فصل: شرح الكلمات:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.تفسير الآيات (20- 27):

{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)}

.شرح الكلمات:

{وجاء رجلٌ}: أي جاء حبيب بن النجار صاحب يس.
{من أقصى المدينة}: أي من أقصا دور المدينة وهي أنطاكيا العاصمة.
{يسعى}: أي يشتد مسرعاً لما بلغه أن أهل البلد عزموا على قتل رسل عيسى الثلاثة.
{قال يا قوم اتبعوا المرسلين}: أي رسل عيسى عليه السلام.
{اتبعوا من لا يسألكم أجراً}: اتبعوا من لا يطلبكم أجراً على إبلاغ دعوة الحق.
{وهم مهتدون}: أي الرسل إنهم علي هداية من ربهم ما هم بكذابين.
{فطرني}: أي خلقني.
{إن يردن الرحمن بضر}: أي بمرض ونحوه.
{ولا ينقذون}: أي مما أراد الله لي من ضر في جسمي وغيره.
{إنى إذاً لفي ضلال مبين}: أي إني إذا اتخذت من دون الله آلهة أعبدها لفى ضلال مبين.
{إني آمنت بربكم فاسمعون}: أي صارح قومه بهذا القول وقتلوه.
{قيل ادخل الجنة}: قالت له الملائكة عند الموت ادخل الجنة.
{يا ليت قومي يعلمون}: قال هذا لما شاهد مقعه في الجنة.
{بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين}: وهو الإِيمان والتوحيد والصبر على ذلك.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في مَثَلِ أصحاب القرية إنه بعد أن تعزز موقف الرسل الثلاة وأعطاهم الله من الكرامات ما أبرأوا به المرضى بل وأحيوا الموتى بإذن الله وأصبح لهم أتباع مؤمنون غضب رؤساء البلاد وأرادوا أن يبطشوا بالرسل، وبلغ ذلك حبيب بن النجار وكان شيخاً مؤمناً موحداً يسكن في طرف المدينة الأقصى فجاء يشتد سعيا على قدميه فأمر ونهى وصارح القوم بإيمانه وتوحيده فقتلوه رفْساً بأرجلهم قال تعالى: {وجاء من أقصى المدينة}- أنطاكية- {رجل يسعى} أي يمشى بسرعة لما بلغه أن أهل البلاد قد عزموا على قتل الرسل الثلاثة وما إن وصل إلى الجماهير الهائجة حتى قال بأعلى صوته: {يا قوم اتبعوا المرسلين} وسأل الرسل هل طلبتم على إبلاغكم دعوة عيسى أجراً قالوا لا. فقال: {اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون} فاتبعوهم تهتدوا بهدايتهم. وقال له القوم وأنت تعبد الله مثلهم ولا تعبد آلهتنا؟ فقال: {وما لى لا أعبد الذي فطرني} أي وأي شيء يجعلني لا أعبده وهو خلقني {وإليه ترجعون} أي بعد موتكم فيحاسبكم ويجزيكم بعملكم. ثم اغتنم الفرصة ليدعو إلى ربّه فقال مستفهماً {أأتخذ من دونه آلهة} أي أصناماً وأوثاناً لا تسمع ولا تبصر {إن يُرِدن الرحمن بضرٍّ لا تغن عني شفاعتهم شيئاً} وإن قل ولا ينقذون مما أراده بي من ضر ونحوه {إني إذاُ لفي ضلال مبين} أي إني إذا أنا عبدت هذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر لفي ضلال مبين واضح لا يحتاج غلى دليل عليه. ورفع صوته مبلغاً {إني آمنت بربكم} أي بخالقكم ورازقكم ومالك أمركم دون هذه الأصنام والأوثان {فاسمعون} وهنا وثبوا عليه فقتلوه.
ولما قيل له ادخل الجنة ورأى نعيمها ذكر قومه ناصحاً لهم فقال: {يا ليت قومي يعلمون} {بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} أي يعلمون بما غفر له وجعله من المكرمين وهو الإِيمان والتوحيد حتي يؤمنوا يوحدوا فنصح قومه حيّاً وميتاً وهذا شأن المسلم الحسن الإِسلام والمؤمن الصادق الإِيمان ينصح ولا يغش ويرشد ولا يضل ومهما قالوا له وفيه ومهما عاملوه به من شدة وقسوة حتى الموت قتلاً.

