فصل: معنى الآيتين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.تفسير الآيات (20- 23):

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23)}

.شرح الكلمات:

{نعمة الله عليكم}: منها نجاتهم من فرعون وملائه.
{إذ جعل فيكم أنبياء}: منهم موسى وهرون عليهما السلام.
{وجعلكم ملوكاً}: أي مالكين أمر أنفسكم بعد الاستعباد الفرعوني لكم.
{العالمين}: المعاصرين لهم والسابقين لهم.
{المقدسة التي كتب}: المطهرة التي فرض الله عليكم دخولها والسكن فيها بعد طرد الكفار منها.
{ولا ترتدوا على أدباركم}: أي ترجعوا منهزمين إلى الوراء.
{قوماً جبارين}: عظام الأجسام أقوياء الأبدان يجبرون على طاعتهم من شاءوا.
{يخافون}: مخالفة أمر الله تعالى ومعصية رسوله.
{أنعم الله عليهما}: أي بنعمة العصمة حيث لم يفشوا سر ما شاهدوه لما دخلوا أرض الجبارين لكشف أحوال العدو بها، وهما يوشع وكالب من النقباء الاثني عشر.

.معنى الآيات:

ما زال السياق مع أهل الكتب وهو هنا في اليهود خاصة إذ قال الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم واذكر {إذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء} كموسى وهرون علهيما السلام {وجعلكم ملوكاً} تملكون أنفسكم لا سلطان لأمة عليكم إلا سلطان ربكم عز وجل {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} للسَّكَن فيها والاستقرار بها فافتحوا باب المدينة وباغتوا العدو فإنكم تغلبون {ولا ترتدوا على أدباركم} أي ولا ترجعوا إلى الوراء منهزمين فتنقلبوا بذلك خاسرين، لا أمر الله بالجهاد أطعتم، ولا المدينة المقدسة دخلتم وسكنتم، واسمع يا رسولنا جواب القوم ليزول استعظامك بكفرهم بك وهمهم بقتلك، ولتعلم أنهم قوم بهت سفلة لا خير فيهم، إذ قالوا في جوابهم لنبيهم موسى عليه السلام: {يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون}!! وكان سبب هذه الهزيمة الروحية ما أذاعه النقباء من أخبرا مهيلة مخيفة تصف العمالقة الكنعانيين بصفات لا تكاد تتصور في العقول اللهم إلا اثنين منهم وهما يوشع بن نون، وكالب بن يوحنا وهما اللذان قال تعالى عنهما: {قال رجلان من الذين يخافون} أي أمر الله تعالى {أنعم الله عليهما} فعصمهما من إفشاء سر ما رأو من قوة الكنعانيين إلا لموسى عليه السلام قالا للقوم {ادخلةا عليهم الباب} أي باب المدينة {فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} وذلك لعنصر المباغتة وهو عنصر مهم في الحروب، {وعلى الله فتوكلوا} وهاجموا القوم واقتحموا عليهم المدينة {إن كنتم مؤمنين} بما أوجب الله عليكم من جهاد وكتب لكم من الاستقرار بهذه البلاد والعيش بها، لأنها أرض القدس والطهر. هذا ما تضمنته الآيات الأربع، وسنسمع رد اليهود على الرجلين في الآيات التالية.

.من هداية الآيات:

1- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بإعلامه تعالى بخبث اليهود وشدة ضعفهم ومرض قلوبهم.
2- فضح اليهود بكشف الآيات عن مخازيهم مع أنبيائهم.
3- بيان الأثر السيء الذي تركه إذاعة النقباء للأخبار الكاذبة المهولة، وقد استعملت ألمانيا النازية هذا الأسلوب ونجحت نجاحاً كبيراً حيث اجتاحت نصف أوربا في مدة قصيرة جداً.
4- بيان سنة الله تعالى من أنه لا يخلوا زمان ولا مكان من عبد صالح تقوم به الحجة على الناس.
5- فائدة عنصر المباغتة في الحرب وأنه عنصر فعال في كسب الانتصار.

