فصل: من هداية الآيات:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.تفسير الآيات (59- 63):

{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63)}

.شرح الكلمات:

{خلف}: أي عقب سوء.
{أضاعوا الصلاة}: أهملوها فتركوها فكانوا بذلك كافرين.
{اتبعوا الشهوات}: انغمسوا في الذنوب والمعاصي كالزنا وشرب الخمر.
{يلقون غياً}: أي وادياً في جهنم يلقون فيه.
{ولا يظلمون شيئاً}: أي لا ينقصون شيئا من ثواب حسناتهم.
{جنات عدن}: أي إقامة دائمة.
{بالغيب}: أي وعدهم بها وهي غائبة عن أعينهم لغيابهم عنها إذ هي في السماء وهم في الأرض.
{مأتيأ}: أي موعود وهو ما يعد به عباده آتياً لا محالة.
{لغواً}: أي فضل الكلام وهو ما لا فائدة فيه.
{بكرة وعشياً}: أي بقدرهما في الدنيا وإلا فالجنة ليس فيها شمس فيكون فيها نهار وليل.
{من كان تقياً}: أي من كان في الحياة الدنيا تقياً لم يترك الفرائض ولم يغش المحارم.

.معنى الآيات:

قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف} يخبر تعالى عن أولئك الصالحين ممن اجتبى وهدى من النبيين وذرياتهم، انه خلف من بعدهم خلف سوء كان من شأنهم أنهم {اضاعوا الصلاة} فمنهم من أخرها عن أوقاتها ومنهم من تركها {واتبعوا الشهوات} فانغمسوا في حمأة الرذائل فشربوا الخمور وشهدوا الزور وأكلوا الحرام ولهوا ولعبوا وزنوا وفجروا، بعد ذهاب أولئك الصالحين كا هو حال النصارى واليهود اليوم وحتى كثير من المسلمين، فهؤلاء الخلف السوء يخبر تعالى أنهم {فسوف يلقون غياً} بعد دخولهم نار جهنم. والغي: ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بئر في جهنم وعن ابن مسعود أنه واد في جهنم، والكل صحيح إذ البئر توجد في الوادي وكثيراً ما توجد الآبار في الأودية.
وقوله تعالى: {إلا من تاب وأمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئاً} أي لكن من تاب من هذا الخلف السوء وآمن حقق إيمانه وعمل صالحاً فأدى الفرائض وترك غشيان المحارم. فأولئك أي هؤلاء التائبون المنيبون {يدخلون الجنة} مع سلفهم الصالح، {ولا يظلمون شيئاً} أي ولا ينقصون ولا يبخسون شيئاً من ثواب أعمالهم.
وقوله تعالى: {جنات عدن} أي بساتين إقامة أبدية {التي وعد الرحمن عباده بالغيب} أي وعدهم بها وهي غائبة عنهم لم يروها لأنها في السماء وهم في الأرض.
وقوله: {إنه كان وعده مأتيا} أي كونهم ما رأوها غير ضار لأن ما وعد به الرحمن لا يختلف أبداً لابد من الحصول عليه ومعنى مأتياً ياتيه صاحبه قطعاً.
وقوله تعالى في الآية (62): {لا يسمعون فيها لغواً} يخبر تعالى أن أولئك التائبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات ودخلوا الجنة لا يسمعون فيها أي في الجنة وهو الباطل من القول وما لا خير فيه من الكلام اللهم الا السلام فإنهم يتلقونه من الملائكة فيسمعونه منهم وهو من النعيم الروحاني في الجنة دار النعيم.
وقوله تعالى: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً} أي ولهم طعامهم فيها وهو ما تشتيهيه أنفسم من لذيذ الطعام والشراب {بكرة وعشياً} أي في وقت الغداة في الدنيا وفي وقت العشى في الدنيا إذ لا ليل في الجنة ولا نهار، وإنما هي أنوار وجائز إذا وصل وقت الغداء أو العشاء تغير الأنوار من لون إلى آخر أو تغلق الأبواب وترخى الستائر ويكون ذلك علامة على وقت الغداء والعشاء.
وقوله تعالى: {تلك الجنة} أية (63) يشير تعالى إلى الجنة دار السلام تلك الجنة العالية {التي نورث من عبادنا من كان تقياً} منهم، أما الفاجر فإن منزلته فيها نورثها المتقي كما أن منزل التقي في النار نورثه فأجراً من الفجار، إذ هذا معنى التوارث: هذا يرث هذا وذاك يرث ذا، إذ ما من إنسان الا وله منزلة في الجنة ومنزل في النار فمن آمن وعمل صالحاً دخل الجنة ونزل في منزلته، ومن كفر وأشرك وعمل سوءاً دخل النار ونزل في منزله فيها، ويورث الله تعالى الأتقياء منازل الفجار التي كانت لهم في الجنة.