.من هداية الآيات:

1- بيان كرامة حبيب بن النجار الذي نصح قومه حياً وميتاً.
2- بيان ما يلاقي دعة التوحيد والدين الحق في كل زمان ومكان من شدائد وأهوال.
3- وجوب إبلاغ دعوة الحق والتنديد بالشرك ومهما كان العذاب قاسياً.
4- بشرى المؤمن عند الموت لاسيما الشهيد فإنه يرى الجنة رأي العين.

.تفسير الآيات (28- 32):

{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32)}

.شرح الكلمات:

{وما أنزلنا على قومه}: أي على قوم حبيب بن النجار وهم أهل أنطاكية.
{من بعده}: أي من بعد موته.
{من جند من السماء}: أي من الملائكة لإهلاكهم.
{وما كنا منزلين}: أي الملائكة لإِهلاك الأمم التي استوجبت الهلاك.
{إن كانت إلا صيحة واحدة}: أي ما هي إلا صيحة واحدة هي صيحة جبريل عليه السلام.
{فإذا هم خامدون}: أي ساكتون لا حراك لهم ميتون.
{يا حسرة على العباد}: أي يا حسرة العباد هذا أوان حضورك فاحضرى وهذا غاية التألم. والعباد هم المكذبون للرسل الكافرون بتوحيد الله.
{ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون}: هذا سبب التحسُّر عليهم.
{ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون}: أي ألم ير أهل مكة المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم.
{وإن كل لما جميع لدينا محضرون}: أي وإن كل الخلائق إلا لدينا محضرون يوم القيامة لحسابهم ومجازاتهم.

.معنى الآيات:

قوله تعالى: {وما أنزلنا على قومه} أي قوم حبيب بن النجار {من بعده} أي بعد موته {من جند من السماء} للانتقام من قومه الذين قتلوه لأنه أنكر عليهم الشرك ودعاهم إلى التوحيد وما كُنا منزلين إذ لا حاجة تدعو إلى ذلك. إن كانت إلا صيحة واحدة من جبريل عليه السلام فإذا هم خامدون أي هلكى ساكنون ميتون لا حراك لهم ولا حياة فيهم وقوله تعالى: {يا حسرة على العباد} أي يا حسرة العباد على أنفسهم احضري ايتها الحسرة هذا أوان حضورك {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} هذا موجب الحسرة ومقتضيها وهو استهزاؤهم بالرسل. وقوله تعالى: {ألم يروا} أي أهل مكة {كم أهلكنا قبلهم من القرون} أي الم يعلموا القرون الكثيرة التي أهلكناها قبلهم كقوم نوح وعاد وثمود واصحاب مدين، {أنهم إليهم لا يرجعون} فيكون هذا هادياً لهم واعظاً فيؤمنوا ويوحدوا فينجوا من العذاب ويسعدوا. وقوله تعالى: {وإن كلٌ} أي من الأمم الهالكة وغيرها من سائر العباد {لما جميع لدينا محضرون} أي إلا لدينا محضرون لفصل القضاء يوم القيامة فينجو المؤمنون ويهلك الكافرون.

.من هداية الآيات:

1- مظاهر قدرة الله تعالى في إهلاك أهل أنطاكية بصيحة واحدة.
2- إبداء التحسر على العباد من أنفسهم إذ هم الظالمون المكذبون فالحسرة منهم وعليهم.
3- حرمة التسهزاء بما هو من حرمات الله تعالى التي يجب تعظيمها.
4- طلب العبرة من أخبار الماضين وأحوالهم، والعاقل من اعتبر بغيره.
5- تقرير المعاد والحساب والجزاء.

