فصل: تفسير الآيات (21- 25):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.تفسير الآيات (10- 14):

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14)}

.شرح الكلمات:

{قل أرأيتم}: أي أخبروني ماذا تكون حالكم.
{إن كان من عند الله}: أي إن كان القرآن من عند الله.
{وكفرتم به}: أي وكذبتم به أي بالقرآن.
{وشهد شاهد من بني إسرائيل}: أي وشهد عبدُ الله بن سلام.
{على مثله فآمن}: أي عليه إنه من عند الله فآمن.
{واستكبرتم}: أي واستكبرتم أنتم فلم تؤمنوا ألستم ظالمين.
{لو كان خيرا ما سبقونا إليه}: أي لو كان ما جاء به محمد من القرآن خيرا ما سبقنا إليه المؤمنون.
{وإذ لم يهتدوا به}: أي بالقرآن العظيم.
{فسيقولون هذا إفك قديم}: أي هذا القرآن إفك قديم أي هو من كذب الأولين.
{وهذا كتاب مصدق}: أي القرآن مصدق للكتب التي سبقته.
{لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا}: أي حال كونه بلسان عربي لينذر به الظالمين المشركين.
{وبشرى للمحسنين}: وهو أي القرآن بُشرى لأهل الإِحسان في عقائدهم وأقوالهم وأعمالهم.
{ثم استقاموا}: أي فلم يرتدوا واستمروا على فعل الواجبات وترك المحرمات.
{فلا خوف عليهم ولا يحزنون}: أي في الدنيا وفي البرزخ وفي عرصات القيامة.
{بما كانوا يعملون}: أي جزاهم الله بما جزاهم به بنفي الخوف والحزن عليهم بأعمالهم الصالحة وتركهم الأعمال الفاسدة.

.معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في طلب هداية النبي صلى الله عليه وسلم من قريش الذين ردوا الدعوة وقالوا في كتابها سحر مبين وفي صاحبها مفتر فقال تعالى لرسوله قل يا محمد لأولئك المشركين الذين قالوا في القرآن سحر مبين {أرأيتم} أي أخبروني ماذا تكون حالكم إن كان القرآن من عند الله. وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل وهو عبد الله بن سلام على مثله أي على التوراة أنها نزلت من عند الله وهي مثل القرآن فلا يستنكر أن يكون القرآن نزل من عند الله لاسيما والكتابان التوراة والقرآن يصدق بعضهما بعضاً، بدلالتهما معاً على أصول الدين كالتوحيد والبعث والجزاء بالثواب والعقاب ومكارم الأخلاق والعدل والوفاء بالعهد. {فآمن} هذا الشاهد {واستكبرتم} أي وكفرتم أنتم مستكبرين عن الإِيمان بالحق ألم تكونوا شر الناس وأظلمهم وتحرمون الهداية إن الله لا يهدي القوم الظالمين أي الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي فحرموها الهداية الإِلهية وقوله تعالى في الآية (11): {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه} هذا القول جائز أن يقوله يهود المدينة للمؤمنين بها. وجائز أن يقوله المشركون في مكة وفي غيرها من العرب إذ المقصود هو الاعتذار عن عدم قبول الإِسلام بحجة انه لا فائدة منه تعود عليهم في دنياهم ولا خير يرجونه منه إن دخلوا فيه إذ لو كان فيه ما يرجون من الفوائد المادسة لاعتنقوه ودخلوا فيه ولم يسبقهم إليه الفقراء والمساكين.
وهو معنى ما أخبر تعالى به عنهم في قوله: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا} أي في شأن الذين قالوا لو كان الإِسلام خيراً ما سبقونا إليه فآمنوا وكفرنا. وقوله تعالى: {وإذ لم يهتدوا به لسيقولون هذا إفك قديم} أي وإن ظهر عنادهم وعظم عتوهم واستكبارهم فعموا فلم يهتدوا بالقرآن فسيقولون {هذا إفك قديم} وقد قالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ومعنى إفك قديم كذب أفكه غير محمد وعثر عليه فهو يقول به ما أفسد هذا القول وما أقبحه وأقبح قائله.
وقوله تعالى: {ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة} أي ومن قبل القرآن الذي أنكر المشركون نزوله كتاب موسى التوراة وقد أنزلناه عليه إماما يؤتم به فيقود المؤتمين به العاملين بهدايته إلى السعادة والكمال وأنزالنا اليوم القرآن هدى ورحمة وبشرى للمحسنين. وهو ما دل عليه قوله هذا كتاب مصدق لما قبله من الكتب لسانا عربيا أي أنزلناه لسانا عربيا لينذر به رسولنا المنزل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم لينذر به الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي عذاب الله المترتب على تدسية النفوس بأوضار الشرك والمعاصي وهو بُشرى للمحسنين من المؤمنين الذي احسنوا النية والعمل بالفوز العظيم يوم القيامة وهو النجاة من النار ودخول الجنة وقوله تعالى: {إن الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا} بعد أن ذكر تعالى المبطلين وباطلهم عقّب على ذلك بذكر المحسنين وأعمالهم على نهج الترهيب والترغيب فأخبر تعالى أن الذين قالوا ربنا الله أي آمنوا وصرحوا بإِيمانهم وجاهروا به ثم استقاموا على منهج لا إله إلا الله فعبدوا الله بما شرع وتركوا عبادة غيره حتى ماتوا على ذلك هؤلاءَ يخبر تعالى عنهم أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة فهم آمنون في الحيوات الثلاث، وبشرهم بالجنة فأخبر أنهم أصحابه الخالدون فيها، وأشار إلى أن ذلك الفوز والبشرى كانا نتيجة أعمالهم في الدنيا من الإِيمان والعمل الصالح الذين دل عليها قوله: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا}.

