فصل: تفسير الآيات (33- 42):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.سورة عبس:

.تفسير الآيات (1- 16):

{عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)}

.شرح الكلمات:

{عبس}: أي النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى كلح وجهه وتغيّر.
{وتولى}: أي أعرض.
{أن جاءه الأعمى}: أي لأجل أن جاء عبد الله بن أم مكتوم فقطعه عما هو مشغول به من دعوة بعض أشراف قريش للإِسلام.
{لعله يزكى}: أي يتطهر من الذنوب.
{أو يذكر}: أي يتعظ.
{فتنفعه الذكرى}: أي الموعظة.
{وأما من استغنى}: عن الإِيمان والعلم والدين بالمال والجاه.
{فأنت له تصدى}: أي تقبل عليه وتتصدى له.
{وما عليك ألا يزكى}: أي ليس عليك بأس في عدم تزكيته نفسه بالإِسلام.
{يسعى}: أي في طلب الخير من العلم والهدى.
{فأنت عنه تلهى}: أي تشاغل.
{كلا}: أي لا تعد لمثل ذلك.
{إنها تذكرة}: أي الآيات عظة للخلق.
{مكرمة}: أي عند الله.
{مرفوعة}: أي في السماء.
{مطهرة}: أي منزهة عن مس الشياطين.
{بايد سفرة}: كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ.
{كرام بررة}: مطيعين لله وهم الملائكة.

.معنى الآيات:

قوله تعالى: {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} هذا عتاب لطيف يعاتب به الله سبحانه وتعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم فالذي عبس بمعنى قطب وجهه وأعرض هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والأعمى الذي لأجله عبس رسول الله وأعرض عنه هو عبد الله بن أم مكتوم الأعمى أحد المهاجرين ابن خال خديجة بنت خويلد أم المؤمنين. وسبب هذا العتاب الكريم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مكة يوما ومعه صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل والعباس بن عبد المطلب وأميّة بن خلف يدعوهم إلى الإِسلام مجتهدا معهم يرغبهم ويرهبهم طمعا في إسلامهم فجاء عبد الله بن أم مكتوم ينادي يا رسول الله اقرئني وعلمني مما علمك الله وكرر ذلك مرارا فانزعج لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره رسوله الله صلى الله عليه وسلم قطعه لحديثه مع القوم فعبس وتولى عنه لا يجيبه، وما إن عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله حتى نزلت هذه الآيات {عبس وتولى} أي قطب وأعرض {أن جاءه الأعمى وما يدريك} أي وما يعلمك أنه {يزكى} بما يطلب من القرآن والسنة أي يريد زكاة نفسه وتطهير روحه بما يتعلمه منك، أو يذكر فتنفعه الذكرى. أي وما يعلمك لعله بندائه لك وطلبه منك أن يتذكر بما يسمع منك فيتعظ به وتنفعه الذكرى منك. وقوله تعالى: {أما من استغنى} أي عن الإِيمان والإِسلام وما عندك من العلم بالله والمعرفة استغنى بماله وشرفه في قومه {فأنت له تصدى} أي تتعرض له مقبلا عليه {وما عليك ألاّ يزكى} أي وأي شيء يلحقك من الأذى إن لم يتزكَّ ذاك المستغنى عنك بشرفه وماله. وكرر تعالى العتاب بالكلمات العذاب فقال: {وأما من جاءك يسعى وهو يخشى} جاءك مسرعا يجري وراءك يناديك بأحبّ الأسماء إليك يا رسول الله والحال انه يخشى الله تعالى ويخاف عقابه فلذا هو يطلب ما يزكي به نفسه ليقيها العقاب والعذاب {فأنت عنه تلهى} أي تتشاغل بغيره {كلا} أي لا تفعل مثل هذا مرة أخرى.
وقوله تعالى: {إنها تذكرة} أي هذه الآيات وما تحمل من عتاب حبيب إلى حبيب موعظة {فمن شاء} من عباد الله {ذكره} أي ذكر هذا الوحي والتنزيل {في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة} مكرمة عند الله تعالى مرفوعة في السماء مطهرة منزهة عن مس الشياطين لها {بأيدي سفرة كرام بررة} أي مطيعين لله صادقين هم الملائكة كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ وما أقرب هذا الوصف من مؤمن كريم النفس طاهر الروح يحفظ كتاب الله ويعمل به بيده مصحف يقرأه ويرتّل كلام الله فيه وقد جاء في الصحيح أن هذا العبد الذي وصفت مع السفرة الكرام البررة. اللهم اجعلني منهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