.تفسير الآيات (33- 36):

{وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36)}

.شرح الكلمات:

{وآية لهم الأرض الميتة}: أي على صحة البعث ووجوده لا محالة.
{أحييناها}: بإِنزال المطر عليها فأصبحت حيّة بالنبات والزروع.
{وجعلنا فيها جنات}: أي بساتين.
{وما عملته أيديهم}: أي لم تصنعه أيديهم وإنما هو صنع الله وخلقه.
{أفا يشكرون}: أي أفيرون هذه النعم ولا يشكرونها إنه موقف مخز منهم.
{سبحان الذي خلق الأزواج كلها}: أي تنزيها وتقديسا لله الذي خلق الصناف كلها.
{من أنفسهم}: أي الذكور والإِناث.
{ومما لا يعلمون}: من المخلوقات كالتي في السموات وتحت الأرضين.

.معنى الآيات:

لما تقدم في الآيات قبل هذه تقرير عقيدة البعث والجزاء في قوله وإن كلٌ لما جيمع لدينا محضرون ذكر هنا الدليل العقلي على صحة إمكان البعث فقال: {وآية لهم} أي على صحة البعث الأرض الميتة التي أصابها المحل فلا نبات فيها ولا زرع أحييناها بالمطر فأنبتت من كل زوج بهيج فهذه آية أي علامة كبرى وحجة واضحة على إمكان البعث إذ الخليفة تموت ولم يبق إلا الله تعالى {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإِكرام} ثم ينزل الله تعالى ماء من تحت العرش فتحيا البشرية على طريقة الأرض الميتة ينزل عليها المطر فتحيا بالنبات. وهذه المرة تحيا بالبشر إذ يُركب خلقهم من عظم يقال له عجب الذنب هو في بطن الأرض لا يتحلل ومنه يركب الخلق كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح. هذا معنى قوله تعالى في الاستدلال على البعث {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً} أي حبّ البُر فمنه أي من ذلك يأكلون الخبز. وقوله: {وجعلنا فيها} أي في الأرض الميتة جنات أي بساتين من نخيل وأعناب، وفجرنا فيها من العيون أي عيون الماء، هذه مظاهر القدرة والعلم الإِلهي وكلها تشهد بصحة البعث وإمكانه وأن الله تعالى قادر عليه وعلى مثله. وقوله تعالى: {لياكلوا من ثمره} أي من ثمر المذكور من النخل والعنب وغيره. وقوله: {وما عملته أيديهم} أي لم تخلقه ولم تكونه ايديهم بل يد الله هي التي خلقته افلا يشكرون يوبخهم على عدم شكره تعالى على ما أنعم به عليهم من نعمة الغذاء. وقوله تعالى: {سبحان الذي خلق الأزواج كلها} أي تنزيها وتقديساً لله الذي خلق الأزواج كلها {مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} يقدس تعالى نفسه وينزهها عن العجز عن إعادة الخلق ويُذكر بآيات القدرة والعلم وهي نظام الزوجية إذ كل المخلوقات أزواج أي أصناف من ذكر وأنثى فالنباتات على سائر اختلافها ذكر وأنثى والناس كذلك وما هو غائب عنا في السموات وفي بطن الأرض أزواج كذلك ولا وِتْرَ أي لا فرد إلا الله تعالى فقد تنزه عن صفات الخلائق، ومنها كان للحياة الدنيا نوع آخر هو لها كالزوج وهي الحياة الآخرة فهذا دليل عقلي من أقوى الأدلة على الحياة الثانية.