.من هداية الآيات:

1- التنديد بخلف السوء وهو من يضيع الصلاة ويتبع الشهوات.
2- الوعد الشديد لمن ينغمس في الشهوات ويترك الصلاة فيموت على ذلك.
3- باب التوبة مفتوح والتوبة مقبولة من كل من أرادها وتاب.
4- بيان نعيم الجنة دار المتقين الأبرار.
5- تقرير مبدأ التوارث بين أهل الجنة وأهل النار.
6- بيان أن ورثة الجنة هم الأتقياء، وأن ورثة النار هم الفجار.

.تفسير الآيات (64- 65):

{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)}

.شرح الكلمات:

{وما نتنزل}: التنزل النزول وقتاً بعد وقت.
{إلا بأمر ربك}: أي إلا بإذنه لنا في النزول على من يشاء.
{له ما بين أيدينا}: أي مما هو مستقبل عن أمر الآخرة.
{وما خلفنا}: أي ما مضى من الدنيا.
{وما بين ذلك}: مما لم يمض من الدنيا إلى يوم القيامة أي له علم ذلك كله.
{وما كان ربك نسياً}: أي ذا نسيان فإنه تعالى لا ينسى فكيف ينساك ويتركك؟
{رب السموات والأرض}: أي مالكهما والمتصرف فيهما.
{واصطبر لعبادته}: أي أصبر وتحمل الصبر في عبادته حتى الموت.
{هل تعلم له سمياً}: أي لا سميَّ له ولا مثل ولا نظير فهو الله أحد، لم يكن له كفواً أحد.

.معنى الآيتين:

لنزول هاتين الآيتين سبب وهو ما روى واستفاض أن الوحي تأخر عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي يأتي بالوحي جبريل عليه السلام فلما جاء بعد بطءٍ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا» فأنزل الله تعالى قوله جواباً لسؤال النبي صلى الله عليه وسلم: {وما نتنزل} أي نحن الملائكة وقتا بعد وقت على من يشاء ربنا {إلا بأمر ربك} أيها الرسول أي إلابإذنه لنا فليس لأحد منا أن ينزل من سماء إلى سماء أو إلى أرض إلا بإذن عز وجل، {له ما بين أيدينا وما خلقنا وما بين ذلك} أي له أمر وعلم ما بين أيدننا أي ما أمامنا عن أمور الآخرة وما خلفنا أي مما مضى من الدنيا علماً وتدبيراً، وما بين ذلك إلى يوم القيامة علماً وتدبيراً، وما كان ربك عز وجل يا رسول الله ناسياً لك ولا تاركاً فإنه تعالى لم يكن النسيان وصفاً له فينسى.
وقوله تعالى: {رب السموات والأرض وما بينهما} يخبر تعالى رسوله بإنه تعالى مالك السموات والأرض وما بينهما والمتصرف فيهما فكل شيء له بيده وفي قبضته وعليه {فاعبده} أيها الرسول بما أمرك بعبادته به {واصطبر لعبادته} أي تحمل لها المشاق، فإنه لا إله إلا هو، ف {هل تعلم لم سمياً} أي نظيراً أو مثيلاً والجواب: إذاً فاعبده وحده وتحمل في سبيل ذلك ما استطعت تحمله. فإنه لا معبود بحق الا هو إذ كل ما عداه مربوب له خاضع لحكمه وتدبيره فيه.

.من هداية الآيتين:

1- تقرير سلطان الله على الخلق وعلمه بكل الخلق وقدرته على كل ذلك.
2- استحالة النسيان على الله عز وجل.
3- تقرير ربوبية الله تعالى للعالمين، وبذلك وجبت له الألوهية على سائر العالمين.
4- وجوب عبادة الله تعالى ووجوب الصبر عليها حتى الموت.
5- نفي الشبيه والمثل والنظير الله إذ هو الله أحد لم يكن له كفواً أحد.