.من هداية الآيات:

1- بيان مقام النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أشرف مقام وأسماه دل على ذلك أسلوب عتاب الله تعالى له حيث خاطبه في أسلوب شخص غائب حتى لا يواجهه بالخطاب فيؤلمه فتلطف معه، ثم أقبل عليه بعد أن أزال الوحشة يخاطبه وما يدريك.
2- إثبات ما جاء في الخبر أدبني ربي فأحسن تأديبي فقد دلت الآيات عليه.
3- بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأديب ربّه له مستوى لم يبلغه سواه، فقد كان إذا جاءه ابن أم مكتوم يوسع له في المجلس ويجلسه إلى جنبه ويقول له مرحبا بالذي عاتبني ربي من أجله وولاه على المدينة مرات، وكان مؤذناً له في رمضان.
4- استحالة كتمان الرسول صلى الله عليه وسلم لشيء من الوحي فقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لو كان للرسول أن يكتم شيئا من وحي الله لكتم عتاب الله تعالى له في عبس وتولى.

.تفسير الآيات (17- 32):

{قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)}

.شرح الكلمات:

{قتل الإِنسان}: لعن الإِنسان الكافر.
{ما أكفره}: أي ما حمله على الكفر؟.
{من أي شيء خلقه}: من نطفة خلقه.
{فقدره}: أي من نطفة إلى علقة غلى مضغة فبشر سويّ.
{ثم السبيل يسره}: أي سبيل الخروج من بطن أمه.
{إذا شاء أنشره}: أي إذا شاء إحياءه أحياه.
{كلا}: حقا أو ليس الأمر كما يدعي الإِنسان أنه أدى ما عليه من الحقوق.
{لما يقض ما أمره}: أي ما كلفه به من الطاعات والواجبات في نفسه وماله.
{إلى طعامه}: أي كيف قدر ودبر له.
{حبا وعنبا}: أي الحب الحنطة واشعير والعنب هو المعروف.
{وقضبا}: أي القت الرطب وسمي قضبا لأنه يقضب أي يقطع مرة بعد مرة.
{وحدائق غلبا}: أي كثيرة الأشجار والواحدة غلباء كحمراء كثيفة الشجر.
{وفاكهة وأبا}: أي ما يتفكه به من سائر الفواكه والأب التبن وما ترعاه البهائم.
{متاعا لكم ولأنعامكم}: أي ما تقدم ذكره منفعة لكم ولأنعامكم التي هي الإِبل والبقر والغنم.

.معنى الآيات:

بعدما عاتب الربّ تبارك وتعالى رسوله على انشغاله بأولئك الكفرة المشركين وإعراضه عن ابن أم مكتوم الأعمى فكان أولئك المشركون هم السبب في إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عن ابن أم مكتوم وفي عتاب الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم فاستوجبوا لذلك لعنة الله تعالى عليهم لكفرهم وكبريائهم جَرّدَ الله تعالى شخصا منهم غير معلوم والمراد كل كافر متكبر مثلهم فقال: {قتل الإِنسان} أي الكافر {ما أكفره} أي ما حمله على الكفر والكبر. فلينظر {من أي شيء خلقه} ربَّه الذي يكفر به؟ إنه خلقه من نطفة قذرة {خلقه فقدره} أي أطوارا نطفة فعلقة فمضغة. أمن ان هذا حاله يليق به أن يكفر ويتكبر ويستغني عن الله؟ فلينظر إلى مبدئه ومنتهاه وما بينهما مبدأه نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة. وهو بينهما حامل عذرة. كيف يكفر وكيف يتكبر؟ وقوله تعالى: {ثم السبيل يسره} فلولا أن الله تعالى يسر له طريق الخروج من بطن أمه والله ما خرج. {ثم أماته} بدون استشارته ولا أخذ رأيه {فأقبره} هيأ له من يقبره وإلا لأنتن وتعفن وأكلته الكلاب، {ثم إذا شاء أنشره} {كلا}. أما يصحو هذا المغرور أما يفيق هذا المخدوع. {لما يقض ما أمره} فما له لا يقضي ما أمره ربّه من الإِيمان به وطاعته {فلينظر هذا الإِنسان إلى طعامه} الذي حياته متوقفة عليه كيف يتم له بتقدير الله تعالى وتدبيره لعله يذكر فيشكر {إنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا} كالبر والشعير والذرة وسائر الحبوب المقتاتة وعنبا يأكله رطبا ويابسا {وقضبا} وهو القت الرطب يقضب أي يقطع مرة بعد مرة وهو علف البهائم، {وزيتونا} يأكله حبا ويدهن به زيتا {ونخلا} يأكله ثمره بسرا ورطبا وتمرا {وحدائق غلبا} أي بساتين ملتفة الشجار كثيرتها الواحدة غلباء {وفاكهة وأبا} الفاكهة لكم والأب علف لدوابكم {متاعا لكم ولأنعامكم} أي هذه المذكورات بعضها متاعا لكم أي منافع تتمتعون بها وبعضها لأنعامكم وهو القضب والأب منفعة لها تعيش عليها فبأي وجه تكفر ربك يا أيها الإِنسان الكافر؟.

.من هداية الآيات:

1- بيان مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته وهي مقتضية للإِيمان به وبآياته ورسوله ولقائه.
2- الاستدلال بالصنعة على الصانع. وأن أثر الشيء يدل عليه، ولذا يتعجب من كفر الكافر بربه وهو خلقه ورزقه وكلأ حياته وحفظ وجوده إلى أجله.
3- بيان أن الإِنسان لا يزال مقصراً في شكر ربّه ولو صام الدهر كله وصلى في كل لحظة من لحظاته.

.تفسير الآيات (33- 42):

{فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)}

.شرح الكلمات:

{فإِذا جاءت الصاخة}: أي النفخة الثانية.
{وصاحبته}: أي زوجته.
{شأن يغنيه}: أي حال تشغله عن شأن غيره.
{مسفرة}: أي مضيئة.
{عليها غبرة}: أي غبار.
{ترهقها قترة}: أي ظلمة من سواد ومعنى ترهقها تغشاها.
{الكفرة الفجرة}: أي الجامعون بين الكفر والفجور.

.معنى الآيات:

بعدما بين تعالى بداية أمر الإِنسان في حياته ومعاشه فيها ذكر تعالى معاده ومآله فيهها فقال عز من قائل {فإِذا جاءت الصاخة} وهي القيامة ولعل تسميتها بهذا الاسم الصاخة نظرا إلى نفخة الصور التي تصخ الآذان أي تصمها بمعنى تصيبها بالصمم لشدتها. وهي النفخة الثانية وقوله تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته} أي زوجته {وبنيه} وهؤلاء أقرب الناس إليه ومع هذا يفر عنهم أي يهرب خشية أن يطالبوه بحق لهم عليه فيؤخذ به. وقوله تعالى: {لكل امرئ منهم يومئذ شأن} أي حال وأمر {يغنيه} عن السؤال عن غيره ولو كان أقرب قريب غليه. هنا ورد أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلة يا نبيّ الله كيف يحشر الرجال؟ قال: «حفاة عراة» ثم انتظرت ساعة فقالت يا نبيّ الله كيف يحشر النساء؟ قال: «كذلك حفاة عراة» قالت واسوأتاه من يوم القيامة: قال: «وعن ذلك تسألين إنه قد نزلت علي آية لا يضرك كان عليك ثياب أم لا» قالت أي آية هي يا نبيّ الله قال: «{لكل امرئ منهم يومئذ شيء يغنيه}». وقوله تعالى: {وجوه يومئذ مسفرة} أي مضيئة مشرقة {ضاحكة مستبشرة} وهي وجوه المؤمنين والمؤمنات أهل التقوى وجوههم حسنة مشرقة بالأنوار مستبشرون بالقدوم على ربهم والنزول بجواره الكريم. {ووجوه يومئذ} أي تقوم القيامة ويحشر الناس لفصل القضاء {عليها غبرة} أي غبار {ترهقها} أي تغشاها {قترة}. أي ظلمة وسواد أولئك أي الذين عليهم الغبرة وتغشاهم القترة هم {الكفرة} في الدنيا {الفجرة} فيها الذين عاشوا على الكفر والفجور وماتوا على ذلك والفجور هو الخروج عن طاعة الله تعالى بترك الواجبات وغشيان المحرمات كالربا والزنا وسفك الدماء.

