فصل: من هداية الآية الكريمة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير



.تفسير الآيات (34- 35):

{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)}

.شرح الكلمات:

{قوامون}: جمع قوام: وهو من يقوم على الشيء رعاية وحماية وإصلاحاً.
{بما فضل الله بعضهم}: بأن جعل الرجل أكمل في عقله ودينه وبدنه فصلح للقوامة.
{وبما أنفقوا من أموالهم}: وهذا عامل آخر مما ثبتت به القوامة للرجال على النساء فإن الرجل بدفعه المهر وبقيامه بالنفقة على المرأة كان أحق بالقوامة التي هي الرئاسة.
{الصالحات}: جمع صالحة: وهي المؤدية لحقوق الله تعالى وحقوق زوجها.
{قانتات}: مطيعات لله ولأزواجهن.
{حافظات للغيب}: حافظات لفروجهن وأموال أزواجهن.
{نشوزهن}: النشوز: الترفع عن الزوج وعد طاعته.
{فعظموهن}: بالترغيب في الطاعة والتنفير من المعصية.
{فلا تبغوا عليهن سبيلاً}: أي لا تطلبوا لهن طريقاً تتواصلون به إلى ضربهن بعد أن أطعنكم.
{شقاق بينهما}: الشقاق: المنازعة والخصومة حتى يصبح كل واحد في شق مقابل.
{حكماً}: الحكم: الحاكم، والمحكم في القضايا للنظر والحكم فيها.

.معنى الآيتين:

يروى في سبب نزول هذه الآية أن سعد بن الربيع رضي الله عنه أغضبته امرأته فلطمها فشكاه وليها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يريد القصاص فأنزل الله تعالى هذه الآية: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} فقال وليّ المرأة أردنا أمراً الله غيره، وما أراده الله خير. ورضي بحكم الله تعالى وهو أن الرجل ما دام قواماً على المرأة يرعاها ويربيها ويصلحها بما أوتي من عقل أكمل من عقلها، وعلم أغزر من علمها غالباً ويُعد نظر في مبادئ الأمور ونهاياتها أبعد من نظرها يضاف إلى ذلك أنه دفع مهراً لم تدفعه، والتزم بنفقات لم تلتزم هي بشيء منها فلما وجبت له الرئاسة عليها وهي رئاسة شرعية كان له الحق أن يضربا لما لا يشين جارحة أو يكسر عضواً فيكون ضربه لها كضرب المؤدب لمن يؤدبه ويربيه وبعد تقرير هذا السلطان للزوج على زوجته أمر الله تعالى بإكرام المرأة والإِحسان إليها والرفق بها لضعفها وأثنى عليها فقال: {فالصَّالحاتُ}، وهن: الأئي يؤدين حقوق الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحقوق أزواجهن من الطاعة والتقدير والاحترام {قَانِتَات}: أي مطيعات لله تعالى، وللزوج، {حافِظاتٌ للغَيْبِ} أي حافظاتٌ مالَ الزوج وعرضه لحديث: «وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله» {بما حَفِظَ الله} أي بحفظ الله تعالى لها وإعانته لها إذ لو وكلت إلى نفسها لا تستيطع حفظ شيء وإنْ قَل. وفي سياق الكلام ما يشير إلى محذوف يفهم ضمناً وذلك أن الثناء عليهن من قبل الله تعالى يستوجب من الرجل إكرام المرأة الصالحة والإِحسان إليها والرفق بها لضعفها، وهذا ما ذكرته أولاً نبهت عليه هنا ليعلم أنه من دلالة الآية الكريمة، وقد ذكره غير واحد من السلف.
وقوله تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظموهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً}.
فإنه تعالى يرشد الأزواج إلى كيفية علاج الزوجة إذا نشزت أي ترفعت على زوجها ولم تؤي إليه حقوقه الوجبة له بمقتضى العقد بينهما، فيقول {واللائي تخافون نشوزهن} أي ترفُعن بما ظهر لكم من علامات ودلائل كأن يأمرها فلا تطيع ويدعوها فلا تجيب وينهاها فلا تنتهي، فاسلكوا معهن السبيل الآتي: {فعظموهن} أولاً، والوعظ تذكيرها بما للزوج عليها من حق يجب أداؤه، وما يترتب على إضاعته من سخط الله تعالى وعذابه، وبما قد ينجم من إهمالها في ضربها أو طلاقها فالوعظ ترغيب بأجر الصالحات القانتات، وترهيب من عقوبة المفسدات العاصيات فإن نفع الوعظ فيها وإلا فالثانية وهي أن يهجرها الزوج في الفراش فلا يكلمها وهو نائم معها على فراش واحد وقد أعطاها ظهره فلا يكلمها ولا يجامعها وليصبر على ذلك حتى تؤوب إلى طاعته وطاعة الله ربهما معاً وإن أصرت ولم يجد معها الهجران في الفراش، فالثالثة وهي أن يضربها ضرباً غير مبرح لا يشين جارحة ولا يكسر عضواً. وأخيراً فإن هي أطاعت زوجها فلا يحل بعد ذلك أن يطلب الزوج طريقاً إلى أذيّتها لا بضرب ولا بهجران لقوله تعالى: {فإن أطعنكم} أي الأزواج {فلا تبغوا} أي تطلبوا {عليهن سبيلاً} لأذيتهنّ باختلاق الأسباب وإيجاد العلل والمبررات لأذيتهنّ. وقوله تعالى: {إن الله كان علياً كبيراً} تذييل للكلام بما يشعر من أراد أن يعلو على غيره بما أوتي من قدرة بأن الله أعلى منه وأكبر فليخش الله وليترك من علوه وكبريائه.
هذا ما تضمنته هذه الآية العظيمة (34) أما الآية الثانية (35) فقد تضمنت حكماً جتماعياً آخر وهو إن حصل شقاق بين زوج وامرأته فأصبح الرجل في شق والمرأة في شق آخر فلا تلاقي بينهما ولا وفاق ولا وئام وذلك لصعوبة الحال فالطريق إلى حل هذا المشكل ما أرشد الله تعالى إليه، وهو أن يبعث الزوج حكماً وتبعث الزوجة أيضا حكما من قبلها، أو يبعث القاضي كذلك الكل جائز لقوله تعالى: {فابعثوا} وهو يخاطب المسلمين على شرط أن يكون الحكم عدلا عالماً بصيرا حتى يمكنه الحكم والقضاء. بالعدل. فيدررس الحكمان القضية أولا من طرفي النزاع ويتعرفان إلى أسباب الشقاق وبما في نفس الزوجين من رضى وحب، وكراهية وسخط ثم يجتمعان على اصلاح ذات البين فإن أمكن ذلك فيها وإلا فرقا بينهما برضا الزوجين. مع العلم أنهما إذا ثبت لهما ظلم أحدهما فإن عليهما أن يطالبا برفع الظلم فإن كان الزوج هو الظالم فليرفع ظلمه وليؤذ ما وجب عليه، وإن كانت المرأة هي الظالمة فإنها ترفع ظلمها أو تفدي نفسها بمال فيخالعها به زوجها هذا معنى قوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما}، والخوف هنا بمعنى التوقيع الأكيد بما ظهر من علامات ولاح من دلائل فيعالج الموقف قبل التأزم الشديد {فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها}، لأنهما أعرف بحال الزوجين من غيرهما وقوله تعالى: {إن يريدا إصلاحاً} فإنه يعني الحكمين، {يوفق الله بينهما} أي إن كان قصدهما الإِصلاح والجمع بين الزوجين وإزالة الشقاق والخلاف بينهما فإن الله تعالى يعينهما على مهمتها ويبارك في مسعاهما ويكلله بالنجاح.
وقوله تعالى: {إن الله كان عليما خبيرا}. ذكر تعليلاً لما واعد به تعالى من التوفيق بين الحكمين، إذ لو لم يكن عليماً خبيراً ما عرف نيات الحكمين وما يجرى في صدورهما من إرادة أو الإِفساد.

.من هداية الآيتين:

1- تقرير مبدأ القيومية للرجال على النساء وبخاصة الزوج على زوجته.
2- وجوب إكرام الصالحات والإِحسان إليهن.
3- بيان علاج مشكلة نشوز الزوجة وذلك بوعظها أولاً ثم هجرانها في الفراش ثانيا، ثم بضربها ثالثا.
4- لا يحل اختلاق الأسباب وإيجاد مبررات لأذية المرأة بضرب وبغيره.
5- مشروعية التحكيم في الشقاق بين الزوجين وبيان ذلك.