.تفسير الآيات (66- 72):

{وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)}

.شرح الكلمات:

{ويقول الإنسان}: أي الكافر بلقاء الله تعالى.
{ولم يك شيئاً}: أي قبل خلقه فلا ذات له ولا اسم ولا صفة.
{جثياً}: أي جاثمين على ركبهم في ذل وخوف وجزن.
{من كل شيعة}: أي طائفة تعاونت على الباطل وتشيع بعضها لبعض فيه.
{عتياً}: أي تكبراً عن عبادته وظلما لعباده.
{أولى بها صليا}: أي أحق بها اصطلاء واحتراقاً وتعذيباً في النار.
{إلا واردها}: أي ماراً بها إن وقع بها هلك، وإن مر ولم يقع نجا.
{حتماً مقتضياً}: أي أمراً قضى به الله تعالى وحكم به وحتمه فهو كائن لابد.
{فيها جثيا}: أي في النار جاثمين على ركبهم بعضهم إلى بعض.

.معنى الآيات:

الآيات في سياق تقرير عقيدة البعث والجزاء يقول تعالى قوله وقوله الحق: {ويقول الإنسان} أي المنكر للبعث للبعث والدار الآخرة وقد يكون القائل أبي بن خلف أو العاص بن وائل وقد يكون غيرهما إذ هذه قولة كل من لا يؤمن بالآخرة يقول: {إأذا مت لسوف أخرج حياً} يقول هذا استنكارا وتكذبياً قال تعالى: راداً على هذا الأنسان قولته الكافرة {أو لا يذكر الإنسان} أي المنكر للبعث الآخر {أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً} أيكذب بالبعث وينكره ولا يذكر خلقنا له من قبل، ولم يك شيئاً.
أليس الذي قدر على خلقه قبل أن يكون شيئاً قادراً على إعادة خلقه مرة أخرى أليست الإعادة أهون من الخلق الأول والإيجاد من العدم، ثم يقسم الله تبارك وتعالى لرسوله على أنه معيدهم كما كانوا ويحشرهم مع شياطينهم الذين يضلونهم ثم يحضرنهم حول جهنم جثيا على ركبهم أذلاء صاغرين. هذا معنى قوله تعالى في الآية (68): {فوربك لنحشرنهم والشياطين حول جهنم جثيا}.
وقوله تعالى: {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا} يخبر تعالى بعد حشرهم إلى ساحة فصل القضاء أحياء مع الشياطين الذين كانوا يضلونهم، يحضرهم حول جهنم جثياً، ثم يأخذ تعالى من كل طائفة من تلك الطوائف التي أحضرت حول جهنم وهي جاثمة تنتظر حكم الله تعالى فيها أيهم كان أشد على الرحمن عتيا أي تمرداً عن طاعته وتكبراً عن الإيمان به وبرسوله ووعده وهو معنى قوله تعالى في الآية (69): {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم الرحمن عتيا} وقوله تعالى: {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا} يخبر تعالى بعلمه بالذين هم اجدر وأحق بالاصطلاء بعذاب النار، وسوف يدخلهم النار قبل غيرهم ثم يدخل باقيهم بعد ذلك وهو معنى قوله عز وجل: {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا}.
وقوله: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقتضيا}، فإنه يخبر عز وجل عن حكمٍ حكم به وقضاء قضى به وهو أنه ما من واحد منا معشر بني آدم إلا وارد جهنم وبيان ذلك كما جاء في الحديث أن: «الصراط جسر يمد على ظهر جهنم والناس يمرون فوقه فالمؤمنون يمرون ولا يسقطون في النار والكافرون يمرون فيسقطون في جهنم»، وهو معنى قوله في الآية (72): {ثم ننجي الذين أوتوا} أي ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه بترك واجب ولا بارتكاب محرم {ونذر الظالمين} بالتكبر والكفر وغشيان الكبائر من الذنوب {فيها جثياً} أي ونترك الظالمين فيها أي جهنم جاثمين على ركبهم يعانون أشد أنواع العذاب.

