فصل: تفسير الآيات (38- 40):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.تفسير الآيات (38- 40):

{وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)}

.شرح الكلمات:

{وعاداً وثمودا}: أي وأهلكنا عاداً القبيلة وثمود القبيلة كذلك.
{وقد تبين لكم من مساكنهم}: أي تبين لكم إهلاكهم من مساكنهم الخالية منهم بالحجر شمال الحجاز واشحر جنوب اليمن.
{عن السبيل}: أي سبيل الهدى والحق التي بينتها لهم رسلهم.
{كانوا مستبصرين}: أي ذوي بصائر لما علمتهم رسلهم.
{وقارون وفرعون وهامان}: أي وأهلكنا قارون بالخسف وفرعون وهامان بالغرق.
{فاستكبروا}: أي عن عبادة الله تعالى وطاعته وطاعة رسله.
{وما كانوا سابقين}: أي فائتين عذاب الله أي فارين منه، بل أدركهم.
{فكلاً أخذنا بذنبه}: أي فكل واحد من المذكورين أخذناه بذنبه ولم يفلت منا.
{ومنهم من أرسلنا عليه حاصباً}: أي ريحاً شديدة، كعاد.
{ومنهم من خسفنا به الأرض}: أي كقارون.
{ومنهم من أغرقنا}: كقوم نوح وفرعون.

.معنى الآيات:

لما ذكر تعالى في الآيات قبل ذي إهلاكه لقوم لوط وقوم شعيب وقوم نوح من قبل لما ردوا دعوته وكذبوا رسله ذكر بقية الأقوام الذين كذبوا بآيات الله ورسله فأهلكهم، فقال عز وجل: {وعاداً وثموداً} أي وأهلكنا كذلك عاداً قوم هود، وثمود قوم صالح وقوله تعالى: {وقد تبين لكم من مساكنهم} أي وقد تبين لكم يا معشر كفار مكة ومشركي قريش من مساكنهم بالحجر والشجر من حضرموت ما يؤكد لكم إهلاكنا لهم، إذ مساكنهم الخاوية دالة على ذلك دلالة عين. وقوله تعالى: {وزين لهم الشيطان أعمالهم} أي وقد زين لهم الشيطان أعمالهم من الشرك والشر والظلم والفساد وصدهم بذلك التنزيين عن السبيل، سبيل الإِيمان والتقوى الموروثة للسعادة في الدنيا والآخرة. وقوله: {وكانوا مستبصرين} أي ذوي بصائر أي معرفة بالحق والباطل والخير والشر ما علمتهم الرسل ولكن آثروا أهواءهم على عقولهم فهلكوا. وما ظلمهم الله ولكن كانوا هم الظالمين. وقوله تعالى: {وقارون وفرعون وهامان} أي أهلكنا قارون الإِسرائيلي ابن عم موسى عليه السلام، أهلكناه ببغيه وكفره، فخسفنا به الأرض وبداره أيضاً، وفرعون وهامان أغرقناهما في اليم بكفرهما وطغيانهما وظلمهما واستعلائهما وذلك بعدما جاءهم موسى بالبينات من الآيات والحجج الواضحات التي لم تُبق لهم عذراً في التخلف عن الإِيمان والتقوى ولكن {فاستكبروا في الأرض}، أرض مصر وديارها فرفضوا الإِيمان والتقوى {وما كانوا سابقين} ولا فائتين فأحلَّ الله تعالى بهم.
نقمته وأنزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم الظالمين. ثم في الآية الأربعين من هذا السياق بين تعالى أنواع العذاب الذي أهلك به هؤلاء الأقوام، فقال: {فكلاً} أي فكل واحد من هؤلاء المكذبين {أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً} أي ريحاً شديدة كعاد.
{ومنهم من أخذته الصيحة} كثمود {ومنهم من خسفنا به الأرض} كقارون {ومنهم من أغرقنا} كفرعون، وقوله تعالى. {وما كان الله ليظلمهم} أي لم يكن من شأن الله تعالى الظلم فيظلمهم، {ولكن كانوا} أي أولئك الأقوام {أنفسهم يظلمون} بالشرك والكفر والتكذيب والمعاصي فأهلكوها بذلك، فكانوا هم الظالمين.