.تفسير الآيات (24- 26):

{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)}

.شرح الكلمات:

{لن ندخلها}: أي المدينة التي أمروا بمهاجمة أهلها والدخول عليهم فيها.
{الفاسقين}: أي عن أمر الله ورسوله بتركهم الجهاد جبناً وخوفاً.
{محرمة عليهم}: أي تحريماً كونيا قضائياً لا شرعياً تعبدياً.
{يتيهون في الأرض}: أي في أرض سينا متحيرين فيها لا يدرون أي يذهبون مدة أربعين سنة.
{فلا تأس}: أي لا تحزن ولا تأسف.

.معنى الآيات:

هذا هو جواب القوم على طلب الرجلين الصالحين باقتحام المدينة على العدو، إذ قالوا بكل وقاحة ودناء وخسة: {يا موسى إنا لن ندخلها..} أي المدينة {... أبداً ما داموا فيها..} أي ما دام أهلها فيها يدافعون عنها ولو لم يدافعوا، {.. فاذهب أنت وربك فقاتلا..} أهل المدينة أما نحن فها هنا قاعدون. أي تمرد وعصيان أكثر من هذا؟ وأي جبن وخور أعظم من هذا؟ وأي سوء أدب أحط من هذا؟ وهنا قال موسى متبرئاً من القوم الفاسقين: رب أي يا رب {إني لا أملك إلا نفسي وأخي..} يريد هارون {.. فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} فطلب بهذا البراءة منهم ومن صنيعهم، إذ قد استوجبوا العذاب قطعاً، فأجابه ربه تعالى بقوله في الآية الثالثة (26): {فإنها محرمة عليهم..} أي الأرض المقدسة أربعين سنة لا يدخلونها وفعلاً ما دخلوها إلا بعد مضي الفترة المذكورة {أربعين سنة} أي يأتون، وعليه فلا تحزن يا رسولنا ولا تأسف على القوم الفاسقين إذ هذا جزاؤهم من العذاب عُجِّل لهم فليذوقوه!!.

.من هداية الآيات:

1- بيان جبن اليهود، وسوء أدبهم مع ربهم وأنبيائهم.
2- وجوب البراءة من أهل الفسق ببغض عملهم وتركهم لنقمة الله تعالى تنزيل بهم.
3- حرمة الحزن والتأسف على الفاسقين والظالمين إذا حلت بهم العقوبة الإِلهية جزاء فسقهم.

.تفسير الآيات (27- 31):

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)}

.شرح الكلمات:

{واتل عليهم}: وأقرأ على اليهود الذين هموا بقتلك وقتل أصحابك.
{نبأ ابني آدم}: خبر ابني آدم هابيل وقابيل.
{قرباناً}: القربان ما يتقرب به إلى الله تعالى كالصلاة والصدقات.
{بسطت إلي يديك}: مددت إليّ يدك.
{أن تبوء بإثمي وإثمك}: ترجع إلى الله يوم القيامة بإثم قتلك إياي، وإثمك في معاصيك.
{فطوعت له نفسه}: شجعته على القتل وزينته له حتى فعله.
{غراباً}: طائراً أسود معروف يضرب به المثل في السواد.
{يواري سوءة أخيه}: يستر بالتراب جسد أخيه، وقيل فيه سوءة، لأن النظر إلى الميت تكرهه النفوس، والسوءة: ما يكره النظر إليها.

.معنى الآيات:

ما زال السياق القرآني الكريم في الحديث عن يهود بني النضير الذين هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فالله تعالى يقول لرسوله واقرأ عليهم قصة ابني آدم هابيل وقابيل ليعلموا بذلك عاقبة جريمة القتل الذي هموا به، توبيخاً لهم، وإظهاراً لموقفك الشريف منهم حيث عفوت عنهم فلم تقتلهم بعد تمكنك منهم، وكنت معهم كخير ابني آدم، {.. إذا قربا قرباناً..}، أي قرب كل منهما قرباناً لله تعالى فتقبل الله قربان أحدهما لأنه كان من أحسن ماله وكانت نفسه به طيبة، {ولم يتقبل من الآخر} وهو قابيل لأنه كان من أردأ ماله، ونفسه به متعلقة، فقال لأخيه هابيل لأقتلنك حسداً له- كم حسدتك اليهود وحسدوا قومك في نبوتك ورسالتك- فقال له أخوه إن عدم قبول قربانك عائدٌ إلى نفسك إلى غيرك إنما يتقبل الله من المتقين للشرك فلو اتقيت الشرك لتقبل منك قربانك لأن الله تعالى لا يتقبل إلا ما كان خالصاً له، وأنت أشركت نفسك وهواك في قربانك، فلم يتقبل منك. ووالله قسماً به {لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك}، وعلل ذلك بقوله: {.. إني أخاف الله رب العالمين}، أي أن ألقاه بدم أرقته ظلماً. وإن أبيت إلا قتلي فإني لا أقتلك لأني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك أي ترجع إلى ربنا يوم القيامة بإثم قتلك إياي، وإثمك الذي لا يفارقونها أبداً قال تعالى: {وذلك جزاء الظالمين}، {فطوعت له نفسه قتل أخيه} أي شجعته عليه وزينته له فقتله {فأصبح من الخاسرين} النادمين لأنه لم يدر ما يصنع به فكان يحمله على عاتقه ويمشي به حتى عفن، وعندئذ بعث الله غراباً يبحث في الأرض أي ينبش الأرض برجليه ومنقاره وينشر التراب على ميت معه حتى واراه: أي عبث الله الغراب ليريه كيف يواري أي يستر سوءة أخيه أي جيفته، فلما رأى قابيل ما صنع الغراب بأخيه الغراب الميت قال متندماً متحسراً يا ويلتا أي يا ويلتي احضري فهذا أوان حضورك، ثم وبخ نفسه قائلاً: {أعجزت أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي}، كما وارى الغراب سوءة أخيه، وأصبح من النادمين على حمله أو على قتله وعدم دفنه ومجرد الندم لا يكون توبة مع أن توبة القاتل عمداً لا تنجيه من النار.

.من هداية الآيات:

1- مشروعية التقرب إلى الله تعالى بما يحب أن يتقرب به إليه تعالى.
2- عظم جريم الحسد وما يترتب عليها من الآثار السيئة.
3- قبول الأعمال الصالحة يتوقف على الإِخلاص فيها لله تعالى.
4- بيان أول من سن جريمة القتل وهو قابيل ولذا ورد: «ما من نفس تُقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل» نصيب ذلك بأنه أول من سن القتل.
5- مشروعية الدفن وبيان زمنه.
6- خير ابني آدم المقتول ظلماً وشرهما القاتل ظلماً.

.تفسير الآية رقم (32):

{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)}

.شرح الكلمات:

{من أجل ذلك}: أي بسبب ذلك القتل.
{كتبنا}: أوحينا.
{أو فساد في الأرض}: بحربه لله ورسوله والمؤمنين.
{ومن أحياها}: قدر على قتلها وهي مستوجبة له فتركها.
{بالبينات}: الآيات الواضحات حاملة للشرائع والدلائل.
{لمسرفون}: مكثرون من المعاصي والذنوب.

.معنى الآية الكريمة:

يقول تعالى: إنه من أجل قبح جريمة القتل وما يترتب عليها من مفاسد ومضار لا يقادر قدرها أو جبنا على بني إسرائيل لكثرة ما شاع بينهم من القتل وسفك الدماء فقد قتلوا الأنبياء والآمرين بالقسط من الناس لأجل هذه الضراوة على القتل فقد قتلوا رسولين زكريا ويحيى وهموا بقتل كل من المرسلين العظيمين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم من أجل ذلك شددنا عليهم في العقوبة إذ من قتل منهم نفساً بغير نفس أي ظلماً وعدواناً. أو قتلها بغير فساد قامت به في الأرض وهو حرب الله ورسوله والمؤمنين فكأنما قتل الناس جميعاً بمعنى يعذب عذاب قتل الناس جميعاً يوم القيامة ومن أحياها بأن استوجبت القتل فعفا عنها وتركها لله إبقاء عليها فكأنما أحيا الناس جميعاً يعني يُعطى أجر من أحيا الناس جميعاً كل هذا شرعه الله تعالى لهم تنفيراً لهم من القتل الذي أصروا عليه، وترغيباً لهم في العفو الذي جافوه وبعدوا عنه فلم يعرفوه وقوله تعالى: {ولقد جاءتهم رسولهم بالبينات} يخبر تعالى عن حالهم مسلياً رسوله محمداً عما يحمله من همّ منهم وهم الذين تآمروا على قتله أن الشر الذي لازم اليهود والفساد الذي أصبح وصفاً لازماً لهم وخاصة المؤامرات بالقتل وإيقاد نار الحروب لم يكن عن جهل وعدم معرفة منهم لا أبداً بل جاءتهم رسولهم بالآيات البينات والشرائع القويمة والآدب الرفعية ولكنهم قوم بهت متمردون على الشرائع مسرفون في الشر والفساد ولذا فإن كثيراً منهم والله لمسرفون في الشر والفساد، وبنهاية هذه الآية ومن قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم ان يبسطوا إليكم أيديهم..} وهي الآية (11) انتهى الحديث عن اليهود المتعلق بحادثة همهم بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد ذكر تسلية لرسول الله وأصحابه، كما هو تسلية لكل مؤمن يتعرض لمكر اليهود عليهم لعائن الله.

.من هداية الآية:

1- تأديب الرب تعالى لبني إسرائيل ومع الأسف لم ينتفعوا به.
2- فساد بني إسرائيل لم ينشأ عن الجهل وقلة العلم بل كان اتباعاً للأهواء وجريا وراء عارض الدنيا. فلذا غضب الله عليهم ولعنهم لأنهم عالمون.
3- بالرغم من تضعيف جزاء الجريمة على اليهود، ومضاعفة أجر الحسنة له فإنهم أكثر الناس إسرافاً في الشر والفساد في الأرض.

.تفسير الآيات (33- 34):

{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)}

.شرح الكلمات:

{يحاربون الله ورسوله}: بالخروج عن طاعتهما وحمل السلام على المؤمنين وقتلهم وسلب أموالهم والاعتداء على حرماتهم.
{ويسعون في الأرض فساداً}: بإخافة الناس وقطع طرقهم وسلب أموالهم والاعتداء على أعراضهم.
{أو يصلبوا}: يشدون على أعواد الخشب ويقتلون، أو بعد أن يقتلوا.
{من خلاف}: بأن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، والعكس.
{أو ينفوا من الأرض}: أي من أرض الإِسلام.
{خزي في الدنيا}: ذل ومهانة.
{عذاب عظيم}: عذاب جهنم.
{أن تقدروا عليهم}: أي تتمكنوا منهم بأن فروا بعيداً ثم جاءوا مسلمين.

.معنى الآيتين:

لما ذكر تعالى ما أوجبه على اليهود من شدة العقوبة وعلى جريمة القتل والفساد في الأرض كسْرأ لِحِدةٍ جُرءتهم على القتل والفساد ذكر هنا حكم وجزاء من يحارب المسلمين ويسعى بالفساد في ديارهم فقال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} بالكفر بعد الإِيمان والقتل والسلب بعد الأمان، {ويسعون في الأرض فساداً} بتخويف المسلمين، وقطع طرقهم وأخذ أموالهم، والاعتداء على حرماتهم وأعراضهم، هو ما أذكره لكم لا غيره فاعلموه أنه {أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} ومعنى يقتلوا: يقتلون واحداً بعد واحد نكاية لهم وإرهاباً وتعزيراً لغيرهم، ومعنى يصلبوا بعد ما يقتل الواحد منهم يشد على خشبة مدة ثلاثة أيام ومعنى ينفوا من الأرض يخرجوا من دار الإِسلام، أو إلى مكان ناءٍ كجزيرة في بحر أو يحبسوا حتى ينجو المسلمين من شرهم وأذاهم، ويكون ذلك الجزاء المذكور خزياً وذلاً لهم في الدنيا {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} وهو عذاب النار، وقوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} فهذا استثناء متصل من أولئك المحربين بأن من عجزنا عنه فلم نتمكن من من القبض عليه، وبعد فترة جاءنا تائباً فإن حكمه يختلف عمن قبله، وقوله تعالى: {فاعلموا أن الله غفور رحيم} يحمل إشارة واضحة إلى تخفيف الحكم عليه، وذلك فإن كان كافراً وأسلم فإن الإِسلام يجب ما قبله فيسقط عنه كل ما ذكر في الآية من عقوبات.. وإن كان مسلماً فيسقط الصلب ويجب عليه، رد المال الذي أخذه إن بقي في يده، وإن قتل أو فجر وطالب بإقامة الحد عليه أقيم عليه الحد، وإلا ترك لله والله غفور رحيم.