.من هداية الآيات:

1- بيان شدة الهول يوم القيامة يدل عليه فرار المرء من اقربائه.
2- خطر التبعات على العبد يوم القيامة وهي الحقوق التي يطالب بها العبد يوم القيامة.
3- شدة الهول والفزع تنسي المرء يوم القيامة أن ينظر إلى عورة أحد من أهل الموقف.
4- ثمرة الإِيمان والتقوى تظهر في الموقف نورا على الوجه وإشراقا له وإضاءة وثمرة الكفر والفجور تظهر ظلمة وسوادا على الوجه وغبارا.
5- تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرض صورة من صورها.

.سورة التكوير:

.تفسير الآيات (1- 14):

{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14)}

.شرح الكلمات:

{إذا}: أي ظرف لما ذكر بعد من المواضع الأثنى عشر، وجوابها علمت نفس ما أحضرت.
{كورت}: أي لفت وذهب بنورها.
{انكدرت}: أي انقضت وتساقطت على الأرض.
{سيرت}: ذهب بها عن وجه الأرض فصارت هباء منبثا. {وإذا العشار}: أي النوق الحوامل.
{عطلت}: أي تركت بلا راع أو بلا حلب لما دهاهم من الأمر.
{الوحوش حشرت}: أي جمعت وماتت.
{وإذا البحار سجرت}: أي أوقدت فصارت نارا.
{وإذا النفوس زوجت}: أي قرنت بأجسادها ثم بقرنائها وأمثالها في الخير والشر.
{وإذا الموءودة}: أي البنت تدفن حية خوف العار أو الحاجة.
{سئلت}: أي تبكيتا لقاتلها.
{بأي ذنب قتلت}: أي بلا ذنب.
{وإذا الصحف نشرت}: أي صحف الأعمال فتحت وبسطت.
{وإذا السماء كشطت}: أي نزعت من أماكنها كما ينزع الجلد عن الشاة.
{وإذا الجحيم سعرت}: أي النار أججت.
{وإذا الجنة أزلفت}: أي قرّبت لأهلها ليدخلوها.
{علمت نفس ما أحضرت}: أي كل نفس وقت هذه المذكورات ما أحضرت من خير وشر.

.معنى الآيات:

قوله تعالى: {إذا الشمس كورت} إلى قوله: {علمت نفس ما أحضرت} اشتمل على اثني عشر حدثا جللا، ستة أحداث منها في الدنيا وستة في الآخرة وكلها معتبرة شرطا لجواب واحد وهو قوله تعالى: {علمت نفس ما أحضرت} أي من خير وشر لتجزي به والسياق كله في تقرير عقيدة البعث والجزاء التي أنكرها العرب المشركين وبالغوا في إنكارها مبالغة شديدة وكونها عليها مدار إصلاح الفرد والجماعة وأنه بدونها لا يتم إصلاح ولا تهذيب ولا تطهير عُنِيَ القرآن بها عناية فائقة ويدل لذلك أن فواتح سور والصافات والذاريات والطور والمرسلات والنازعات والتكوير والانفطار والانشقاق والبروج والفجر كل هذه بما فيها من إقسامات عظيمة هي لتقرير عقيدة البعث والجزاء.
وهذه الأحداث الستة التي تقع في الدنيا وهي مبادئ الآخرة.
1- تكوير الشمس بلفها وذهاب ضوئها.
2- انكدار النجوم بانقضائها وسقوطها على الأرض.
3- تسيير الجبال بذهابها عن وجه الأرض واستحالتها إلى هباء يتطاير.
4- تعطيل العشار وهي النوق الحوامل فلا تحلب ولا تركب ولا ترعى لما أصاب أهلها من الهول والفزع وكانت أفضل أموالهم وأحبها إلى نفوسهم.
5- حشر الوحوش وموتها وهي دواب البر قاطبة.
6- تسجير البحار باشتعالها نارا.
وهذه الأحداث الستة التي تقع في الآخرة:
1- تزويج النفوس وهو قرنها بأجسادها بعد خلق الأجساد لها، وبعد ذلك بأمثالها في الخير والشر.
2- سؤال الموءودة عن ذنبها الذي قتلت به؟
3- نَشْرُ صحف الأعمال وفتحها وبسطها.
4- كشط السماء أي نزعها من أماكنها نزع الجلد عن الشاة عند سلخها.
5- تسعير النار أي تأجيجها وتقويتها.
6- إزلاف الجنة وتقريبها لأهلها أهل الإِيمان والتقوى.
وجواب هذه الأحداث التي وقعت شرطا لحرف إذا هو قوله تعالى: {علمت نفس ما أحضرت} من حسنات فتصير بها إلى الجنة، أو سيئات فتصير بها إلى النار.
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك من النار وما قرب غليها من قول وعمل.