.من هداية الآيات:

1- اعتبار الشهادة وانها أدة يتوصل بها إلى احقاق الحق وابطال الباطل فلذا يشترط عدالة صاحبها والعدالة هي اجتناب الكبائر واتقاء الصغائر غالبا.
2- تقرير قاعدة من جهل شيئا عاداه، إذ المشركون لما لم يهتدوا بالقرآن قالوا هذا إفك قديم.
3- بيان تآخي وتلاقي الكتابين التوراة والقرآن فشهادة أحدهما للآخر أثبتت صحته.
4- وجوب تعلم العربية لمن أراد أن يحمل رسالة الدعوة المحمدية فينذر ويبشر.
5- فضل الاستقامة حتى انها خير من ألف كرامة، والاستقامة هي التمسك بالإِيمان العبادة كما جاء بذلك القرآن وبينت السنة.

.تفسير الآيات (15- 16):

{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)}

.شرح الكلمات:

{ووصينا الإنسان بوالديه}: أي أمرناه أمراً أمراً مؤكداً بالإِيصاء.
{إحسانا}: أي أن يُحسن بهما إحسانا وهو المعاملة بالحسنى.
{حملته أُمه كُرها ووضعته كرها}: أي حملته أثناء حمله في بطنها على مشقة وولدته كذلك على مشقة.
{وحمله وفصاله ثلاثون شهرا}: أي مدة حمله في بطنها وفطامه من الرضاع ثلاثون شهرا.
{حتى إذا بلغ أشده}: أي اكتمال قوته البدنّية العقلية وهي من الثلاث والثلاثين فما فوق.
{رب أوزعني أن أشكرك نعمتك}: أي ألهمني ووفقني أن أشكر نعمتك بصرفها فيما تحب.
{وأن أعمل صالحا ترضاه}: أي وبأن أعمل صالحا ترضاه مني أي تتقبله عني.
{ونتجاوز عن سيئاتهم}: أي فلا نؤاخذهم بها بل نغفرها.
{في أصحاب الجنة}: أي في جملة أصحاب الجنة وعدادهم.
{وعد الصدق الذي كانوا يوعدون}: أي في مثل قوله تعالى: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} الآية.