.من هداية الآيات:

1- بيان أن الشيطان هو سبب هلاك الأقوام وذلك بتزيينه لهم الشر والقبيح كالشرك والباطل والشر والفساد.
2- بيان أن الاستكبار كالظلم عاقبتهما الهلاك والخسران.
3- بيان أن الله تعالى ما أهلك أمة حتى يبين لها ما يجب أن تتقيه من أسباب الهلاك والدمار فإذا أبت إلا ذاك أوردها الله موارده.

.تفسير الآيات (41- 45):

{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)}

.شرح الكلمات:

{مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء}: أي صفة وحال الذين اتخذوا أصناماً يرجون نفعها.
{كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً}: أي لنفسها تأوي غليه.
{أوهن البيوت}: أضعف البيوت وأقلها جدوى.
{يعلم ما يدعون من دونه من شيء}: أي من الأوثان والأصنام وغيرها.
{وهو العزيز الحكيم}: أي الغالب على أمره الحكيم في تدبير أمور خلقه.
{وما يعقلها إلا العالمون}: أي العالمون بالله وآياته وأحكام شرعه وأسراره.
{خلق الله السموات والأرض بالحق}: أي من أجل أن يعبد لا للهو ولا لباطل.
{أتل ما أوحي إليك من الكتاب}: اقرأ يا رسولنا ما أنزل إليك من القرآن.
{وأقم الصلاة}: بأدائها مقامة مراعى فيها شروطها وأركانها وواجباتها وسننها.
{تنهى عن الفحشاء والمنكر}: أي الصلاة بما توجده من نور في قلب العبد يصبح به لا يقدر على فعل فاحشة ولا إتيان منكر.
{ولذكر الله أكبر}: أي ذكر الله عبده أكبر من ذكر العبد ربه كما ان ذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة وغيرهما.

.معنى الآيات:

بعد أن ذكر تعالى نقمته على أعدائه الذين كفروا به واشركوا غيره في عبادته وكذبوا رسله وكان ذلك تنبيهاً وتعليماً للمشركين والكافرين المعاصرين لنزول القرآن لعلهم يستجيبون للدعوة المحمدية فيؤمنوا ويوحدوا ويسلموا من العذاب والخسران. ذكر هنا في هذه الآيات مثلاً لعبادة الأوثان في عدم نفعها لعابديها والقصد هو تقرير التوحيد، وإبطال الشرك العائق عن كمال الإِنسان وسعادته وقال تعالى: {مثل الذين اتخذوا من دون الله} أي شركاء وهي الأصنام والأوثان يعبدونها راجين نفعها وشفاعتها لهم عند الله تعالى {كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً} لتأوي إليه قصد وقايتها مما تخاف من جراء برد أو اعتداء حشرة عليها، {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} والحال أن أوهن البيوت أي أضعفها وأحقرها شأناً واقلها مناعة هو بيت العنكبوت فهذه حال المشركين الذين اتخذوا من دون الله {أولياء} أي أصناماً يرجون النفع، ودفع الضر بها فهم واهمون في ذلك غالطون، مخطئون، إنه لا ينفع ولا يضر غلا الله فليعبدوه وحده وليتركوا ما سواه. وقوله: {لو كانوا يعلمون} أي لو كان المشركون يعلمون أن حالهم في عبادتهم غير الله في عدم الانتفاع بها كحال العنكبوت في عدم الانتفاع ببيتها الواهي لما رضوا بعبادة غير الله وتركوا عبادة الله الذي بيده كل شيء وإليه مصير كل شيء. وقوله تعالى: {إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء} فيه تهديد للمشركين المصرين على الشرك بأنه لا يخفى عليه ما هم عليه من دعاء غيره، ولو شاء لأهلكهم كما أهلك من قبلهم {وهو العزيز} أي الغالب على أمره {الحكيم} في تدبير خلقه ولذا يعجل العقوبة لمن يعجل لحكمة ويؤخرها لمن يؤخرها عنه لحكمة فلا يغتر المشركون بتأخير العذاب، ولا يستدلون به على رضا الله تعالى بعبادتهم، وكيف يرضاها وقد اهلك أمماً بها وأنزل كتابه وبعث رسوله لإِبطالها والقضاء عليها وقوله تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس} أي وهذه الأمثال نضربها للناس لأجل إيقاظهم وتبصيرهم وهدايتهم، وما {يعقلها إلا العالمون} أي وما يدرك مغزاها وما تهدف إليه من التنفير من الشرك العائق عن كل كمال وإسعاد في الدارين {إلا العالمون} أي بالله وشرائعه وأسرار كلامه وما تهدي إليه آياته.
وقوله تعالى: {خلق الله السموات والأرض بالحق} إخبار بأنه تعالى هو الذي خلق السموات والأرض وهي مظاهر قدرته وعلمه وحكمته موجبة لعبادته بتعظيمه وطاعته ومحبته والإِنابة إليه والخوف منه. وخلقهما بالحق لا بالباطل وذلك من أجل أن يذكر فيهما ويشكر فمن كفر به فترك ذكره وشكره كان كمن عبث بالسموات والأرض وأفسدها، لذا يعذب نظراً إلى عظم جرمه عذاباً دائماً أبداً. وقوله: {إن في ذلك لآية للمؤمنين} أي إن في خلق السموات والأرض بالحق {لآية} أي علامة بارزة على وجود الله وقدرته ولعمه وحكمته، وهذه موجبات ألوهيته على سائر عباده فهو الإِله الحق الذي لا رب غيره. ولا إله سواه وبعد هذا البيان والبرهان لم يبق عذر لمعتذر، وعليه ف {اتل} أيها الرسول {ما أوحي إليك من الكتاب} تعليماً وتذكيراً وتعبداً وتقرباً {وأقم الصلاة} طرفى النهار وزلفاً من الليل فإن في ذلك عوناً كبيراً لك على الصبر والثبات وزاداً عظيماً لرحلتك إلى الملكوت الأعلى. وقوله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} تعليل للأمر بإقام الصلاة فإن الصلاة بما توجده من إشراقات النفس والقلب والعقل حال تحول بين العبد وبين التلوث بقاذورات الفواحش ومفاسد المنكر وذلك يفيد إقامتها لا مجرد أدائها والإِتيان بها. وإقامة الصلاة تتمثل في الإِخلاص فيها لله تعالى أولاً ثم بطهارة القلب من الالتفات إلى غير الرب تعالى اثناء أدائها ثانياً، ثم بأدائها في أوقاتها المحددة لها وفي المساجد بيت الله، ومع جماعة المسلمين عباد الله وأوليائه، ثم مراعاة أركانها من قراءة الفاتحة والركوع والطمأنينة فيه والاعتدال والطمأنينة فيه، ثم بمراعاة أركانها من قراءة الفاتحة والركوع والطمأنينة فيه والاعتدال والطمأنينة فيه، والسجود على الجبهة والأنف والطمأنينة فيه، وآخر أركانها الخشوع وهو السكون ولين القلب وذرف الدمع. هذه هي الصلاة التي توجد طاقة النور التي تحول دون الانغماس في الشهوات والذنوب وإتيان الفاحشة وارتكاب المنكر. وقوله تعالى: {ولذكر الله أكبر} أي أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من إقامة الصلاة لأن الصلاة أثناء ادائها مانعة عاصمة لكن إذا خرج منها، قد يضعف تأثيرها، أما ذكر الله بالقلب واللسان في كل الأحيان فهو عاصم مانع من الوقوع في الفحشاء والمنكر وفي اللفظ معنى آخر وهو أن ذكر الله للعبد في الملكوت الأعلى أكبر من ذكر العبد للرب في ملكوت الأرض ويدل عليه قوله: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملإٍ، ذكرته في ملإِ خير منه» كما في الحديث الصحيح.
وقطعاً والله لذكر الرب العبد الضعيف أكبر من ذكر العبد الضعيف الرب العظيم. اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين لآلائك. وقوله: {والله يعلم ما تصنعون} فيه وعد وعيد، فإن علمه يترتب عليه الجزاء فمن كان يصنع المعروف جزاه به، ومن كان يصنع السوء جزاه به. اللهم ارزقنا صنائع المعروف وابعد عنا صنائع السوء آمين.

