فصل: سورة الفجر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.تفسير الآيات (17- 26):

{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)}

.شرح الكلمات:

{أفلا ينظرون}: أي أينكرون البعث فلا ينظرون نظر اعتبار.
{إلا الإبل كيف خلقت}: أي خلقا بديعا معدولا به عن سنن سائر المخلوقات.
{وإلى السماء كيف رفعت}: أي فوق الأرض بلا عمد ولا مستند.
{وإلى الجبال كيف نصبت}: أي على وجه الأرض نصباً ثابتا لا يتزلزل.
{وإلى الأرض كيف سطحت}: أي بسطت.
{فذكر}: أي ذكرهم بنعم الله ودلائل توحيده.
{بمسيطر}: أي بمسلط.

.معنى الآيات:

قوله تعالى: {أفلا ينظرون} أي أينكرون البعث والجزاء وما أعد الله لأوليائه من النعيم المقيم وما أعد لأعدائه من عذاب الجحيم. أفلا ينظرون نظرة اعتبار إلى الإِبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت فهل خلق الإِبل على تلك الصورة العجيبة وذاك التسخير لها وما فيها من منافع إذ يشرب لبنها ويركب ظهرها ويؤكل لحمها لا يدل على قدرة الخالق على إحياء الموتى وهل خلق السماء بكواكبها وشمسها وقمرها ثم رفعها بغير عمد يدعمها ولا سند يسندها لا يدل على قدرة الله على بعث الموتى أحياء ليحاسبهم ويجزيهم، وهل نصب الجبال بعد خلق ترابها وغيجاد صخورها لا يدل على قدرة الله خالقها على بعث الرمم وإحياء الأجساد البالية كيف شاء ومتى شاء وهل خلق الرض بكل ما فيها ثم بسطها وتسطيحها للحياة عليها والسير فوقها وتعميرها بأنواع العمران لا يدل على قدرة الله على البعث والجزاء. فما للقوم لا ينظرون ولا يفكرون وقوله تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} بعد لفت أنظار المشركين إلى ما لو نظروا إليه وتفكروا فيه لاهتدوا إلى الحق وعرفوا أن الخالق لكل شيء لا يعجزه بعث عباده ولا جزاؤهم. أمر رسوله أن يقوم بالمهمة التي أنيطت به وهي التذكير دون الهداية التي هي لله وحده دون سواه فقال له {فذكر إنما أنت مذكر} أي ذكر بمظاهر قدرتنا وآياتنا في الافاق وآلائنا على العباد إنما أنت مذكر ليس غير. وقوله: {لست عليهم بمسيطر} أي بمتسلط تجبرهم على الإِيمان والاستقامة وقوله: {إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر} أي لكن من تولى عن الإِيمان فكفر بآياتنا ورسولنا ولقائنا فيعذبه الله العذاب الأكبر وهو عذاب الآخرة. وقوله تعالى: {إن إلينا إيابهم} أي رجوعهم إلينا لا إلى غيرنا. {ثم إن علينا} لا على غيرنا {حسابهم} ومن ثم سوف نجزيهم الجزاء اللائق بهم، ولذا فلا يضرك يا رسولنا إعراضهم ولا توليهم. وحسبك تذكيرهم فمن اهتدى نجا ونجاته لنفسه، ومن ضل فإِنما يضل عليها إذ عاقبة ضلاله وهي الخسران التام عائدة عليه.

.من هداية الآيات:

1- تقرير البعث والجزاء بالدعوى إلى النظر إلى الأدلة الموجبة للإِيمان به.
2- بيان أن الداعي إلى الله تعالى مهمته الدعوة دون هداية القلوب فإِنها إلى الله تعالى وحده.
3- بيان أن مصير البشرية إلى الله تعالى وهي حال تقتضي الإِيمان به تعالى وطاعته طلبا للنجاة من عذابه والفوز برحمته. وهو مطلب كل عاقل لو أن الناس يفكرون.