.تفسير الآيات (36- 39):

{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39)}

.شرح الكلمات:

{اعبدوا الله}: الخطاب للمؤمنين ومعنى اعبدوا: أطيعوه في أمره ونهيه مع غاية الذل والحب والتعظيم له عز وجل.
{لا تشركوا به شيئاً}: أي لا تعبدوا معه غيره بأي نوع من أنواع العبادات التي تعبد الله تعالى بها عباده من دعاء وخشية وذبح ونذر وركوع وسجود وغيرها.
{ذوي القربى}: أصحاب القرابات.
{وابن السبيل}: المسافر استضاف أو لم يستضف.
{والجار ذي القربى}: أي القريب لنسب أو مصاهرة.
{الجار الجنب}: أي الأجنبي مؤمناً كان أو كافراً.
{الصاحب بالجنب}: الزوجة، والصديق الملازم كالتلميذ والرفيق في السفر.
{وما ملكت أيمانكم}: من الأرقاء العبيد فتيان وفتيات.
{مختال فخور}: الاختيال: الزهو في المشي، والفخر والافتخار بالحسب والنسب والمال بتعداد ذلك وذكره.
{يبخلون}: يمنعون الواجب بذله من المعروف مطلقا.
{ويكتمون}: يجحدون، ما أعطاهم الله من علم ومال تفضلا منه عليهم.
{قريناً}: القرين: الملازم الذي لا يفارق صاحبه كأنه مشدود معه بقرن أي بحبل.
{وماذا عليهم}: أي أي شيء يضرهم أو ينالهم بمكروه إذا هُمْ آمنوا؟

.معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في هداية المؤمنين، وبيان الأحكام الشرعية لهم ليعملوا بها فيكملوا ويسعدوا ففي الآية الأولى (36) يأمر تعالى المؤمنين بعبادته وتوحيده فيها وبالإِحسان إلى الوالدين وذلك بطاعتهم في المعروف وإسداء الجميل لهم، ودفع الأذى عنهم، وكذا الأقرباء، واليتامى، والمساكين، والجيران مطلقا أقرباء أو أجانب، والصاحب الملازم الذي لا يفارق كالزوجة والمرافق في السفر والعمل والتلمذة والطلب ونحو ذلك من الملازمة التي لا تفارق إلا نادراً إذ الكل يصدق عليه لفظ الصاحب الجنب. وكذا ابن السبيل وما ملكت اليمين من أمة أو عبد والمذكورون الإِحسان إليهم آكد وإلا فالإِحسان معروف يبذلك لكل الناس كما قال تعالى: {وقولوا للناس حسنا} وقال: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} وقوله تعالى: {إن الله لا يحب من كان مختالاً فخور} دال على أن منع الإِحسان الذي هو كف الأذى وبذل المعروف ناتج عن خلق البخل والكبر وهما من شر الأخلاق هذا ما دلت عليه الآية الأولى (36).
وأما الآية الثانية (37) وقد تضمنت بمناسبة ذم البخل والكبر التنديد ببخل بعض أهل الكتاب وكتمانهم الحق وهو ناتج عن بخلهم أيضاً قال تعالى: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم من فضله} أي من مال وعلم وقد كتموا نُعوت النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته عليه في التوراة والإنجيل، وبخلوا بأموالهم وأمروا بالبخل بها، إذ كانوا يقولون للأنصار لا تنفقوا أموالكم على محمد فإنا نخشى عليكم الفقر، وخبر الموصل الذين محذوف تقديره هم الكافرون حقاً دلَّ عليه قوله: {وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً}. هذا ما جاء في هذه الآية الثانية.
أما الآيتان الثالثة (38) والرابعة (39) فإن الأولى منهما قد تضمنت بيان حال أناسٍ آخرين غير اليهود وهم المنافقون فقال تعالى: {والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس} أي مراءاة لهم ليتقوا بذلك المذمة ويحصلوا على المحمدة.