.من هداية الآيات:

1- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني للأفهام.
2- تقرير التوحيد وإبطال التنديد.
3- فصل العلماء على غيرهم، العلماء بالله، بصفاته وأسمائه وآياته، وشرائعه، وأسرارها.
4- وجوب تلاوة القرآن، وإقامة الصلاة، وذكر الله، إذ هي غذاء الروح وزاد العروج إلى الملكوت الأعلى.
5- بيان فائدة إقام الصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تعالى بالقلب واللسان.

.تفسير الآيات (46- 49):

{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49)}

.شرح الكلمات:

{ولا تجادلوا أهل الكتاب}: أي لا تحاجوا ولا تناظروا اليهود ولا النصارى.
{إلا بالتي هي أحسن}: أي إلا بالمجادلة التي هي أحسن وهي الدعوة إلى الله بآياته والتنبيه على حججه.
{إلا الذين ظلموا منهم}: أي الذين لم يدخلوا في ذمة المسلمين بدفع الجزية وبقوا حربا على المسلمين.
{وكذلك أنزلنا إليك الكتاب}: أي وكإِنزالنا الكتاب على من قبلك من الرسل أنزلنا إليك الكتاب.
{فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون}: أي كعبد الله بن سلام وإخوانه الذين آمنوا بالرسول وكتابه.
{ومن هؤلاء من يؤمن به}: أي ومن هؤلاء المشركين من يؤمن به وفعلا آمن به كثيرون.
{ولا تخطه بيمينك}: أي تكتب بيدك لأنك أميّ لا تقرأ ولا تكتب.
{لارتاب المبطلون}: أي لشك اليهود في نبوتك ونزول القرآن إليك.
{بل هو آيات بينات}: أي محمد صلى الله عليه وسلم نعوته وصفاته آيات بينات في التوراة والإنجيل محفوظة في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب.
{وما يجحد بآياتنا إلا}: أي وما يجحد بآيات الله الحاملة لنعوت الرسول الأمي وصفاته إلا الذين ظلموا أنفسهم بكتمان الحق والاستمرار على الباطل.

.معنى الآيات:

قوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب} هذا تعليم للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يأخذون به مستقبلا عندما يتصلون بأهل الكتاب ويحتكون بهم فقال عز وجل مخاطباً الرسول صلى الله عليه سولم والمؤمنين من أمته {ولا تجادلوا أهل الكتاب} الذين هم اليهود والنصارى فنهاهم عن مجادلتهم وهي خصامهم ومحاجتهم ومناظرتهم {إلا بالتي هي أحسن} أي إلا بالمجادلة التي هي أحسن وذلك بدعوتهم إلى الله تعالى ليؤمنوا برسوله ويدخلوا في دنيه الإِسلام والتنبيه على حجج الله وأدلة وحيه وكتابه. وقوله: {إلا الذين ظلموا منهم} وهم الذين لم يدخلوا في ذمة المسلمين ولم يؤدوا الجزية وناصبوا المسلمين الحرب والعداء فهؤلاء لا يجاتدلون ولكن يُحَكَّم فيهم السيف فيقاتلون حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وقوله تعالى: {وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وغلهكم واحد ونحن له مسلمون}. هذا تعليم آخر للمؤمنين وهو: إن أخبرهم أهل الكتاب بشيء لا يوجد في الإسلام ما يثنيه ولا ما ينفيه وادّعوا هم أنه في كتابهم في هذه الحال فقولوا ما أرشدنا الله تعالى إلى قوله وهو: {آمنا بالذي أُنزل إلينا} إلى آخر الآية حتى لا نكون قد كذَّبنا بحق ولا آمنَّا بباطل، وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا {آمنا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون}.
وقوله تعالى: {وكذلك أنزلنا إليك الكتاب} أي وكإِنزال الكتب السابقة على رسل سبقوا كموسى وداود وعيسى عليهم السلام أنزلنا إليك أنت يا محمد الكتاب أي القرآن وقوله تعالى: {فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون}. فهذا إخبار بغيب فكما علّم الله تعالى المؤمنين كيف يكونون مع أهل الكتاب عندما يتصلون بهم ويعيشون معهم في المدينة وغيرها أخبر أن الذين آتاهم الكتاب أي التوراة والإنجيل وهم الراسخون في العلم يؤمنون أي بالقرآن وقد آمن عبد الله بن سلام وكثير من أحبار أهل الكتاب، وآمن من المشركين كثيرون فكان الأمر كما أخبر. وقوله تعالى: {وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون} فهو كما أخبر لا يجحد بالآيات القرآنية ويكذّب بها إلا كافر مظلم النفس خبيثها وقوله تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} هو كما قال عز وجل لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ قبل القرآن أيّ كتاب، ولا كان يخط بيمينه أي كتاب لأنه أُميّ لا يقرأ ولا يكتب أيْ فلو كان قبل نزول القرآن عليه يقرأ ويكتب لكان للمبطلين مجال للشك في صحة دعوى النبوة المحمدية ونزول القرآن عليه، ولكن لم يكن قبل القرآن يقرأ أيّ كتاب، ولم يكن يخط بيمينه أيّ خط ولا كتاب فلم يبق إذاً للمشركين ما يحتجون به أبداً. وقوله تعالى: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أُوتوا العلم} أي بل الرسول ونعوته وصفاته ومنها وصف الأمية آيات في التوراة والإنجيل محفوظة في صدور الذين أُوتوا العلم من أهل الكتاب.. وقوله تعالى: {وما يجحد بآياتنا} في التوراة والإنجيل والقرآن {إلا الظالمون} أنفسهم من الماديين اليهود والنصارى الذين يأكلون ويَتَرأسُونَ على حساب الحق والعياذ بالله تعالى.