.من هداية الآيات:

1- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
2- بيان مفصل عن مبادئ القيامة، وخواتيمها وفي حديث الترمذي الحسن الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ {إذا الشمس كورت}، و{إذا السماء انفطرت}، و{إذا السماء انشقت}».
3- الترغيب في الإِيمان والعمل الصالح إذ بهما المصير إلى الجنة.
4- الترهيب من الشرك والمعاصي إذ بهما المصير إلى النار.

.تفسير الآيات (15- 29):

{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)}

.شرح الكلمات:

{الخنس}: أي التي تخنس بالنهار أي تختفي وتظهر بالليل.
{الجواري الكنس}: أي التي تجري أحيانا وتكنس في مكانسها أحيانا أخرى والمكانس محل إيوائها كمكانس بقر الوحش وهي الدرارى الخمسة عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل.
{إذا عسعس}: أي أقبل أو أدبر لأن عسعس من أسماء الأضداد.
{تنفس}: أي امتد حتى يصير نهاراً بيّناً.
{إنه}: أي القرآن.
{لقول رسول كريم}: أي جبريل كريم على الله تعالى وأضيف إليه القرآن لنزوله به.
{ذو قوة}: أي شديد القوى.
{عند ذي العرش مكين}: أي عند الله تعالى ذي مكانة.
{مطاع ثم أمين}: أي مطاع في السماء تطيعه الملائكة أمين على الوحي.
{وما صاحبكم بمجنون}: أي محمد صلى الله عليه وسلم أي ليس به جنون.
{ولقد رآه بالأفق المبين}: أي ولقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلق عليها بالأفق الأعلى البيّن من ناحية المشرق.
{وما هو على الغيب}: أي وما محمد صلى الله عليه وسلم على الغيب وهو ما غاب من الوحي وخبر السماء.
{بضنين}: أي ببخيل وفي قراءة بالظاء أي بمتهم فيُنْقِصُ منه ولا يعطيه كلَّه.
{وما هو بقول شيطان رجيم}: أي وليس القرآن بقول شيطان مسترق للسمع مرجوم.
{فأين تذهبون}: أي فأيّ طريق تسلكون في إِنكارهم القرآن وإِعراضكم عنه.
{ما هو إلا ذكر للعالمين}: أي ما القرآن إلا موعظة للإِنس والجن.
{أن يستقيم}: أي يتحرى الحق ويعتقده ويعمل بمقتضاه.
{وما تشاءون إلا أن يشاء الله}: أي ومن شاء الاستقامة منكم فإِنه لم يشأها إلا بعد أن شاءها الله قبله إذ لو لم يشأها الله ما أشاءها عبده.