.تفسير الآيات (40- 42):

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)}

.شرح الكلمات:

{الظلم}: وضع شيء في غير موضعه.
{مثقال ذرة}: المثقال: الوزن مأخوذ من الثقل فكل ما يوزن فيه ثقل، والذرة أصغر حجم في الكون حتى قيل إنه الهباء أو رأس النملة.
{الحسنة}: الفعلة الجميلة من المعروف.
{يضاعفها}: يريد فيها ضعفها.
{من لدنه}: من عنده.
{أجرا عظيما}: جزاء كبيرا وثواباً عظيما.
{الشهيد}: الشاهد على الشيء لعلمه به.
{يود}: يحب.
{تسوى بهم الأرض}: يكونون تراباً مثلها.
{ولا يكتمون الله حديثا}: أي لا يخفون كلاماً.

.معنى الآيات:

لما أمر تعالى في الآيات السابقة بعبادته والإِحسان إلى من ذكر من عباده. وأمر بالانفاق في سبيله، وندد بالبخل والكبر والفخر، وكتمان العلم، وكان هذا يتطلب الجزاء بحسبه خيراً أو شراً ذكر في هذه الآية (40): {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً}، ذكر عدله في المجازاة ورحمته، فأخبر أنه عند الحساب لا يظلم عبده وزن ذرة أصغر شيء وذلك بأن لا ينقص من حسناته حسنة، ولا يزيد في سَيَئاتِه سيئة، وان توجد لدى مؤمن حسنة واحدة يضاعفها بأضعاف يعلمها هو ويعط من عنده بدون مقابل أجراً عظيما لا يقادر قدره فلله الحمد والمنة هذا ما تضمنته الآية الأولى (40) أما الآية الثانية (41) فإنه تعالى ذكر الجزاء والحساب الدالة عليه السياق ذكر ما يدل على هول يوم الحساب وفظاعة الأمر فيه، فخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم قائلا: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شيهداً} ومعنى الكريمة فكيف تكون حال أهل الكفر والشر والفساد إذا جاء الله تعالى بشهيد من كل أمة ليشهد عليها فيما أطاعت وفيما عصت ليتم الحساب بحسب البينات والشهود والجزاء بحسب الكفر والإِيمان والمعاصي والطاعات، وجئنا بك أيها الرسول الخليل صلى الله عليه وسلم شهيداً على هؤلاء أي على أمته صلى الله عليه وسلم من آمن به ومن كفر إذ يشهد أنه بلغ رسالته وأدى أمانته صلى الله عليه وسلم. هذا ما تضمنته الآية الثانية أما الآية الثالثة (42) فإنه تعالى لما ذكر ما يدل على هول يوم القيامة في الآية (41) ذكر مثلا لذلك الهول وهو أن الذين كفروا يودون وقد عصوا الرسول لويسوون بالأرض فيكونون تراباً حتى لا يحاسبوا ولا يجزوا بجهنم. وأنهم في ذلك اليوم لا يكتمون الله كلاما؛ إذ جوارحهم تنطق فتشهد عليهم. قال تعالى: {يومئذ} أي يوم يؤتى من كل أمة بشهيد {يود الذين كفروا لو تسوى بهم الأرض} فيكونون تراباً مثلها. مرادهم أن يسووا هم الأرض فيكونون ترابا وخرج الكلام على معنى أدخلت رأسي في القلنسوة والأصل أدخلت القلنسوة في رأسي وقوله: {ولا عليهم} بعد أن يختم على أفواههم، كما قال تعالى من سورة يس: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون}

.من هداية الآيتين:

1- بيان عدالة الله تعالى ورحمته ومزيد فضله.
2- بيان هول يوم القيامة حتى إن الكافر ليود أن لو سويت به الأرض فكان تراباً.
3- معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بآثار الشهادة على العبد يوم القيامة إذا أخبر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما «اقرأ عليَّ القرآن» فقلت أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: «أحب أن أسمعه من غيري». قال: فقرأت {يا أيها الناس اتقوا ربكم} حتى وصلت هذه الآية: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} الآية وإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان الدموع وهو يقول: «حسبك» أي كفاك ما قرأت علّي.