.معنى الآيات:

إن الفرد كالجماعة فقد أوصى تعالى الإِنسان بالإِحسان بوالديه وببرهما في جميع كتبه وعلى ألسنة كافة رسله، ولإِنسان بعد ذلك قد يحسن ويبرُّ وقد يسيء وعُقُّ، فكذلك الجماعة والأمة من الناس يرسل إليهم الرسول فمنهم من يؤمن ومنهم من يكذب، ومنهم من يتابع ومنهم من يخالف فلما ذكر تعالى اختلاف قوم النبي صلى الله عليه وسلم في الإِيمان بما جاء به، والكفر به ذكر أن هذه حال الإِنسان فقال تعالى: {ووصينا الإِنسان} أي جنس الإِنسان أي أمرناه بما هو آكد من الأمر وهو الوصيّة بوالديه أي أمه وأبيه إحسانا بمهما وذلك بكف الأذى عنهما وإيصال الخير بهما وطاعتهما في المعروف وببرهما أيضا بعد موتهما. فمن الناس من ينفذ هذه الوصية ومنهم من يهملها ولا ينفذها وقوله، حملته أمه كرها ووضعته كرها بيان لوجوب الإِحسان بهما وبرهما إذ معاناة الأُم وتحملها مشقة الحمل تسعة أشهر ومشقة الوضع وهي مشقة لا يعرفها إلا من قاسى آلامها كالأمهات. وقوله: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} بيان لمدة تحمل المشقة إنها ثلاثون شهرا بعضها للحمل وبعضها للإِرضاع والتربية وقوله تعالى: {حتى إذا بلغ} أي عاش حتى إذا بلغ {أشده} أي اكتمال قواه البدنية والعقلية وذلك من ثلاث وثلاثين سنة إلى الأربعين {وبلغ أربعين سنة قال} أي الإِنسان البار بوالديه المنفذ للوصية الإِلهية كأبي بكر الصديق رضي الله عنه إذ بلغ الأربعين من عمره بعد البعثة المحمدية بسنتين. {قال ربّ أوزعني أن أشكرك نعمتك التي أنعمت عليَّ} وهي نعمة الإِيمان والتوحيد والإِسلام عليّ وعلى والديَّ إذ آمن وآمن أبواه أبو قحافة عثمان بن عامر التيمي وآمنت أمه أم الخير سلمى، وأولاده عامة من بنين وبنات ولم يحصل لأحد من الصحاابه أن سأل ربه أن يدفعه دفعا إلهاميا وتوفيقا ربانيا لأن يشكر نعمة الله عليه وعلي والديه بالإِسلام، وأن يدفعه كذلك إلى العمل الصالح الذي يرضاه الله ويتقبله عن صاحبه، وقد استجاب له ربه أن يدفعه دفعا إلهاميا وتوفيقا ربانيا لأن يشكر نعمة الله عليه وعلي والديه بالإِسلام، وأن يدفعه كذلك إلى العمل الصالح الذي يرضاه الله ويتقبله عن صاحبه، وقد استجاب الله تعالى له فآمن أولاده أجمعون ذكورا إناثا، وقوله: {إني تبت إليك وإني من المسلمين} هذا توسل منه رضي الله وهو الخضوع لله والانقياد لأمره ونهيه.
وقوله تعالى: {أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم} فلا يؤاخذهم بها بعد توبتهم منها في جملة أصحاب الجنة إذ لا يدخل الجنة أحد إلا بعد مغفرة ذنبه، وقوله: {وعد الصدق} أي أنجز لهم هذا لأنه وعد صدق وعدهم فأنجزه لهم، وقوله: {الذي كانوا يوعدون} أي في الكتاب مثل قوله تعالى: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} الآية.

.من هداية الآيات:

1- وجوب البر بالوالدين بطاعتهما في المعروف والإِحسان بهما بعد كف الأذى عنهما.
2- الإشارة إلى أن مدة الحمل قد تكون ستة أشهر فأكثر، وأن الرضاع قد يكون حولين فأقل.
3- جواز التوسل بالتوبة إلى الله والانقياد له بالطاعة.
4- فضيلة آل أبي بكر الصديق على غيرهم من سائر الصحابة ما عدا آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
5- بشارة الصديق وأسرته بالجنة، إذ آمنوا كلهم وأسلموا أجمعين وماتوا على ذلك.