.سورة الفجر:

.تفسير الآيات (1- 14):

{وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)}

.شرح الكلمات:

{والفجر}: أي فجر كل يوم.
{وليال عشر}: أي عشر ذي الحجة.
{والشفع والوتر}: أي الزوج والفرد.
{والليل إذا يسر}: أي مقبلا أو مدبراً.
{لذي حجر}: أي حجى وعقل.
{بعاد إرم}: هي عاد الأولى.
{ذات العماد}: إذ كان طول الرجل منهم اثنى عشر ذراعاً.
{جابوا الصخر بالواد}: أي قطعوا الصخر جعلوا من الصخور بيوتا بوادي القرى.
{ذي الأوتاد}: أي صاحب الأوتاد وهي أربعة أوتاد يشدُّ إليها يدي ورجلي من يعذبه.
{طغوا في البلاد}: أي تجبروا فيها وظلموا العباد وأكثروا فيها الفساد.
{فأكثروا فيها الفساد}: أي الشرك والقتل.
{سوط عذاب}: أي نوع عذاب.
{لبالمرصاد}: أي يرصد أعمال العباد ليجزيهم عليها.

.معنى الآيات:

قوله تعالى: {والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر} هذه اربعة أشياء قد اقسم الله تعالى بها وهي الفجر وفي كل يوم فجر وجائز أن يكون قد اراد تعالى فجر يوم معين وجائز أن يريد فجر كل يوم {وليال عشر} وهي العشر الأول من شهر ذي الحجة وفيها عرفة والأضحى وقد اشاد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله تعالى من عشر ذي الحجة والشفع وهو كل زوج والوتر وهو كل فرد» فهو إقسام بالخلق كله {والليل إذا يسر} مقبلاً أو مدبراً فهو بمعنى والليل إذا سار والسير يكون صاحبه ذاهباً أو آبيا وقوله تعالى: {هل في ذلك قسم لذي حجر} أي لذي حجر ولب وعقل أي نعم فيه قسم عظيم وجواب القسم أو المقسم عليه جائز أن يكون قوله تعالى: {إن ربك لبالمرصاد} الآتي، وجائز أن يكون مقدراً مثل لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير، وهذا لأن السورة مكية وهي تعالج العقيدة ومن أكبر ما أنكره المشركون البعث والجزاء فلذا هذا الجواب مراد ومقصود. ويدل عليه ما ذكر تعالى من مظاهر قدرته في الايات بعد والقدرة هي التي يتأتّى بها البعث والجزاء فقال عز وجل: {ألم تر كيف فعل ربك} أي ألم تنظر بعيني قلبك كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وهي عاد الأولى قوم هود الذين قالوا من اشد منا قوة، وقال لهم نبيهم هود وزادكم في الخلق بسطة فقد كان طول الرجل منهم اثنى عشر ذراعا، ولفظ إرم عطف بيان لعاد فإِرم هي عاد قوم هود ووصفها بأنها ذات عماد وأنها لم يخلق مثلها في البلاد هو وصف لها بالقوة والشدة وفعلا كانوا أقوى الأمم واشدها ولازم طول الأجسام أن تكون أعمدة المنازل كأعمدة الخيام من الطول ما يناسب سكانها في طولهم. ومع هذه القوة والشدة فقد أهلكهم الله الذي هو اشد منهم قوة وقوله تعالى: {وثمود الذين جابوا الصخر بالواد}.
أي وانظر كيف فعل ربك بثمود وهم اصحاب الحجر (مدائن صالح) شمال المدينة النبوية قوم صالح الذين كانوا أقوياء أشداء حتى إنهم قطعوا الصخور نحتاً لها فجعلوا منها البيوت والمنازل كما قال تعالى عنهم {وتنحتون الجبال بيوتاً} والمراد بالواد واديهم الذي كان بين جبلين من جبالهم التي ينحتون منها البيوت.
فمعنى جابوا الصخر بالواد أي قطعوا الصخور بواديهم وجعلوا منها مساكن لهم تقيهم برد الشتاء القارص وحر الصيف اللافح، ومع هذا فقد أهلكهم الله ذو القوة المتين وقوله: {وفرعون ذي الأوتاد الذي طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد} وانظر يا رسولنا كيف فعل ربك بفرعون صاحب المشانق والقتل والتعذيب إذ كان له أربعة أوتاد إذا أراد قتل من كفر به وخرج عن طاعته قيد كل يد بوتد وكل رجل بوتد ويقتله كما هي المشانق التي وصعها الطغاة الظلمة فيما بعد. وقوله تعالى: {الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد} وهو الشرك والمعاصي فأهلكهم الله أجمعين عاد إرم وثمود وفرعون وملأه إذ صب عليهمربك سوط عذاب أي نوع عذاب من أنواع عذابه فأهلك عاد غرم بالريح الصرصر، وثمود بالصيحة العاتية، وفرعون بالغرق في البحر. وقوله تعالى: {إن ربك لبالمرصاد} أي لكل جبارعات وطاغية ظالم أي هو تعالى يرصد أعمال العباد ليجزيهم بها في الدينا وفي الآخرة. ولفظ المرصاد يطلق على مكان يرصد فيه تحركات الصيد الذي يصاد، أو تحركات العدو وهو كبرج المراقبة. والرب تبارك وتعالى فوق عرشه والخليقة كلها تحته يعلم ظواهرها وبواطنها ويراقب أعمالها ويجزيها بحسبها قال تعالى: {وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون}