.من هداية الآيات:

1- تقرير عقيدة البعث والجزاء التي هي القوة الدافعة للإِنسان على فعل الخيرات وترك الشرور والمنكرات.
2- دليل نظام الزوجيّة وهو آية على أن القرآن وخي الله وكلامه إذ قرر القرآن نظام الزوجية قبل معرفة الناس لهذا النظام في الذرة وغيرها في القرن العشرين.
3- وجوب شكر الله تعالى بالإِيمان وبطاعته وطاعة رسوله على نعمه ومنها نعمة الإِيجاد ونعمة الإِمداد أي بالغذاء والماء والهواء.

.تفسير الآيات (37- 40):

{وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)}

.شرح الكلمات:

{وآية لهم الليل نسلخ منه النهار}: وآية لهم على إمكان البعث الليل نسلخ منه النهار أي نزيل والنهار عن الليل فإِذا هم مظلمون.
{لمستقر لها}: أي مكان لها لا تتجاوزه.
{ذلك تقدير العزيز العليم}: أي جريها في فلكها تقدير أي تقنين العزيز في ملكه العليم بكل خلقه.
{والقمر قدرناه منازل}: وآية أخرى هي تقدير منازل القمر التي هي ثمان وعشرون منزلة.
{حتى عاد كالعرجون القديم}: أي حتى رجع عكود العذق الذي أصله في النخلة وآخره في الشماريخ وهو أصفر دقيق مقوس كالقمر لما يكون في آخر الشهر.
{لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر}: أي لا يصح للشمس ولا يسهل عليها أن تدرك القمر فيجتمعان في الليل.
{ولا الليل سابق النهار}: أي بأن يأتي قبل انقضائه.
{وكل في فلك يسبحون}: أي كل من الشمس والقمر والنجوم السيارة في فلك يسبحون أي يسيرون والفلك دائرة مستديرة كفلكه المغزل وهو مجرى النيرين والكواكب السيارة.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في البرهنة على إمكان البعث ووقوعه لا محالة فقال تعالى: {وآية} أي علامة لهم أخرى على قدرة الله على البعث {الليل نسلخ منه النهار} أي نفصل عنه النهار بمعنى نزيله عنه فإِذا هم في الليل مظلمون أي داخلون في ظلام فهذه آية على قدرة الله على البعث وقوله: {والشمس تجري لمستقر لها} أي تجري في فلكها منه تبتدئ سيرها وغليه سيرها وذلك مستقرها، ولها مستقر آخر وهو نهاية الحياة الدنيا، وإنها لتسجد كل يوم تحت العرش وتستأذن باستئناف دورانها فيأذن لها كما صح بذلك الخبر عن سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم وكونها تحت العرش فلا غرابة فيه فالكون كله تحت العرش وكونها تستأذن فيؤذن لها لا غرابة فيه إذا كانت النملة تدبر أمر حياتها بإِذن ربّها وتقول وتفكر وتعمل فالشمس أحرى بذلك وأنها تنطق بنطقها الخاص وتستأذن ويؤذن لها وقوله تعالى: {ذلك تقدير العزيز} أي الغالب على مراده العليم بكل خلقه، وتقدير سير الشمس في فلكها بالثانية وتقطع فيه ملايين الأميال أمر عجب ونظام سيرها طوال الحياة فلا يختل بدقيقة ولا يرتفع مستواها شبراً ولا ينخفض شبرا إذ يترتب على ذلك خراب العالم الأرضي كل ذلك لا يقدر عليه غلا الله، اليس المبدع هذا الإِبداع في الخلق والتدبير قادر على إحياء من خلق وأمات؟ بلى، إن الله على كل شيء قدير. وقوله تعالى: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} هذه آية أخرى على إمكان البعث وحتميته والقمر كوكب منير يدور حول الأرض يتنقل في منازله الثمانية والعشرين منزلة بدقة فائقة وحساب دقيق ليعرف بذلك سكان الأرض عدد السنين والحساب إذ لولاه لما عرف يوم ولا اسبوع ولا شهر ولا سنة ولا قرن.
فالقمر يبدأ هلالا صغيرا ويأخذ في الظهور فيكبر بظهوره شيئا فشيئا حتى يصبح في نصف الشهر بدرا كاملا، ثم يأخذ في الأفول والاضمحلال بنظام عجب حتى يصبح في آخر الشهر كالعرجون القديم أي كعود العرجون أصفر دقيق مقوس كل ذلك لفائدة الإِنسان الذي يعيش على سطح هذه الأرض أليس هذا آية كبرى على قدرة الله العزيز العليم على إعادة الحياة لحكمة الحساب والجزاء؟ بلى إنها لآية كبرى فقوله: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} أي لا يسهل على الشمس ولا يصح منها أن تدرك القمر فيذهب نوره بل لكل سيره فلا يلتقيان إلا نادراً في جزء معين من الأفق فيحصل خسوف القمر وكسوف الشمس. وقوله: {ولا الليل سابق النهار} بل كل من الليل والنهار يسير في خط مرسوم لا يتعداه فلذا لا يسبق الليل النهار ولا النهار الليل فلا يختلطان إلا بدخول جزء من هذا في هذا وجزء من ذاك في ذا وهو معنى {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} وقوله: {وكل في فلك يسبحون} أي كل واحد مون الشمس والقمر والكواكب السيارة في فلك يسبحون فلذا لا يقع فيها خلط ولا ارتطام بعضها ببعض إلى نهاية الحياة فيقع ذلك ويخرب الكون.