.من هداية الآيات:

1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بالحشر والاحضار حول جهنم والمرور على الصراط.
2- تقرير معتقد الصراط في العبور عليه إلى الجنة.
3- تقديم رؤساء الضلال وأئمة الكفر إلى جهنم قبل الأتباع الضالين.
4- تقرير حتمية المرور على الصراط.
5- بيان نجاة الأتقياء، وهلاك الفاجرين الظالمين بالشرك والمعاصي.

.تفسير الآيات (73- 76):

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)}

.شرح الكلمات:

{آياتنا بينات}: أي آيات القرآن البينات الدلائل الواضحات الحجج.
{خير مقاما}: نحن أم أنتم والمقام المنزل ومحل الإقامة والمراد هنا المنزلة.
{وأحسن ندياً}: أي ناديا وهو مجتمع الكرام ومحل المشورة وتبادل الآراء.
{أحسن أثاثاً ورئيا}: أي مالا ومتاعا ومنظراً.
{إما العذاب وإما الساعة}: أي بالقتل والأسر وأما الساعة القيامة المشتملة على نار جهنم.
{من هو شر مكاناً}: أي منزلة.
{وأضعف جنداً}: أي أقل اعواناً.
{وخير مرداً}: أي ما يرد إليه ويرجع وهو نعيم الجنة.

.معنى الآيات:

ما زال السياق في تقرير النبوة والتوحيد والبعث الآخر يقول تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} أي وإذا قرئت على كفار قريش المنكرين للتوحيد والنبوة المحمدية والبعث والجزاء يوم القيامة إاذ قرأ عليهم رسول الله أو أحد المؤمنين من أصحابه بعض الآيات من القرآن البينات في معانيها ودلائلها على التوحيد والنبوة والبعث {قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاماً وأحسن نديا}، وقولهم هذا هو رد فعل لا غير، إذ أنهم لما يسمعون الآيات تحمل الوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين مثلهم لا يجدون ما يخففون به ألم نفوسهم فيقولون هذا الذي أخبر تعالى به عنهم {أي الفريقين} أي فريق المؤمنين أو فريق الكافرين خير مقاماً أي منزلاً ومسكناً وأحسن نديا ومجتمعاً يجتمع فيه، لأنهم يقارنون بين منازل فقراء المؤمنين ودار الأرقم بن أبي الأرقم التي يجتمع فيها الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وبين دور ومنازل أبي سفيان وأغنياء مكة ونادي قريش وهو مجلس شوراهم فرد تعالى عليهم بقوله: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً ورئياً} أي لا ينبغي ان يغرهم هذا الذين يتبجحون به ويتطاولون فإنه لا يدوم ما داموا يحاربون دعوة الحق والقائمين عليها فكم من أهل قرون اهلكناهم لما ظلموا وكانوا أحسن من هؤلاء مالا ومتاعا ومناظر حسنة جميلة.
وقوله تعالى: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً} أي اذكر لهم سنتنا في عبادنا يا رسولنا وهي أن من كان في ضلالة الشرك والظلم والمكابرة والعناد فإن سنة الرحمن فيه أن يمد له بمعنى يمهله ويملي له استدراجا حتى إذا انتهوا إلى ما حدد لهم من زمن يؤخذون فيه بالعذاب جزاء كفرهم ظلمهم وعنادهم وهو إما عذاب دنيوى بالقتل والأسر ونحوهما أو عذاب الآخرة بقيام الساعة حيث يحشرون إلى جهنم عمياً وبكماً وصماً جزاء التعالي والتبجح بالكلام وهو معنى قوله تعالى: {حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً} أي شر منزلة وأقل ناصراً أهم الكافرون أم المؤمنون، ولكن حين لا ينفع العلم. إذ التدارك أصبح غير ممكن وإنما هي الحسرة والندامة لا غير.
وقوله تعالى: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} أي إذا كان تلاوة الآيات البينات تحمل المشركين على العناد والمكابرة وذلك لظلمة كفرهم فيزدادون كفراً وعناداً فإن المؤمنين المهتدين يزدادون بها هداية لأنها تحمل لهم الهدى في كل جملة وكلمة منها وهم لإشراق نفوسهم بالإيمان يرون ما تحمل الآيات من الدلائل والحجج والبراهين فيزداد إيمانهم وتزداد هدايتهم في السير في طريق السعادة والكمال بأداء الفرائض واجتناب المناهي.
وقوله تعالى: {والباقيات الصالحات خير عند ربك} أيها الرسول {ثواباً وخير مردّاً} في هذه الآية تسلية للرسول والمؤمنين بأن ما يتبجح به المشركون من المال والمتاع وحسن الحال لا يساوي شيئاً أمام الإيمان وصالح الأعمال لأن المال فانٍ، والصالحات باقية فثواب الباقيات الصالحات من العبادات والطاعات خير من كل متاع الدنيا وخير مرداً مردوداً على صاحبها إذ هو الجنة دار السلام والتكريم والإنعام.