.من هداية الآيتين:

1- بيان حكم الحرابة وحقيقتها: خروج جماعة اثنان فأكثر ويكون بأيديها سلاح ولهم شوكة، خروجهم إلى الصحراء بعيداً عن والقرى، يشنون هجمات على المسلمين فيقتلون ويسلبون ويعتدون على الأعراض. هذه هي الحرابة وأهلها يقال لهم المحاربون وحكمهم ما ذكر تعالى في الآية الأولى (33).
2- الإِمام مخير في إنزال التي يرى أنها مناسبة لاستتباب الأمن، إن قلنا أو في الآية للتخيير، وإلا فمن قتل وأخذ المال وأخاف الناس قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ مالاً قتل، ومن قتل وأخذ مالاً قطعت يده ورجله من خلاف فتقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالاً ينفى.
3- من تاب من المحاربين قبل التمكن منه يعفا عنه إلا أن يكون بيده مال سلبه فإنه يرده على ذويه أو يطلب بنفسه إقامة الحد عليه فيجاب لذلك.
4- عظم عفو الله ورحمته بعباده لمغفرته لمن تاب ورحمته له.

.تفسير الآيات (35- 37):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37)}

.شرح الكلمات:

{اتقوا الله}: خافوا عذابه فمتثلوا أمره رسوله واجتنبوا نهيهما.
{وابتغوا}: إطلبوا.
{الوسيلة}: تقربوا إليه بفعل محابه وترك مساخطه تظفروا بالقرب منه.
وجاهدوا في سبيله: أنفسكم بحملها على أن تتعلم وتعمل وتعلِم، وأَعْدَاءَهُ بدعوتهم إلى الإِسلام وقتالهم على ذلك.
{تُفْلِحُون}: تنجون من النار وتدخلون الجنة.
{عذاب مقيم}: دائم لا يبرح ولا يزول.

.معنى الآيتين:

ينادي الرب تبارك وتعالى عباده المؤمنين به وبرسوله ووعده ووعيده ليرشدهم إلى ما ينجيهم من العذاب فيجتنبوه، وإلى ما يدنيهم من الرحمة فيعملوه فيقول: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون} ومعنى اتقوا الله خافوا عذابه فأطيعوه بفعل أوامره وأوامر رسول اجتناب نواهيهما فإن عذاب الله لا يتقى إلا بالتقوى. ومعنى {ابتغوا إليه الوسيلة} اطلبوا إليه القربة، أي تقربوا إليه بفعل ما يحب وترك ما يكره تفوزوا بالقرب منه. ومعنى {جاهدوا في سبيله} جاهدوا أنفسكم في طاعته والشيطان في معصيته، والكفار في الإِسلام إليه والدخول في دينه باذلين كل ما في وسعكم من جهد وطاقة، هذا ما دلت عليه الآية الأولى (35) أما الآية الثانية (36) وهي قوله تعالى: {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه...} إلخ فإنها علة لما دعت إليه الآية الأولى من الأمر بالتقوى وطلب القرب من الله تعالى وذلك بالإِيمان وصالح الأعمال، لأن العذاب الذي أمروا باتقائه بالتقوى عذاب لا يطاق أبداً ناهيكم أن الذين كفروا {لو أن لهم في الأرض جميعاً} من مال صامت وناطق {ومثله معه} وقبل منهم فداء لأنفسهم من ذلك العذاب لقدموه سخية به نفوسهم، إنه عذاب أليم موجع أشد الوجع ومؤلم أشد الألم إنهم يتمنون بكل قلوبهم أن يخرجوا من النار {وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم} دائم لا يبرح ولا يزل.