.من هداية الآيات:

1- فضل الليالي العشر من أول ذي الحجة إلى العاشر منه.
2- بيان مظاهر قدرة الله في إهلاك الأمم العاتية والشعوب الظالمة مستلزم لقدرته تعالى على البعث والجزاء والتوحيد والنبوة وهو ما أنكره أهل مكة.
3- التحذير من عذاب الله ونقمه فإِنه تعالى بالمرصاد فليحذر المنحرفون عن سبيل الله والحاكمون بغير شرعه والعاملون بغير هداه أن يصب عليهم سوط عذاب.

.تفسير الآيات (15- 20):

{فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)}

.شرح الكلمات:

{فأما الإِنسان}: أي الكافر المشرك.
{ابتلاه}: أي اختبره.
{وأكرمه ونعمه}: أي بالمال والجاه ونعَّمه بالخيرات.
{أكرمن}: أي فضلني لمالي من مزايا على غيري.
{فقدر عليه رزقه}: أي ضيقه ولم يوسعه عليه.
{أهانن}: أي أذلني بالفقر ولم يشكر الله على ما وهبه من سلامة جوارحه والعافية في جسمه.
{كلا}: أي ليس الأمر كما يرى هذا الكافر ويعتقد ويقول.
{التراث}: أي الميراث.
{أكلا لما}: أي أكلاً كثيرا ولمَّاً شديداً إذ يلمون نصيب النساء والأطفال لما لهم فلا يورثونهم من التركة.
{حبا جما}: أي حبا شديداً كثيراً.

.معنى الآيات:

قوله تعالى: {فأما الإِنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن} لقد تقدم قول الله تعالى: {إن ربك لبالمرصاد} وهو دال على أن الله تعالى يحب من عبده أن يعبده ويشكره ليكرمه في دار طرامته يوم لقائه، وإِعلام الله تعالى عباده بأنه بالمرصاد يراقب أعمالهم دلالته على أنه يخوفهم من معاصيه ويرغبهم في طاعته واضحة فتلخص من ذلك أن الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر وأنه يحب لهم الشكر فأما الإِنسان فماذا يحب وماذا يكره قال تعالى عنه فأما الإِنسان وهو المشرك وأكثر الناس مشركون إذا ما ابتلاه ربه أي اختبره فأكرمه بالمال والولد والجاه ونعمه بالأرزاق والخيرات لينظر الله هل يشكر أو يكفر فيقول مفاخراً ربي أكرمن أي فضلني على غيري لما لي من فضائل ومزايا لم تكن لهؤلاء الفقراء وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن أي وأما إذا ما اختبره وضيق عليه رزقه لينظر تعالى هل يصبر العبد المختبر أو يجزع فيقول ربي أهانن أي أذلني فأفقرني.
وقوله تعالى: {كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما} أي ألا فارتدعوا أيها الماديون الذين تقيسون الأمور كلها بمقاييس المادة فالله جل جلاله يوسع الرزق اختبارا للعبد هل يشكر نعم الله عليه فيذكرها ويشكرها بالإِيمان والطاعة ويضيّق الرزق امتحانا هل يصبر العبد لقضاء ربه أو يجزع. وإنما أنتم أيها الماديون ترون أن في التوسعة اكراما وفي التضييق إهانة كلا ليس الأمر كذلك، ونظريتكم المادية هذه أتتكم من حبّكم الدنيا واغتراركم بها ويشهد بذلك إهانتكم لليتامى وعدم إكرامكم لهم لضعفهم وعجزهم أمامكم، وعدم الاستفادة المادية منهم. وشاهد آخر أنكم لا تحضون أنفسكم ولا غيركم على إطعام المساكين وهم جياع أمامكم، وآخر أنكم تأكلون التراث أي الميراث أكلا لما شديدا تجمعون مال الورثة من الأطفال والنساء إلى أموالكم. وتحرمون الضعيفين الأطفال والنساء. وآخر وتحبون المال حبا جما أي قويا شديدا. كلا ألا ارتدعوا واخرجوا من دائرة هذه النظرية المادية قبل حلول العذاب، ونزول ما تكرهون. فآمنوا بالله ورسوله.

.من هداية الآيات:

1- النظرية المادية لم تكن حديثة عهد إذ عرفها الماديون في مكة من مشركي قريش قبل أربعة عشر قرنا.
2- وجوب إكرام اليتامى والحض على إطعام الجياع من فقراء ومساكين.
3- وجوب اعطاء المواريث لمستحقيها ذكورا أو اناثا صغاراً أو كباراً.
4- التنديد بحب المال الذي يحمل على منع الحقوق، ويزن الأمور بميزانه قوة وضعفا.

.تفسير الآيات (21- 30):

{كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)}

.شرح الكلمات:

{إذا دكت الأرض دكا}: أي حركت حركة شديدة وزلزلت زلزالا قويا فلم يبق عليها شاخص البتة.
{والملك صفا صفا}: أي والملائكة أي صفا بعد صف.
{وجيء يومئذ بجهنم}: أي تجر بسبعين ألف زمام كل زمام بأيدي سبعين الف ملك.
{يتذكر الإِنسان}: أي الكافر ما قالت له الرسل من وعد الله ووعيده، يوم لقائه.
{وأنى له الذكر}: أي لا تنفعه في هذا اليوم الذكرى.
{قدمت لحياتي}: أي هذه الإِيمان وصالح الأعمال.
{لا يعذب عذابه أحد}: أي لا يعذب مثل عذاب الله أحد أي في قوته وشدته.
{ولا يوثق وثاقه أحد}: أي ولا يوثق أحد مثل وثاق الله عز وجل.
{يا أيتها النفس المطمئنة}: أي المؤمنة الآمنة من العذاب لما لاح لها من بشائر النجاة.
{ارجعي إلى ربك}: أي إلى جواره في دار كرامته أي الجنة.
{فادخلي في عبادي}: أي في جملة عبادي المؤمنين المتقين.
{وادخلي جنتي}: أي دار كرامتي لأوليائي.