.من هداية الآيات:

1- إقامة الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على إمكان البعث ووقوعه حتما.
2- ذكر القرآن لأمور الفلك التي لم يعرف عنها الناس اليوم إلا جزء يسير آية عظمى على أنه وحي الله وأن من أوحي إليه هو رسول الله قطعا.
3- ما ذكره القرآن عن الكون العلوي من الوضوح بحيث يعرفه الفلاح والراعي كالعالم المتبحر والأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب وذلك لتقوم الحجة على الناس إن هم لم يؤمنوا بالله ولم يوحدوه في عبادته ويخلصوا له في طاعته وطاعة رسوله.

.تفسير الآيات (41- 46):

{وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46)}

.شرح الكلمات:

{وآية لهم}: أي وعلامة لهم على قدرتنا على البعث.
{أنا حملنا ذريتهم}: أي ذريّات قوم نوح الذين أهلكناهم بالطوفان. نجينا ذريّتهم لأنهم مؤمنون موحدون وأغرقنا آباءهم لأنهم مشركون.
{في الفلك المشحون}: أي في سفينة نوح المملوءة بالأزواج من كل صنف.
{وخلقنا لهم من مثله}: أي من مثل فلك نوح ما يركبون.
{فلا صريخ لهم}: أي مغيث ينجيهم فيكف صراخهم.
{ومتاعا إلى حين}: أي وتمتيعاً لهم بالطعام والشراب إلى نهاية آجالهم.
{اتقوا ما بين أيديكم}: أي من عذاب الدنيا أي بالإِيمان والاستقامة.
{وما خلفكم}: أي من عذاب الآخرة إذا اصررتم على الكفر والتكذيب.
{وما تأتيهم من آية}: أي وما تأتيهم من آية أو من حجة من حجج القرآن وبيّنة من بيناته الدالة على توحيد الله وصدق الرسول إلا كانوا عنها معرضين غير ملتفتين إليها ولا مبالين.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في عرض الآيات الكونيّة للدلالة على البعث والتوحيد والنبوّة فقال تعالى: {وآية لهم} أي أخرى غير ما سبق {أنا حملنا ذريّتهم في الفلك المشحون} أي حملنا ذريّة قوم نوح المؤمنين فأنجيناهم بإِيمانهم وتوحيدهم وأغرقنا المشركين فهي آية واضحة عن رضا الله تعالى عن المؤمنين الموحدين وسخطه على الكافرين المشركين المكذبين إن في هذا الإِنجاء للموحدين والإِغراق للمشركين آية وعبرة لو كان مشركو قريش في مكة يفقهون. وقوله تعالى: {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} وهذه آية أخرى أيضا وهي أن الله أنجى الموحدين في فلك لم يسبق له مثيل ثم خلق لهم مثله ما يركبون إلى يوم القيامة ولو شاء عدم ذلك لما كان لهم فلك إلى يوم القيامة وآية أخرى: {وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم} وهي قدرته تعالى على إغراق ركاب السفن الكافرين وإن فعلنا لم يجدوا صارخا ولا مغيثا يغيثهم وينجيهم من الغرق رإلا رحمة مناؤ اللهم إلا رحمتنا فإنها تنالهم فتنجيهم ليتمتعوا في حياتهم بما كانوا يتمتعون به غلى حين حضور آجالهم المحدودة لهم. وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتقوا ما بين ايديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون} أي وإذا قيل لهؤلاء المكذبين بآيات الله المعرضين عن دينه المشركين به اتقوا ما بين أيديكم من العذاب حيث موجبه قائم وهو كفركم وعنادكم، وما خلفكم من عذاب الآخرة إذ مقتضيه موجود وهو الشرك والتكذيب رجاء أن ترحموا فلا تعذبوا أعرضوا كأنهم لم يسمعوا. وقوله: {وما تأتيهم من آية من آيات} كلام ربهم القرآن الكريم تحمل الحجج والبراهين على صحة ما يدعون إليه من الإِيمان والتوحيد إلا كانوا عنها معرضين تمام الإِعراض كأن قلوبهم قُدت من حجر والعياذ بالله تعالى.

