والوفاء بها: عدم نكثها والاخلال بمقتضاها.
{بهيمة الانعام}: هي الإِبل والبقر والغنم.
{وأنتم حرم}: أي محرمون بحج أو عمرة.
{شعائر الله}: جمع شعيرة وهي هنا مناسك الحج والعمرة، وسائر أعلام دين الله تعالى.
{الشهر الحرام}: رجب وهو شهر مضر الذي كانت تعظمه.
{الهدى}: ما يُهدى للبيت والحرم من بهيمة الأنعام.
{القلائد}: جمع قلادة ما يقلد الهدى، وما يتقلده الرجل من لحاء شجر الحرم ليأمن.
{آمين البيت الحرام}: قاصدي يطلبون ربح تجارة أو رضوان الله تعالى.
{وإذا حللتم}: أي من إحرامكم.
{ولا يجرمنكم شنآن قوم}: أي لا يحملنكم بغض قوم أن تعتدوا عليهم.
{أن صدوكم}: أي لأجل أن صدوكم.
{البر والتقوى}: البر: كل طاعة لله ورسوله والتقوى: فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
{الإِثم والعدوان}: الإِثم: سائر الذنوب، والعدوان: الظلم وتجاوز الحدود.
{شديد العقاب}: أي عقابه شديد لا يطاق ولا يحتمل.

.معنى الآيتين:

ينادى الحق تبارك وتعالى عباده المؤمنين بعنوان الإِيمان فيقولٌ يا أيها الذين آمنوا أي ما من آمنتم بي وبرسولي ووعدي ووعيدى أوفوا بالعقود فلا تحلوها وبالعهود فلا تنكثوها، فلا تتركوا واجباً ولا ترتكبوا منهياً، ولا تحرموا حلالاً ولا تحلو حراماً أحللت لم بهيمة الأنعام هي الإِبل البقر والغنم الا ما يتلى عليكم وهي الآتية في آية: {حرمت عليكم الميتة والدم...} فلا تحرموها وحرمت عليكم الصيد وأنتم حرم فلا تحلوه. وسلموا الأمر لي فلا تنازعوا فيما أحل وأحرم فإني أحكم ما أريد. هذا ما تضمنته الآية الأولى {يا أيها الذين آمنوا اوفوا بالعقود احلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وانتم حرم ان الله يحكم ما يريد}.
أما الآية الثانية فقد تضمنت أحكاما بعضها نُسخ العمل به وبعضها محكم يعمل به إلى يوم الدين المحكم والواجب العمل به تحريم شعائر الل وهي أعلام دينه من سائر ما فرض وأوجب، ونهى وحرم. فلا تستحل بترك واجب، ولا بفعل محرم، ومن ذلك مناسك بقول الله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم الآية، ومن المنسوخ أيضاً هدي المشركين وقلائدهم والمشركون أنفسهم فلا يسمح لهم بدخول الحرم ولا يقبل منهم هدى، ولا يجيرهم من القتل تقليد أنفسهم بلحاء شجر الحرم ولو تقلدوا شجر الحرم كله. هذا معنى قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين. البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} والمراد بالفضل الرزق بالتجارة في الحج، والمراد يالرضوان ما كان المشركون يطلبونه بحجهم من رضى الله ليبارك لهم في أرزاقهم ويحفظهم في حياتهم.
وقوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا..} خطاب للمؤمنين أذن لهم في الاصطياد الذي كان محرماً وهم محرمون إذن لهم فيه بعد تحللهم من إحرامهم. وقوله تعالى: {.. ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا} ينهى عباده المؤمنين أن يحملهم بغض قوم صدوهم يوم الحديبية عن دخول المسجد الحرام أن يعتدوا عليهم بغير ما أذن الله تعالى لهم فيه وهو قتالهم إن قاتلوا وتركهم إن تركوا. ثم أمرهم تعالى بالتعاون على البر والتقوى، أي على أداء الواجبات والفضائل، وترك المحرمات والرذائل، ونهاهم عن التعاون عن ضدها فقال عز وجل: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإِثم والعدوان}.
ولما كانت التقوى تعم الدين كله فعلاً وتركاً أمرهم بها، فقال واتقوا الله بالإِيمان به ورسوله وبطاعتهما في الفعل والترك، وحذرهم من إهمال أمره بقوله: {إن الله شديد العقاب} باحذروه بلزوم التقوى.