.من هداية الآيات:

1- وجوب تقوى الله عز وجل وطلب القربة إليه والجهاد في سبيله.
2- مشروعية التوسل إلى الله تعالى بالإِيمان وصالح الأعمال.
3- عظم عذاب يوم القيامة وشدته غير المتناهية.
4- لا فدية يوم القيامة ولا شفاعة تنفع الكافر فيخرج بها من النار.
5- حسن التعليل للأمر والنهي بما يشجع على الامتثال والترك.

.تفسير الآيات (38- 40):

{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)}

.شرح الكلمات:

{السارق}: الذي أخذ مالاً من حرز خفية يقدر بربع دينار فأكثر.
{السارقة}: التي أخذت مالاً من حرز خفية يقدر بربع دينا فأكثر.
{فاقطعوا أيديهما}: أي اقطعوا من سرقة منهما يده من الكوع.
{نكالاً}: عقوبة من الله تجعل غيره ينكل أن يسرف.
{عزيز حكيم}: عزيز: غالب لا يحال بينه وبين مراده، حكيم: في تدبيره وقضائه.
{بعد ظلمه}: بعد ظلمه لنفسه بمعصية الله تعالى بأخذ أموال الناس.
{وأصلح}: أي نفسه بتزكيتها بالتوبة والعمل الصالح.
{فإن الله يتوب عليه}: أي يقبل توبته، ويغفر له ويرحمه إن شاء.
{له ملك السموات والأرض}: خلقاً وملكاً وتدبيراً.
{يعذب من يشاء}: أي تعذيبه لأنه مات عاصياً لأمره كافراً بحقه.
{ويغفر لمن يشاء}: ممن تاب من ذنبه وأناب إليه سبحانه تعالى.

.معنى الآيات:

يخبر تعالى مقرراً حكماً من أحكام شرعه وهو أن الذي يسرق مالاً يقدر بربع دينار فأكثر من حرز مثله خفية وهو عاقل بالغ، ورفع إلى الحاكم، والسارقة كذلك فالحكم أن تقطع يد السارق اليمنى من الكوع وكذا يد السارعة مجازاة لهما على ظلمهما بالاعتداء على أموال غيرهما، {نكالاً من الله} أي عقوبة من الله تعالى لهما تجعل غيرهما لا يقدم على أخذ أموال الناس بطريقة السرقة المحرمة، {والله عزيز حكيم} غالب على أمره حكيم في قضائه وحكمه. هذا معنى قوله تعالى: {والسارقة والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا} من الإِثم {نكالاً من الله والله عزيز حكيم}.
وقوله تعالى في الآية الثانية (39): {فمن تاب من بعد ظلمه} أي تاب من السرقة بعد أن ظلم نفسه بذلك {وأصلح} نفسه بالتوبة ومن ذلك رد المال المسروق {فإن الله يتوب عليه} لأنه تعالى غفور للتائبين رحيم بالمؤمنين، وقوله تعالى في الآية الثالثة (40): {ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض} يخاطب تعالى رسوله وكل من وأهل للتلقي والفهم من الله تعالى فيقول مقرراً المخاطب {ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض} والجواب بلى، وإذاً فالحكم له تعالى لا ينازع فيه لذا هو يعذب ويقطع يد السارق والسارقة ويغفر لمن تاب من السرقة وأصلح. وهو على كل شيء قدير.

.من هداية الآيات:

1- بيان حكم حد السرقة وهو قطع يد السارق والسارقة.
2- بيان أن التائب من السراق إذا أصلح يتوب الله عليه أن يقبل توبته.
3- إذا لم يرفع السارق إلا الحاكم تصح توبته ولو لم تقطع يده، وإن رفع فلا توبة له إلا بالقطع فإذا قطعت يده خرج من ذنبه كأن لم ذنب.
4- وجوب التسليم لقضاء الله تعالى والرضا بحكمه لأنه عزيز حكيم.