.من هداية الآيات:

1- بيان فضل الله على البشرية في إنجاء ذريّة قوم نوح الكافرين ومنهم كان البشر وإلا لو أغرق الله الجميع المؤمنين الذريّة والكافرين الاباء لم يبق في الأرض أحد.
2- حماية الله تعالى للعباد ورعايته لهم وإلاّ لهلكوا أجميعن ولكن أين شكرهم؟
3- بيان إضرار كفار قيرش وعنادهم الأمر الذي لم يسبق له مثيل.
4- الإِشارة بالمثلية في قوله: {من مثله} إلى تنوع السفن من البوارج والغواصات والطربيدات الحربية.

.تفسير الآيات (47- 54):

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)}

.شرح الكلمات:

{وإذا قيل لهم انفقوا}: أي وإذا قال فقراء المؤمنين في مكة للأغنياء الكافرين انفقوا علينا.
{مما رزقكم الله}: أي من المال.
{أنطعم من لو يشاء الله أطعمه}: أي قالوا للمؤمنين استهزاء بهم أنطعم من لو يشاء الله أطعمه.
{إن أنتم إلا في ضلال مبين}: أي ما أنتم أيها الفقراء إلا في ضلال مبين في اعتقادكم الذي أنتم عليه.
{متى هذا الوعد}: أي البعث الآخر إن كنتم صادقين فيه.
{ما ينظرون إلا صيحة واحدة}: أي ما ينتظرون غلا صيحة واحدة وهي نفخة إسرافيل.
{تأخذهم وهم يخصمون}: أي تأخذهم الصيحة وهم يتخاصمون في البيع والشراء والأكل والشرب إذ تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون.
{فلا يستطيعون توصية}: أي فلا يقدر أحدهم أن يوصي وصيّة.
{ولا إلى أهلهم يرجعون}: بل يهلكون في أماكنهم من الأسواق والمزارع والمصانع أو المقاهي والملاهي.
{فإذا هم من الأجداث}: أي القبور إلى ربهم ينسلون أي يخرجون بسرعة.
{قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا}: أي قال الكفار: من بعثنا من قبورنا؟
{هذا ما وعد الرحمن}: أي هذا ما وعد به الرحمن وصدق المرسلون أي فيما أخبروا به.