.تفسير الآية رقم (43):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)}

.شرح الكلمات:

{لا تقربوا}: لا تدنوا كناية عن الدخول فيها، أو لا تدنوا من مساجدها.
{سكارى}: جمع كسران وهو من شرب مسكراً فستر عقله وغطاه.
{تعلموا ما تقولون}: لزوال السكر عنكم ببعد شربه عن وقت الصلاة وهذا كان قبل تحريم الخمر وسائر المسكرات.
{ولا جنباً}: الجنب: من به جنابة وللجنابة سببان جماع، أو احتلام.
{عابري سبيل}: مارين بالمسجد مروراً بدون جلوس فيه.
{الغائط}: المكان المنخفض للتغوط: أي التبرز فيه.
{لامستم النساء}: جامعتموهن.
{فتيمموا صعيداً طيباً}: اقصدوا تراباً طاهراً.
{عفواً غفوراً}: عفواً: لا يؤاخذ على كل ذنب، غفوراً: كثير المغفرة لذنوب عباده التائبين إليه.

.معنى الآية الكريمة:

لا شك أن لهذه الآية سبباً نزلت بمقتضاه وهو أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه حسب رواية الترمذي أقام مأدبة لبعض الأصحاب فأكلوا وشربوا وحضرت الصلاة فقاموا لها وتقدم أحدهم يصلي بهم فقرأ بسورة الكافرون وكان ثملان فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، وهذا باطل وواصل قراءته بحذف حروف النفي فنزلت {يا أيها الذين آمنوا.......} أي ما من صدقتم بالله ورسوله، {لا تقربوا الصلاة} أي لا تدخلوا فيها، والحال أنكم سكارى من الخمر إذ كانت يومئذ حلالاً غير حرام، حتى تكون عقولكم تامة تميزون بها الخطأ من الصواب حتى تغتسلوا اللهم من كان منكم عابر سبيل، إذ كانت طرق بعضهم إلى منازلهم على المسجد النبوي. {وإن كنتم مرضى} بجراحات يضرها الماء {أو جَاءَ أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء} بمضاجعتهن أو مسستموهن بقصد الشهوة {فلم تجدوا ماءً} تغتسلون به إن كنتم جنباً أو تتوضأون به إن كنتم محدثين حدثاً أصغر {فتيمموا صعيداً طيباً} أي اقصدوا تراباً طاهراً {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} مرة واحدة فإن لك مجزيء لكم عن الغسل والوضوء فإن صح المريض أو وُجد الماء فاغتسلوا أو توضأوا ولا تيمموا لا نتفاء الرخصة بزوال المرض أو وجود الماء. وقوله تعالى في ختام الآية: {إن الله كان عفواً غفورا} يخبر تعالى عن كماله المطلق فيصف نفسه بالعفو عن عباده المؤمنين إذا خالفوا أمره، وبالمغفرة لذنوبهم إذا هم تابوا إليه، ولذا هو عز وجل لم يؤاخذهم لما صلَّوا وهم سكارى لم يعرفوا ما يقولون، وغفر لهم وأنزل هذا القرآن تعليماً لهم وهداية لهم.

.من هداية الآية الكريمة:

1- تقرير مبدأ النسخ للأحكام الشرعية في القرآن والسنة.
2- حرمة مكث الجنب في المسجد، وجواز العبور والاجتياز بدون مكث.
3- وجوب الغسل على الجنب وهو من قامت به جنابة بأن احتلم فرأى الماء أو جامع أهله فأولج ذكره في فرج امرأته ولو لم ينزل ماءً.
وكيفية الغسل: أن يغسل كفيه قائلاً: بسم الله ناوياً رفع الحدث الأكبر ثم يستنجي فيغسل فَرجَيْهِ وما حولهما، ثم يتوطأ فيغسل كفيه ثلاثاً، ثم يتمضمض ويستنشق الماء، ويستثره ثلاثاً، ثم يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه وأذنيه مرة واحدة ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثم يغمس كفيه في الماء ثم يخلل أصول شعر رأسه، ثم يحثو الماء على رأسه يغسله بكل حثوة، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن يَغْسِلُه، ثم على شقه الأيسر يَغْسِله. من أعلاه إلى أسفله، ويتعهد بالماء إبطيه وكل مكان من جسمه ينبوا عنه الماء كالسرة وتحت الركبتين.
4- إذا لم يجد المرء التراب لمطر ونحوه تيمم بكل أجزاء الأرض من رمل وسبخة وحجارة والتيمم هو أن يضرب بكفه الأرض ثم يمسح وجهه وكفيه بهما لحديث عمار رضي الله عنه في الصحيح.
5- بيان عفو الله وغفرانه لعدم مؤاخذة من صلوا وهم سكارى.