.تفسير الآيات (17- 20):

{وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20)}

.شرح الكلمات:

{والذي قال لوالديه}: الذي اسم موصول استعمل استعمال الجنس فدل على متعد بدليل الخبر عنه وهو أولئك الذين حق عليهم القول.
{إفٍ لكما}: أي نتناً وقبحاً لكما.
{أن أخرج}: أي من القبر حيا بعد موتي.
{وقد خلت القرون}: أي مضت الأمم قبلي ولم يخرج منها أحد من قبره.
{وهما يستغيثان الله}: أي يطلبان الغوث برجوع ولدهما إلى الإِيمان بعد الإِلحاد والكفر.
{ويلك آمن}: أي يقولان له إن لم ترجع ويلك أي هلاكك أي هلكت آمن بالبعث.
{إن وعد الله حق}: وقد وعد العباد بارجوع إليه ومحاسبتهم على أعمالهم ومجازاتهم بها.
{فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين}: أي ما القول بوجود بعث للناس أحياء بعد الموت إلا أكاذيب الأولين.
{أولئك الذين حق عليهم القول}: أي وجبت عليهم القول بالعذاب يوم القيامة.
{في أمم قد خلت من قبلهم}: أي في جملة أمم قد مضت من قبلهم من الجن والإِنس.
{ولكل درجات مما عملوا}: أي ولكل من المؤمنين البارين، والكافرين الفاجرين درجات مما عملوا درجات المؤمنين في الجنة ودرجات الكفار في النار.
{أذهبتم طيباتكم في حياتكم}: أي يقال لهم أذهبتم طيباتكم باشتغالكم بملذاتكم في الدنيا.
{واستمتعتم بها}: أي تمتعتم بها في الحياة الدنيا.
{فاليوم تجزون عذاب الهون}: أي جزاؤكم عذاب الهوان.
{بما كنتم تستكبرون في الأرض}: أي تتكبرون في الأرض.
{بغير الحق}: أي إذ لا حق لكم في الكبر والكبرياء لله، ولم يأذن لكم فيه.
{وبما كنتم تفسقون}: أي تخرجون عن طاعة الله ورسوله.

.معنى الآيات:

لما ذكر تعالى الرجل المؤمن وأعماله الصالحة ومواقفه المشرفة ذكر هنا الرجل الكافر وأعماله الباطلة ومواقفه السيئة وذلك من باب الدعوة إليه تعالى بالترغيب والترهيب فقال تعالى: {والذي قال لوالديه أفٍ لكما أتعدانني أن اخرج وقد خلت القرون من قبلي} يخبر تعالى عن أخبث إنسان هو ذاك الملحد العاق لوالديه المنكر للبعث والجزاء إذ قال لوالديه أُمه وأبيه أُف لكما أي نتناً وقبحا لكما أتعدانني بأن أخرج من قبري حياً بعد ما مت، وقد مضت أُمم وشعوب قبلي، وما خرج منها أحد من قبره فكيف تعدانني أنتما ذلك إن هذا لتخلف عقلي وتأخر حضاري وقوله تعالى: {وهما يستغيثان الله} أي ووالداه يستغيثان الله ويستصرخانه طلبا إغاثتهما بهداية ولدهما الملحد الشيوعي، ويقولان للولد ويلك أي هلاكك حضر يا ولد هلكت آمن بالعبث والجزاء وصلِّ وصُم واترك الزنا والخمر ويلك إن وعد الله حق أي إن ما وعد الله به عباده من إحيائهم للحشر والحساب والجزاء حق فلا يتخلف أبد فيرد عليهما الولد الملحد الدّهريُّ بما أخبر تعالى به عنه في قوله فيقول {ما هذا إلا أساطير الأولين} أي أكاذيبهم التي كانوا يعيشون عليها ويقصونها في مجالسهم، وبما أن الذي قال لوالديه لفظه مفرد ولكنه دال على جنس كان الخبر جمعا فقال تعالى في الإِخبار عنهم {أولئك الذين حق عليهم القول} أي القول بالعذاب الدال عليه قوله تعالى: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}، وفي قوله: {في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإِنس} أي في جملة أمم سبقتهم في الإِلحاد والكفر من العالمين عالم الجن وعالم الإِنس وقوله: {إنهم كانوا خاسرين} وأي خسران أعظم من عبد يخسر نفسه وأهله ويعش في جهنم خالدا فيها أبدا. وقوله تعالى: {ولكل درجات مما عملوا} أي ولكل من المؤمنين البارين والكافرين العاقين درجات مما عملوا من خير أو شر إلا أن درجات المؤمنين في الجنة تذهب في عُلو متزايد ودرجات الكافرين في النار تذهب في سفل متزايد إلى أسفل سافلين وقوله تعالى: {وليوفيهم أعمالهم} كاملة غير منقوصة الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها وهم لا يظلمون بنقص حسنة ولا بزيادة سيئة. وقوله تعالى: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار} أي اذكر يا رسولنا لهؤلاء المشركين يوم يعرضون على النار ويقال لهم في توبيخ وتقريع {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} أي باقبالكم على الشهوات والملآذ ناسين الدار الآخرة فاستمتعم بكل الطيبات ولم تبقوا للآخرة شيئا {فاليوم تجزون عذاب الهون} أي الهوان {بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق} إذ لا حق لكم في الكبر لضعفكم وعجزكم إنما الكبرياء لله الملك الحق أما أنتم فقد ظلمتم باستكباركم عن الإِيمان بربكم ولقائه وعن طاعته {وبما كنتم تفسقون} أي وبفسقكم عن طاعة ربكم وطاعة رسوله. إذاً فادخلوا جهنم داخرين.