.معنى الآيات:

قوله تعالى: {وإذا قيل لهم} أي وإذا قيل لأولئك المشركين المكذبين الملاحدة والقائل هم المؤمنون فقد روي أن أبا بكر الصديق كان يطعم مساكين المسلمين فلقيه أبو جهل فقال يا أبا بكر أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء؟ قال: نعم. قال: فما باله لا يطعمهم؟ قال ابتلى قوماً بالفقر وقوماً بالغنى وأمر الفقراء بالصبر، وأمر الأغنياء بالإِعطاء، فقال أبو جهل، والله يا أبا بكر إن أنت إلا في ضلال مبين. أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء، وهو لا يطعمهم ثم تطعمهم أنت فنزلت هذه الآية وبهذه الرواية اتضح

.معنى الآية الكريمة:

{وإذا قيل لهم} أي للكفار {انفقوا مما رزقكم الله} على المساكين {قال الذين كفروا للذين آمنوا} الآمرين لهم بالإِنفاق {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} قالوا هذا استهزاء وكفروا {إن أنتم} أي ما أنتم أيها المسلمون {إلا في ضلال مبين} أي إلا في ذهاب عن الحق وجور عن الرشد مبين لمن تأمله وتدبّر فيه.
وقوله: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} أي ويقول أولئك الملاحدة المكذبون بالبعث استهزاء واستعجالا: متى هذا الوعد الذي تعدوننا به أيها المسلمون إن كنتم صادقين في دعواكم.
قال تعالى: {ما ينظرون إلا صيحة واحدة} وهي نفخة إسرافيل في الصور وهي نفخة الفناء {تأخذهم وهم يخصمون} أي يختصمون في اسواقهم يبيعون ويشترون، وفي مجالسهم العامة والخاصة إذ تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون قال تعالى: {فلا يستطيعون توصية} يوصى بها أحدهم لابنه أو أخيه، ولا إلى أهلهم أي منازلهم وأزواجهم وأولادهم يرجعون بل يصعقون في أماكنهم.
وقوله تعالى: {ونفخ في الصور} أي صور إسرافيل وهو قرن ويقال له البوق أيضاً نفخة البعث من القبور أحياء فإذا هم من الأجداث جمع جدث وهو القبر ينسلون أي ماشين مسرعين إلى ربهم لفصل القضاء والحكم بينهم فيما اختلفوا فيه في هذه الدنيا من غيمان وكفر وإحسان وغساءة وعدل وظلم. قالوا يا ويلنا أي نادوا ويلهم وهلاكهم لما شاهدوا من أهوال الموقف {من بعثنا من مرقدنا} وأجابهم المؤمنون بقولهم {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} إذ واعدنا الله بلقائه وأخبرتنا الرسل به وبتفاصيله وقوله تعالى: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإِذا هم جميع لدينا محضرون} أي ما هي إلا صيحة واحدة لإِسرافيل فإِذا الكل واقف بين يدي الله تعالى ليحاسب ويجزي قال تعالى: {فاليوم لا تظلم نفس شيئا} أي في هذا اليوم الذي وقفت الخليفة فيه بين يدي ربها لا تظلم نفس شيئاً لا بنقص حسنة من حسناتها ولا بزيادة سيئة على سيئاتها.
ولا تجزون أيها العباد إلا ما كنتم تعملون من خير وشر.

.من هداية الآيات:

1- بيان علو الكافرين وطغيانهم وسخريتهم واستهزائهم، وذلك لظلمة الكفر على قلوبهم.
2- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر مبادئها ونهاياتها.
3- الساعة لا تأتي إلا بغتة.
4- الانقلاب الكوني الذي يحدث لعظمه اختلفت آراء أهل العلم في تحديد النفخات فيه. والظاهر أنها أربع الأولى نفخة الفناء والثانية نفخة البعث والثالثة نفخة الفزع والصعق والرابعة نفخة القيام بين يدي رب العالمين.
5- تقرير العدل الإِلهي يوم الحساب والجزاء ليطمئن كل عامل على أ، ه يجزى بعمله لا غير.