.تفسير الآيات (44- 46):

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)}

.شرح الكلمات:

{ألم تر}: الم تبصر أي بقلبك أي تعلم.
{نصيباً}: حظاً وقسطاً.
{يشترون الضلالة}: أي الكفر بالايمان.
{الأعداء}: جمع عدو وهو من يقف بعيداً عنك يود ضرك ويكره نفعك.
{هادوا}: أي اليهود قيل لهم ذلك لقولهم: {إنا هدنا إليك} أي تبنا ورجعنا.
{يحرفون}: التحريف: الميل بالكلام عن معناه إلى معنى باطل للتضليل.
{الكلم}: الكلام وهو كلام الله تعالى في التوراة.
{واسمع غير مسمع}: أي اسمع ما تقول لا أسمعك الله. وهذا كفر منهم صريح.
{وطعناً في الدين}: سبهم للرسول صلى الله عليه وسلم هو الطعن الأعظم في الدين.
{وانظرنا}: وَأمهلنا حتى نسمع فنفهم.
{أقوم}: أعدل وأصوب.
{لعنهم الله بكفرهم}: طردهم من رحمته وأبعدهم من هداه بسبب كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم.

.معنى الآيات:

روي أن هذه الآيات نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت أحد عظماء اليهود بالمدينة، كان إذا كلم رسول صلى الله عليه وسلم لَوَّى لسانه وقال راعنا سمعك يا محمد نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه فأنزل الله تعالى هذه الآيات الثلاث إلى قوله: {فلا يؤمنون إلا قليلاً} وهذا شرحها: قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل} أي ألم ينته إلى علمك وإلى علم أصحابك ما يحملكم على التعجب: العلم بالدين أتوا نصيباً من الكتاب وهم رفاعة بن زيد وإخوانه من اليهود، أعطوا حظاً من التوراة فعرفوا صحة الدين الإِسلامي، وصدق نبيه صلى الله عليه وسلم {يشترون الضلالة} وهو الكفر يشترونها بالايمان، حيث جحدوا نعوت النبي وصفاته في التوراة للإِبقاء على مركزهم بين قومهم وهو الإِيمان بالله ورسوله والعمل بطاعتهما للإِسعاد والإِكمال. {والله أعلم بأعدائكم} الذين يودون ضركم ولا يدودون نفعكم، ولذا أخبركم بهم لتعرفوهم وتجتنبوهم فتنجوا من مكرهم وتضليلهم. {وكفى بالله ولياً} لكم تعتمدون عليه وتفوضون أموركم إليه {وكفى بالله نصيراً} ينصركم عليهم وعلى غيرهم فاعبدوه وتوكلوا عليه. {من الذين هادوا يحرفون} كلام الله تعالى في التوراة وتحريف بالميل به عن القصد، أو بتبديله وتغييره تضليلاً للناس وإبعاداً لهم عن الحق المطلوب منهم الإِيمان به والنطقُ والعمل به. ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم كفراً وعناداً {سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع} أي لا أسمعك الله {وراعنا} وهي كلمة ظاهرها أنها من المراعاة وباطنها الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اليهود يعدونها من الرعونة {بألسنتهم وطعناً في الدين} أي يلوون ألسنتهم بالكلمة التي يسبون بها حتى لا تظهر عليهم، ويطعنون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا} أي انتظرنا بدل راعنا لكان خيراً لهم وأقوم أي أعدل وأكثر لياقة وأدباً ولكن لا يقولون هذا لأن الله تعالى لعنهم وحرمهم من كل توفيق بسبب كفرهم ومكرهم فهم لا يؤمنون إلا قليلاً.
اي إيماناً لا ينفعهم لقلته فهو لا يصلح أخلاقهم ولا يطهر نفوسهم ولا يهيئهم للكمال في الدنيا ولا في الآخرة.

.من هداية الآيات:

1- بيان مكر اليهود بالمؤمنين بالعمل على إضلالهم في عهد النبوة وإلى اليوم.
2- في كفاية الله للمؤمنين ونصرته ما يغنيهم أن يطلبوا ذلك من أحد غير ربهم عز وجل.
3- الكشف عن سوء نيات وأعمال اليهود إزاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
4- الإِيمان القليل لا يجدي صاحبه ولا ينفعه بحال.