.من هداية الآيات:

1- مشروعية مجادلة أهل الكتاب من أهل الذِّمَّة بالتي هي أحسن.
2- حرمة سؤال أهل الكتاب لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل».
3- منع تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم إذا أخبروا بشيء ووجوب قول: {آمنا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون}.
4- إخبار القرآن بالغيب قبل وقوعه فيقع كما أخبر فيكون ذلك آية على أنّه وحي الله تعالى.
5- تقرير صفة الأمية في النبي صلى الله عليه وسلم كما هي في الكتب السابقة.

.تفسير الآيات (50- 52):

{وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52)}

.شرح الكلمات:

{لولا أُنزل عليه آيات}: أي قال كفار قريش هلاّ أُنزل على محمد آيات من ربِّه كناقة صالح، وعصا موسى.
{قل إنما الآيات عند الله}: أي قل يا رسولنا الآيات عند الله ينزلها متى شاء.
{أولم يكفهم أنا أنزلنا الكتاب عليك}: أي أو لم يكفهم فيما طلبوا من الآيات إنزالنا الكتاب عليك.
{إن في ذلك لرحمة وذكرى}: أي في القرآن رحمة وموعظة للمؤمنين فهو خير من ناقة صالح.
{والذين آمنوا بالباطل}: وهو ما يعبد من دون الله.
{وكفروا بالله}: وهو الإِله الحق.
{أولئك هم الخاسرون}: أي حيث استبدلوا الكفر بالإِيمان.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في تقرير النبوة المحمدية فقوله تعالى: {وقالوا} أي أهل مكة {لولا أنزل عليه آيات من ربه} أي هلاّ أُنزل على محمد آيات من ربّه كناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى إذ هذا الذي يعنون بالآيات أي معجزات خارقة للعادة. قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل يا رسولنا لقومك المطالبين بالآيات دليلا على صدق نُبُوَّتك قل لهم: أولا: الآيات التي تطالبون بها هي عند الله وليست عندى فهو تعالى ينزِّلها متى شاء وعلى من شاء. وثانيا {إنما أنا نذير مبين} أي وظيفتي التي أقوم بها هي إنذار أهل الظلم من عاقبة ظلمهم وهي عذاب النار فلذا لا معنى بمطالبتي بالآيات. وثالثا أو لم يكفهم آية أن الله تعالى أنزل عليّ كتابه فأنا أتلوه عليكم صباح مساء فأي آية أعظم من كتاب من أميّ لا يقرأ ولا يكتب تُتلى آياته تحمل الهدى والنور وهو في الوقت نفسه رحمة وذكرى أي موعظة لقوم يؤمنون فهي معجزة ثابتة قائمة باقية يجد فيها المؤمنون الرحمة فيتراحمون بها ويجدون فيها الموعظة فهم يتعظون بها، فأين هذا من معجزة تبقى ساعة ثم تذهب وتروح كمائدة عيسى أو عصا موسى. ورابعا: شهادة الله برسالتي كافية لا يُطلب معها دليل آخر على نبوتي ورسالتي، فقد قال لي ربي: {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً}. ربي الذي يعلم ما في السموات والأرض من كل غيب ومن ذلك علمه بأني رسوله فشهد لي بذلك بإِنزاله عليَّ هذا الكتاب وأخيراً وبعد هذا البيان يقول تعالى: {والذين آمنوا بالباطل} وهو تأليه المخلوقات من دون الله {وكفروا} بأولوهية الله الحق {أولئك} البعداء في الفساد العقلي وسوء الفهم {وهم الخاسرون} في صفتهم حين اشتروا الكفر بالإِيمان واستبدلوا الضلالة بالهدى.
هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث فلتعد تلاوتها بالتأنِّي والتدبر.