.معنى الآيات:

لما قرر تعالى عقيدة البعث والجزاء بوصف كامل لأحداثها وكان الوصف من طريق الوحي فافتقر الموضوع غلى صحة الوحي والإِيمان به فإِذا صح الوحي وآمن به العبد آمن بصحة البعث والجزاء. ومن هنا أقسم تعالى بأعظم قسم على أن القرآن نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم وما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله ووحيه وليس هو بمجنون يقول مالا يدري ويهذر بما لا يعني ولا هو بقول شيطان رجيم ممن يسترقون السمع ويلقونه إلى إخوانهم من الكهان بل هو كلام الله صدقا وحقاً وما يخبر به كما يخبر صدق وحق فقال تعالى: {فلا} أي ليس الأمر كما تدعون بأن ما يقوله رسولنا هو من جنس ما تقوله الكهنة. ولا مما يقوله الشعراء، ولا هو بكلام مجانين. ولا هو سحر الساحرين أقسم بالخنس الجواري الكنس أي بكل ما يخنس ويجري ويكنس من الظباء وبقر الوحش والكواكب والدراري الخمسة عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل. والمراد من الخنوس الاختفاء والكنوس إيواءها إلى مكانسها مواضع إيوائها. وقوله: {والليل إذا عسعس} أي أقسم بالليل إذا أقبل أو أدبر إذ لفظ عسعس بمعنى أقبل وأدبر فهو لفظ مشترك بين الإِقبال والإِدبار {والصبح إذا تنفس} أي امتد ضوءه فصار نهاراً أقسم بكل هذه المذكرات على أن القرآن الذي يصف لكم البعث والجزاء حق الوصف هو قول رسول كريم أي جبريل الكريم على ربّه ذي قوة لا يقادر قدرها فلا يقدر إنس ولا جن على انتزاع ما عنده من الوحي ولا على زيادة فيه أو نقص منه.
عند ذي العرش سبحانه وتعالى مكين أي ذي مكانة محترمة مطاع في السموات أمين على الوحي هذا أولاً وثانيا والله وما صاحبكم محمد صلى الله عليه وسلم {بمجنون} كما تقولون {ولقد رآه} أي رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبرل بالأفق المبين رآه على صورته التي خلقه الله عليها وله ستمائة جناح رآه بالأفق ناحية الشرق وقد سد الأفق كله، والأفق بيّن والنهار طالع. {وما هو} أي محمد صلى الله عليه وسلم {على الغيب بضنين} أي بمظنون فيه التهمة بأن يزيد فيه أو ينقص منه أو يبدل أو يغير كما هو ليس ببخيل فيظن فيه أنه يكتم منه شيئاً أو يخفيه بخلا به أو ينقص منه شحاً به وبخلاً. {وما هو بقول شيطان رجيم} ممن يسترقون السمع ويلقونه إلى أوليائهم من الإِنس فيخلطون فيه ويكذبون. وقوله تعالى: {فأين تذهبون} ينكر عليهم مسلكهم الشائن في تكذيب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم واتهامه بالسحر، والقرآن بالشعر والكهانة والأساطير. وقوله إن هو إلا ذكر للعالمين أي ما القرآن الكريم إلا ذكر للعالمين من الإِنس والجن يذكرون به خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم وما له عليهم من حق العبادة وواجب الشكر ويتعظون به فيخافون ربهم فلا يعصونه بترك فرائضه عليهم ولا بارتكاب ما حرمه عليهم وقوله تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم} على منهاج الحق فيتحرى الحق أولا ويؤمن به ويعمل بمقتضاه ثانيا. ولما سمع أبو جهل هذه الآية: {لمن شاء منكم أن يستقيم} قال الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم. أنزل تعالى قوله: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله ربّ العالمين} فاكبت اللعين فاعلم أن من شاء الاستقامة من العالمين لم يشأها إلا بعد أن شاءها الله تعالى له ولو لم يشأها الله تعالى والله ما شاءها العبد ابدا إذ مشيئة الله سابقة لمشيئة العبد، وفي كل ما يشاؤه الإِنسان فإِن مشيئة الله سابقة لمشيئة لأن الإِنسان عبد والله رب والرب لا مشيئة تسبق مشيئته.

.من هداية الآيات:

1- مشروعية الإِقسام بالله تعالى وأسمائه وصفاته.
2- تقرير الوحي وإثبات النبوة المحمدية.
3- بيان صفات جبريل الكمالية الأمانة، القوة، علو المكانة، الطاعة، الكرم..
4- براءة الرسول مما اتهمه به المشركون.
5- بيان أن مشيئة الله سابقة لمشيئة العبد. فلا يقع في ملك الله تعالى إلا ما يريد.