.من هداية الآيات:

1- الكشف عن نفسيات الكافرين وهي الإعتزاز بالمال والقوة إذا اعتز المؤمنون بالإيمان وثمراته في الدنيا والآخرة من حسن العاقبة.
2- بيان سنة الله تعالى في امهال الظلمة والإملاء لهم استدراجاً لهم حتى يهلكوا خاسرين.
3- بيان سنة الله تعالى في زيادة إيمان الؤمنين عند سماع القرآن الكريم، أو مشاهدة أخذ الله تعالى للظالمين.
4- بيان فضيلة الباقيات الصالحات ومنها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.

.تفسير الآيات (77- 80):

{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80)}

.شرح الكلمات:

{الذي كفر بآياتنا}: هو العاص بن وائل.
{لأوتين مالاً وولداً}: يريد في الآخرة.
{أطلع الغيب}: أي فعرف أنه يعطى مالاً وولداً يوم القيامة.
{كلا}: ردع ورد فإنه لم يطلع الغيب ولم يكن له عند الله عهداً.
{ونمد له من العذاب مداً}: أي نضاعف له العذاب يوم القيامة.
{ونرثه ما يقول}: أي نسليه ما تبجح به من المال والولد ويبعث فرداً ليس معه مال ولا ولد.

.معنى الآيات:

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم معجباً له {أفرأيت الذي كفر بآياتنا} أي كذب بالوحي وما يدعوا له من التوحيد والبعث والجزاء وترك الشرك والمعاصي. وهو العاص بن وائل المسمى أبو عمرو بن العاص. {وقال لأوتين مالاً وولداً} قال هذا لخباب بن الأرت حينما طالبه بدين له عليه فأبى أن يعطيه استصغاراً له لأنه قيَّن (حداداً) وقال له لا أعطيكه حتى تكفر بمحمد فقال له خباب والله ما أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت ثم تبعث فقال له العاص إذا أنا مِتَّ ثم بُعتث كما تقول ثم جئتني ولي مال وولد قضيتك دينك فأكذبه الله تعالى ورد عليه قوله بقوله عز وجل: {أطلع الغيب} فعرف ان له يوم القيامة مالاً وولداً. {أم اتخذ عند الرحمن عهداً} بذلك بأن سيعطيه مالاً وولداً يوم القيامة {كلا} لم يطلع على الغيب ولم يكن له عند الرحمن عهداً. وقوله تعالى: {سنكتب ما يقول} من الكذب والإفتراء ونحاسبه به ونضاعف له العذاب به العذاب وهو معنى قوله تعالى: {ونمد له من العذاب مداً}، وقوله تعالى: {ونرثه ما يقول ويأتنيا فردا} أي ونسلبه ما يقول من المال والولد حيث يموت ويترك ذلك أو ينصر رسوله على قومه فيسلبهم المال والوليد. ويأتينا في عرصات القيامة للحساب فرداً لا مال ولا ولد.

.من هداية الآيات:

1- الكشف عن نفسيات الكافرين لاسيما إذا كانوا أقوياء بمال أو لد أوسلطان فإنهم يعيشون على الغطرسة منه والاستعلاء وتجاهل الفقراء واحتقارهم.
2- تقرير البعث والحساب والجزاء.
3- مضاعفة العذاب على الكافرين الظالمين بعد كفرهم.
4- تقرير معنى آية: إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون.