.من هداية الآيات:

1- حرمة عقوق الوالدين وأنها من الكبائر.
2- بيان حنان الوالدين وحبهما لولدهما وبذلك كل ما يقدران عليه من أجل إسعاده وهدايته.
3- التحذير من الانغماس في الملاذ والشهوات والاستمتاع.
4- التحذير من الكبر والفسق وأن الكبر من أعمال القلوب والفسق من أعمال الجوارح.
5- مدى فهم السلف الصالح لهذه الآية: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} قرأ يزيد حتى بلغ {وبما كنتم تفسقون} ثم قال تعلمون والله إن أقواما يسترطون حسناتهم استبقى رجل طيباته إن استطاع ولا قوة إلا بالله.
روى أن عمر بن الخطاب كان يقول لو شئت لكنت أطيبكم طعام وألينكم لباسا، ولكن استبقي طيباتي.
وذُكِر أنه لمّا قدم الشام صنع له طعام لم ير قبله مثله، قال هذا لنا لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا لا يشبعون من خبر الشعير؟ فقال له خالد بن الوليد لهم الجنة، فاغرورقت عينا عمر رضي الله عنه وقال لئن كان حظنا الحطام وذهبوا بالجنة لقد باينونا وبنا بعيدا.

.تفسير الآيات (21- 25):

{وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)}

.شرح الكلمات:

{واذكر أخا عاد}: أي نبي الله هودا عليه السلام.
{إذ أنذر قومه بالأحقاف}: أي خوف قومه عذاب الله بوادي الأحقاف.
{وقد خلت النذر}: أي مضت الرسل.
{من بين يديه ومن خلفه}: أي من قبله ومن بعده إلى أُممهم.
{ألا تعبدون إلا الله}: أي أنذروهم بأن لا يعبدوا إلا الله.
{إني أخاف عليكم}: أي إن عبدتم غير الله.
{عذاب يوم عظيم}: أي هائل بسبب شرككم بالله وكفركم برسالتي.
{أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا}: أي لتصرفنا عن عبادتها.
{فأتنا بما تعدنا}: أي من العذاب على عبادتها.
{إن كنت من الصادقين}: أي في انه يأتينا قطعا كما تقول.
{قال إنما العلم عند الله}: أي علم مجيء العذاب ليس لي وإنما هو لله وحده.
{وأبلغكم ما أرسلت به إليكم}: أي وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلني به ربي إليكم.
{ولكني أراكم قوما تجهلون}: أي حظوظ أنفسكم وما ينبغي لها من الإِسعاد والكمال وإلاّ كيف تستعجلون العذاب مطالبين به.
{فلما رأوه عارضا}: أي رأوا العذاب سحابا يعرض في الأفق.
{مستقبل أوديتهم}: أي متجها نحو أودتيهم التي فيها مزارعهم.
{قالوا هذا عارض ممطرنا}: قالو مشيرين إلى السَّحاب هذا عارض ممطرنا.
{بل هو ما استعجلتم به}: أي ليس هو بالعارض الممطر بل العذاب الذي استعجلتموه.
{ريح تدمر كل شيء}: أي ريح عاتية تهلك كل شيء تمر به.
{بأمر ربها}: أي بإِذن ربها تعالى.
{فأصبحوا لا يرى إلاّ مساكنهم}: أي أهلكتمهم عن آخرهم فلم يبق إلا مساكنهم.
{كذلك نجزي القوم المجرمين}: أي كذلك الجزاء الذي جازينا به عاداً قوم هود وهو الهلاك الشامل نجزي المجرمين من سائر الأمم.

.معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في مطلب هداية قوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {واذكر} أي لقومك للعبرة والاتعاظ {أخا عاد} وهو هود عليه السلام والأخوة هنا أخوة نسب لا دين. اذكره {إذ أنذر قومه بالأحقاف} أذ خوفهم عذاب الله إن لم يتوبوا إلى الله ويوحدوه، والآحقاف وادي القوم الذي به مزارعهم ومنازلهم وهو ما بين حضرموت ومهرت وعُمان جنوب الجزيرة العربية. وقوله: {وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه} أي وقد مضت الرسل من قبله ومن بعده في أممهم. أي لم يكن هود أول نذير، ولا أمته أول أمة انذرت العذاب وقوله: {ألاَّ تعبدوا إلا الله} أي كل رسول أنذر أمته عاقبة الشرك فأمرهم أن لا يعبدوا إلا الله، وهو معنى لا إله إلا الله التي دعا إليها محمد صلى الله عليه وسلم أمته فهي أمر بعبادة الله وترك الشرك فيها، وقوله: {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} يوم هائل عظيم وهو يوم القيامة، فكان رد القوم ما أخبر تعالى به في قوله: {قالوا أجئتنا لتأفكنا} أي تصرفنا عن عبادة آلهتنا {فأتنا بما تعدنا} أي من العذاب {إن كنت من الصادقين} فيما توعدنا به وتهددنا، فأجابهم هود عليه السلام بما أخبر تعالى به عنه بقوله: {قال} أي هود {إنما العلم عند الله} أي علم مجيء العذاب وتحديد وقته هذا ليس لي وإنما هو لله منزله، فمهتمي أن أنذركم العذاب قبل حلوله بكم وابلغكم ما أرسلت به إليكم من الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك والمعاصي، {ولكني أراكم قوما تجهلون} أي بما يضركم وما ينفعكم في الدنيا والآخرة وإلا كيف تستعجلون العذاب وتطالبون به إذ المفروض أن تطلبوا الرحمة والسعادة لا العذاب والشقاء قوله تعالى: {فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم} أي فلما رأى قوم هود العذاب متجها نحو أوديتهم التي بها مزارعهم ومنازلهم {قالوا هذا عارض ممطرنا} أي هذا سحاب يعرض في السماء ذاهباً صوب وادينا ليسقينا، وهو معنى قوله: {هذا عارض ممطرنا} أي ممطر أراضينا المصابة بالجفاف الشديد.
قال تعالى: {بل هو ما استعجلتم به} أي ليس بالسحاب الممطر بل هو العذا بالذي طالبتم به لجهلكم وخفة أحلامكم. وبيّنه بقوله: {ريح فيها عذاب أليم} أي تحمل في ثناياها العذاب الموجع، تدمر كل شيء تمر به فتهلكه {بأمر ربها} أي بإِذنه وقد أتت عليهم عن آخرهم ولم ينج إلا هود والذين آمنوا معه برحمة من الله خاصة، {فأصحبوا لا يرى إلا مساكنهم} أي لا يرى الرائي إذ نظر إليهم إلاّ مساكنهم خالية ما بها أحد. قال تعالى: {وكذلك نجزي القوم المجرمين} أي كهذا الجزاء بالدمار والهلاك نجزي المجرمين أي المفسدين أنفسهم بالشرك والمعاصي.

.من هداية الآيات:

1- بيان سنة الله في الأمم في إراسل الرسل إليهم.
2- وبيان مهمة الرسل وهي النذارة والبلاغ.
3- بيان سفه وجهل الأمم التي تطالب بالعذاب وتستعجل به.
4- بيان أن عاداً أهلكت بالريح الدَّبور، وأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نُصر بريح الصبا كما في الحديث الصحيح.
5- بيان سنة الله تعالى في إهلاك المجرمين وهم الذين يصرون على الشرك والمعاصي.