.معنى الآيات:

قوله تعالى: {إذا دكت الأرض دكا دكا} هو كقوله: {وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت} {وجاء ربك} أي لفصل القضاء {والملك صفا صفاً} بعد صف، {وجيء يومئذ بجهنم} تجر بسبعين الف زمام كل زمام بأيدي سبعين ألف ملك، هنا وفي هذا اليوم وفي هذه الساعة {يتذكر الإِنسان} المهمل المفرط المعرض عن دعوة الرسل، الكافر بلقاء الله والجزاء على الأعمال {وأنَّى له الذكرى} هنا يتذكر وما يتذكر؟، وكفره كان عريضاً وشره كان مستطيراً، ماذا يتذكر وهل تنفعه الذكرى، اللهم لا، لا وماذا عساه أن يقول في هذا الموقف الرهيب يقول نادما متحسراً {يا ليتني قدمت لحياتي} أي هذه الحياة الماثلة بين يديه، وهل ينفعه التمني اللهم لا، لا.
قال تعالى مخبرا عن شدة العذاب وقوة الوثاق {فيومئذ} أن تقوم القيامة ويجيء الربّ لفصل القضاء ويجاء بجهنم ويتذكر الإِنسان ويأسف ويتحسر في هذا اليوم يقضي الله تعالى بعذاب أهل الكفر والشرك والفجور والفسوق فيعذبون ويوثقون بأمر الله وقضائه في السلاسل ويغلون في الأغلال ويذوقون العذاب والنكال الأمر الذي ما عرفه الناس في الدنيا أيام كانوا يعذبون المؤمنين ويوثقونهم في الحبال وهو ما أشار إليه بقوله: {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد} أي لا يعذب عذاب أحد في الدنيا مهما بالغ في التعذيب عذاب الله في الآخرة {ولا يوثق وثاقه أحد} أي لا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله في الآخرة هذه صورة من عذاب الله لأعدائه من أهل الشرك به والكفر بآياته وروله ولقائه وأما أهل الإيمان به وطاعته وهم أولياؤه الذي آمنوا في الدنيا وكانوا يتقون فها هم ينادون فاستمع {يا ايتها النفس المطمئنة} إلى صادق وعد الله ووعيده في كتابه وعلى لسان رسوله فآمنت واتقت وتخلت عن الشرك والشر فكانت مطمئنة وذكر الله قريرة العين بحب الله ورسوله، وما وعدها الرحمن {ارجعي إلى ربك} أي غلى جواره في دار كرامته حال كونك {راضية} ثواب الله لك مرضيا عنك من قبل مولاك {فادخلي في عبادي} أي في جملة عبادي الصالحين {وادخلي جنتي} فيقال لها هذا عندما يرسل الله الأرواح إلى الأجساد يوم المعاد، فإِذا دخلت تلقتها الملائكة بالسلام وتساق إلى ساحة العرض وتعطى كتابها بيمينها وثم يقال لها ادخلي في عبادي أي في جملتهم وادخلي جنتي بعد مرورها على الصراط اللهم اجعل نفسي مثل تلك النفس المطمئنة بالإِيمان وذكر الله ووعد الرحمن وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.

.من هداية الآيات:

1- تقرير المعاد بعرض شبه تفصيلي ليوم القيامة.
2- بيان اشتداد حسرة المفرطين اليوم في طاعة الله تعالى وطاعة رسوله يوم القيامة.
3- بشرى النفس المطمئنة بالإِيمان وذكر الله ووعده ووعيده، عند الموت وعند القيام من القبر وعند تطاير الصحف.