.تفسير الآيات (81- 87):

{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87)}

.شرح الكلمات:

{ليكونوا لهم عزاً}: أي منعة لهم وقوة يشفعون لهم عند الله حتى لا يعذبوا.
{سيكفرون بعبادتهم}: أي يوم القيامة أنهم كانوا يعبدونهم.
{ضداً}: أي أعداء لهم واعواناً عليهم.
{تؤزهم أزاً}: أي تزعجهم ازعاجاً وترحكهم حراكاً شديداً نحو الشهوات والمعاصي.
{وفدا}: أي راكبين على النُّنُجب تحوطهم الملائكة حتى ينتهوا إلى ربهم فيكرمهم.
{ال جهنم ورداً}: أي يساق المجرمون كما تساق البهائم مشاة عطاشاً.
{عهداً}: هو شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا حول قوة إلا بالله.

.معنى الآيات:

يخبر تعالى مندداً المشركين فيقول: {واتخذوا من دون الله آلهة} أي معبودات من الأصنام فعبدوها بأنواع من العبادات، {ليكونوا لهم}- في نظرهم الفاسد- {عزاً} أي شفعاء لهم عندنا يعزون بواسطتهم ولا يُهانون، {كلا} أي ليس الأمر كما يظنون {سيكفرون بعبادتهم} وذلك يوم القيامة حيث ينكرون أنهم أمروهم بعبادتهم، {ويكونون عليهم ضداً} أي خصوماً، ومن ذلك قولهم. {وقال شركائهم ما كنتم إيانا تعبدون} وقولهم. {بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} وقوله تعالى في الآية الثانية (83): {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} يقول تعالى لرسوله ألم ينته إلى علمك يا رسولنا أنا أرسلنا الشياطين أي شياطين الجن والإنس على الكافرين بنا وبآياتنا ورسولنا ولقائنا تؤزهم ازا أي تحركهم بشدة نجو الشهوات والجرائم والمفاسد، وتزعجهم إلى ذلك بالإغراء إزعاجاً كبيراً. أي فلا تعجب من حال مسارعتهم إلى الشر والفساد ولا تعجل عليهم بمطالبتنا بهلاكهم إنما نعد لهم كل أعمالهم ونحصيها عليهم حتى أنفاسهم على كل ذلك ونجزيهم به. هذا معنى قوله تعالى: {فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا}.
وقوله تعالى في الآية (85): {يوم نحشر المتقين} أي أذكر يا رسولنا نحشر المتقين {إلى الرحمن وفداً}. والمتقون هم أهل الإيمان بالله وطاعته وتوحيده ومحبته وخشيته وطاعة رسوله ومحبته وفداً أي راكبين على النجائب من النوق عليها رحال الذهب إلى الرحمن إلى جوار الرحمن عز وجل في دار المتقين الجنة دار الإبرار والسلام.
وقوله تعالى: {ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً}: أي ونسوق المجرمين على أنفسهم بالشرك والمعاصي مشاة على أرجلهم عطاشاً يساقون سوق البهائم إلى جهنم وبئس الورد المورود جهنم.
وقوله تعالى: {لا يمكلون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً} أخبر تعالى أن المشركين المجرمين على أنفسهم بالشرك والمعاصي فدسوها لا يملكون الشفاعة يوم القيامة لا يشفع بعضهم في بعض كالمتقين ولا يشفع لهم أحد أبداً لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً بالإيمان به وبطاعته بأداء الفرائض وترك المحرمات يملك أن شاء الله الشفاعة بأن يشفعه الله في غيره إكراماً له أو يشفع فيه غيره إكراماً للشافع أيضاً وإنعاماً على المشفوع له.
كما أن أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله المتبرئين من حولهم وقوتهم إلى الله الراجين ربهم يمكلون الشفاعة أن دخلوا النار بذنوبهم فيخرجون منها شفاعة من أراد الله أن يشفعه فيهم.

.من هداية الآيات:

1- براءة سائر المعبودات من دون الله من عابديها يوم القيامة خزياً وإحقاقاً للعذاب عليهم.
2- لا عحب مما يشاهد من مسارعة الكافرين إلى الشر والفساد والشهوات لوجود شياطين تحركهم بعنف إلى ذلك وتدفعهم إليه.
3- لا ينبغي طلب العذاب العاجل لأهل الظلم لأنهم كلما ازدادوا ظلما ازداد عذابهم شدة يوم القيامة إذ كل شيء محصى عليهم أنفاسهم محاسبون عليه ومجزيون به.
4- بيان كرامة المتقين، ومهانة المجرمين.