.من هداية الآيتين:

1- وجوب الوفاء بالعهود التي بين الله تعالى وبين العبد والمحافظة على العقود التي بين العبد وأخيه العبد لشمول الآية ذلك.
2- إباحة أكل لحوم الإِبل والبقر والغنم إلا الميتة منها.
3- تحريم الصيد في حال الإِحرام وحليته بعد التحلل من الإِحرام وهو صيد البر لا البحر.
4- وجوب إحترام شعائر الدين كلها أذاء لما وجب أداؤه، وتركالما وجب تركه.
5- حرمة الاعتداء مطلقا حتى على الكافر.
6- وجوب التعاون بين المؤمنين على إقامة الدين، وحرمة تعاونهم على المساس به.

.تفسير الآية رقم (3):

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)}

.شرح الكلمات:

{الميتة}: ما مات من بهيمة الأنعام حتف أنفه أي بدون تذكية.
{وما أهل لغير الله به}: أي ما ذكر عليه اسم غير اسم الله تعالى مثل المسيح، أو الولي، أو صنم.
{المنخنقة}: أي بحبل ونحوه فماتت.
{الموقوذة}: أي المضروبة بعصا أو حجر فماتت به.
{المترديّة}: الساقطة من عال إلى أسفل مثل السطح والجدار والجبل فماتت.
{النطيحة}: ما ماتت بسبب نطح أختها لها بقرونها أو رأسها.
{وما أكل السبع}: أي ما أكلها الذئب وغيره من الحيوانات المفترسة.
{إلا ما ذكيتم}: أي أدركتم فيه الروح مستقرة فذكيتموه بذبحة أو نحره.
{وما ذبح على النصب}: أي ما ذبح على الأصنام التي تمثل إلهاً أو زعيماً أو عظيماً، ومثلها ما ذبح على أضرحة الأولياء وقبورهم وعلى الجان.
{وان تستقسموا}: أي وحرم عليكم ما تحصلون عليه بالاستقسام بالأزلام ومثله ما يأخذه صاحب الكهانة والشواقة وقرعة الأنياء. والحروز الباطلة التي فيها طلاسم وأسماء الجن والعفاريت.
{ذلكم فسق}: أي ما ذكر من أكل الميتة إلى الاستقسام بالأزلام خروج عن طاعة الله تعالى ومعصية له سبحانه تعالى.
{فمن اضطر}: أي من ألجأته ضرورة الجوع فخاف على نفسه الموت فلا بأس أن يأكل مما ذكر.
{في مخمصة}: المخمصة شدة الجوع حتى يضمر البطن لقلة الغذاء به.
{غير متجانف}: غير مائل لإِثم يريد غير راغب في المعصية بأكل ما أكل من الميتة وذلك بأن يأكل أكثر مما يسد به رمقه ويدفع به غائلة الجوع المهلك.

.معنى الآية الكريمة:

هذه الآية الكريمة هي تفسير وتفصيل لقوله تعالى في الآية الأولى من هذه السورة وهو قوله: {إلا ما يتلى عليكم} حيث ذكر في هذه الآية سائر المحرمات من اللحوم وهي عشر كما يلي:
الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب.
وقوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} يريد ما أدركتم فيه الروح مستقرة. بحيث إذا ذبحتموه اضطراب للذبح وركض برجليه فإن هذا علامة أنه كان حياً وأنه مات بالذبح.
وقوله: {وأن تستقسموا بالأزلام} يريد ولا يحل لكم الاستسقام بالأزلام، ولا أكل ما يعطى عليها وحقيتها أنهم كانوا في الجاهلية يضعون القداح المعبر عنها بالأزلام جمع زلم وهو رمع صغير لازج له ولا ريش فيه، يضعونها خريطة كالكيس، وقد كتب على واحد أمرني ربي وآخر نهاني ثم يجيلها المستقسم بها في الخريطة ويخرج زلماً منهاً فإن وجده عليه أمرني ربي مضى في مضى في عمله سفراً أو زواجاً، أو بيعاً أو شراء، وإن وجده مكتوباً عليه نهاني ربي ترك ما عزم على فعله فجاء الإِسلام فحرم الاستسقام بالأزلام، وسنَّ الاستخارة وهي أن يصلي المؤمن ركعتين من غير الفريضة ويقول: اللهم إني استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به، ويسمي حاجته.
ويفعل أو يترك ما عزم عليه، والذي يأتيه هو الخير بإذن الله تعالى.
وقوله تعالى: {ذلكم فسق} يريد م ذكرت لكم مما حرمت عليكم إتيانه هو الفسق فاتركوه.
وقوله تعالى: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون} يخبر تعالى عباده المؤمنين أن الكافرين من المشركين وغيرهم قد يئسوا مِنْ أي يردوكم عن دينكم كما كان ذلك قبل فتح مكة ودخول ثقيف وهوازن في الإِسلام، وظهوركم عليهم في كل معركة دارت بينكم وبينهم إذاً فلا تخشوهم بعد الآن أن يتمكنوا من قهركم وردكم إلى الكفر واخشوني أنا بدلهم وذلك بطاعتي وطاعة رسولي ولزوم حدودي والأخذ بسنتي في كوني حتى لا تتعرضوا لنقمتي بسلب عطائي فإن نصرتي لأهل طاعتي وإذلالي لأهل معصيتي.
وقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإِسلام دنياً} فهو إخبار منه تعالى لعباده المؤمنين بما هو إنعام عليهم منه وامتنان فأولا: إكمال الدين بجميع عقائده وعباداته وأحكامه وآداره حتى قيل أن هذه الآية نزلت عشية يوم عرفة عام حجة الوداع، ولم يعش بعدها رسول الله عليه وسلم إلا احدى وثمانين ليلة ثم توفاه الله تعالى وثانياً: إتمام نعمته تعالى عليهم فآمنهم بعد الخوف وقواهم بعد ضعف، ونصرهم وأعزهم بعد قهر وذل وسودهم وفتح البلاد له وأظهر دينهم وأبعد الكفر والكفار عنهم، فعلمهم بعد جهل وهداهم بعد ضلال فهذه من النعمة التي أتمها عليهم وثالثاً رضاه بالإِسلام ديناً لهم حيث بعث رسوله به وأنزل كتابه فيه فبين عقائده وشارئعه فأبعدهم عن الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية والمجوسية، وأغناهم عنها بما رضيه لهم ألا وهو الإِسلام القائم على الاستسلام لله تعالى ظاهراً وباطناً وذلك سلم العروج إلى الكمالات ومرقى كل الفواضل والفضائل والسعادات فلله الحمد وله المنة.
وقوله تعالى: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإِثم فإن الله غفور رحيم} يريد تعالى من اضطر أي ألجأته الضرورة وهي شدة الجوع وهي المخمصة والمسبغة إلى أكل ما حرمت عليكم من الميتة وأنواعها فأكل فلا إثم عليه فإني غفور لعبادي المؤمنين رحيم بهم إلا أن يكون قد أكل من الميتة وأنواعها متعمداً المعصية مائلاً إليها غير مبال بتحريمي لها فذاك الذي عصاني وتعرض لنقمتي وعذابي فإن تاب فإني غفور رحيم، وإن أصر فإن عذابي أليم شديد.

.من هداية الآية:

1- حرمة الميتة وما ذكر معها وهي عشر من المحرمات.
2- حرمة الاستقسام بالأزلام ومثلها قرعة الأنبياء وخط الرمل والكهانة وما أشبه ذلك.
3- حرمة ا لذبح على القبور والقباب والنصب التذكارية وهي من الشرك.
4- جواز أكل ما أدركه المسلم حياً من الحيوان المأكول فذكَّاه وإن كان قد جرح أو كسر أو أشرف على الموت بأي سبب مميت.
5- ووب خشية الله تعالى وحرمة خشية الكفار.
6- حرمة الابتداع في الدين وحرمة التشريع المنافي للشرع الإِسلامي.
7- جواز أكل الميتة للمضطر وهو من لحقه ضرر من شدة الجوع فخاف على نفسه الهلاك على شرط أن لا يكون قاصداً المعصية مائلاً إلى الإِثم.