.سورة البلد:

.تفسير الآيات (1- 10):

{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)}

.شرح الكلمات:

{لا أقسم بهذا البلد}: أي مكة.
{وأنت حل بهذا البلد}: أي وأنت يا نبيّ الله محمد حلال بمكة.
{ووالد وما ولد}: أي وآدم وذريته.
{في كبد}: أي في نصب وشدة يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة.
{ايحسب أن لن يقدر}: أي أيظن وهو أبو الأشدين بن كلدة وكان قويا شديدا.
{أهلكت مالا لبدا}: يقول هذا مفاخرا بعداوة الرسول وأنه أنفق فيها مالا كثيرا.
{أيحسب أن لم يره أحد}: أي ايظن أنه لم يره أحد؟ بل الله رآه وعلم ما أنفقه.
{وهديناه النجدين}: أي بيّنا له طريق الخير وطريق الشر بما فطرناه عليه من ذلك وبما أرسلنا به رسلنا وأنزلنا به كتبنا.

.معنى الآيات:

قوله تعالى: {لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد} هذا قسم لله تعالى اقسم فيه بمكة بلده الأمين والرسول بها وهو حلّ يقاتل ويقتل فيها وذلك يوم الفتح الموعود. وقد قتل صلى الله عليه وسلم يومها ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة وأقسم بوالد وما ولد فالوالد آدم وما ولد ذريته منهم الأنبياء والأولياء وجواب القسم أو المقسم عيله قوله: {لقد خلقنا الإِنسان في كبد} أي في نصب وتعب لا يفارقانه منذ تخلقه في بطن أمه إلى وفاته بانقضاء عمره ثم يكابد شدائد الآخرة ثم إما إلى نعيم لا نصب معه ولا تعب، وإما إلى جحيم لا يفارقه ما هو أشد من النصب والتعب عذاب الجحيم هكذا شاء الله وهو العليم الحكيم. وفي هذا الخبر الإِلهي المؤكد بأجل قسم على أن الإِنسان محاط منذ نشأته غلى نهاية أمره بالنصب والتعب ترويح على نفوس المؤمنين بمكة وهم يعانون من الحاجة والاضطهاد والتعذيب أحيانا من طغاة قريش لاسيما المستضعفين كياسر وولده عمار وبلال وصهيب وخبيب، وحتى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فهو لم يسلم من أذى المشركين فإِذا عرفوا طبيعة الحياة وأن السعادة فيها أن يعلم المرء أن لا سعادة بها هان عليهم الأمر وقل قلقهم وخفت آلامهم. كما هو تنبيه للطغاة وإعلام لهم بما هم عنه غافلون لعلهم يصحون من سكرتهم بحب الدنيا وما فيها وقوله عز وجل: {أيحسب} الإِنسان {أن لم يره أحد} هذا الإِنسان الذي قيل أنه ابو الأشدّيْن الذي أنفق ماله في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم والإِسلام ويتبجّج بذلك ويقول {أهلكت مالا لبدا} كثيرا بعضه فوق بعض بلى إن الله تعالى قد رآه وعلم به وعَلِم القدر الذي أنفقه وسوف يحساب عليه ويجزيه به، ولن ينجيه اعتقاده الفاسد أنه لا بعث ولا جزاء قال تعالى مقررا له بقدرته ونعيمه عليه {ألم نجعل عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين} أي أعطيناه عينين يبصر بهما ولسانا ينطق به ويفصح عن مراده وزيناه بشفتين يستر بهما فمه وأسنانه ثم هديناه النجدين أي بيّنا له طريق الخير والشر والسعادة والشقاء بما أودعنا في فطرته وبما أرسلنا به رسلنا وأنزلنا به كتبنا أنسي هذا كله وتعامى عنه ثم هو ينفق ما أعطيناه في حرب رسولنا وديننا.

.من هداية الآيات:

1- شرف مكة وحرمتها وعلو شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وسمو مقامه وهو فيها وقد أحلها الله تعالى له ولم يحلها لأحد سواه.
2- شرف آدم وذريته الصالحين منهم.
3- اعلان حقيقة وهي أن الإِنسان لا يبرح يعاني من أتعاب الحياة حتى الممات ثم يستقبل شدئاد الآخرة إلى أن يقر قراره وينتهي تطوافه باستقراره في الجنة حيث يستريح نهائيا، أو في النار فيعذب ويتعب أبدا.