.من هداية الآيات:

1- تقرير النبوة المحمدية بالأدلة القاطعة التي لا تُرد، وهي أربعٌ كما ذُكر آنفاً.
2- بيان أكبر معجزة لإِثبات لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي نزول القرآن.
الكريم عليه وفي ذلك قال عليه الصلاة والسلام كما في البخاري: «وما من نبي إلا أُوتي ما على مثله آمن البشر، وكان الذي أُوتيته حيا أوحاه الله إليّ فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة».
3- القرآن الكريم رحمة وذكرى أي عبرة وعظة للمؤمنين به وبمن نزل عليه.
4- تقرير خسران المشركين في الدارين لاستبدالهم الباطل بالحق والعياذ بالله تعالى.

.تفسير الآيات (53- 55):

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55)}

.شرح الكلمات:

{ويستعجلونك بالعذاب}: أي يطلبون منك تعجيل العذاب لهم.
{ولولا أجل مسمّى}: أي وقت محدد للعذاب لا يتقدمه ولا يتأخر عنه لجاءهم.
{وليأتينّهم بغتة}: فجأة من حيث لا يخطر لهم على بال.
{وان جهنم لمحيطة بالكافرين}: أي من كل جانب وهم فيها وذلك يوم يغشاهم.
{يوم يغشاهم العذاب}: أي من فوقهم ومن تحت أرجلهم.
{ذوقوا ما كنتم تعملون}: أي ويقول لهم الجبار ذوقوا ما كنتم تعملون أي من الشرك والمعاصي.

.معنى الآيات:

لقد تقدم في الآيات القريبة أن المكذّبين بالرسالة المحمدية طالبوا بالعذاب تحدياً منهم للرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: إئتنا بالعذاب إن كنت من الصادقين في أنك نبي ورسول إلينا وفي هذه الآية يعجِّب تعالى رسوله أي يحملُه على أن يتعجب من حمق المشركين وطيشهم وضلالهم إذ يطالبون بالعذاب فيقول له {ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى} للعذاب أي وقت محدد له لا يتقدمه ولا يتأخره {لجاءهم العذاب}. ثم أخبر تعالى رسوله مؤكداً خبره فقال: {وليأتينّهم} أي العذاب {بغتة} لا محالة {وهم لا يشعرون} بوقت مجيئه، ثم كرر تعالى حمل رسوله على التعجب من سخف المسركين الذين لا يطيقون لسعة عقرب ولا نهشة أفعى يطالبون بالعذاب فقال: {يستعجلونك بالعذاب. وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} لا محالة كقوله: {أتى أمر الله} {يوم يغاشهم العذاب} أي يغطيهم ويعمرهم فيكون {من فوقهم ومن تحت أرجلهم} وجهنم محيطة بهم ويقول الجبار تبارك وتعالى موبخاً لهم {ذوقوا ما كنتم تعملون} من الشرك والمعاصي.

.من هداية الآيات:

1- مشروعية التعجب إذا وجدت أسبابه الحاملة عليه.
2- بيان مدى حُمق وجهل وسفه الكافرين والمشركين بخاصة.
3- بيان أن تأخير العذاب لم يكن عن عجز وإنما هو لنظام دقيق إذ كل شيء له أجل محدد لا يتقدم ولا يتأخر.