فصل: النَّوْعُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي مُجْمَلِهِ وَمُبَيَّنِهِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الإتقان في علوم القرآن (نسخة منقحة)



.النَّوْعُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي مُجْمَلِهِ وَمُبَيَّنِهِ:

مُجْمَل الْقُرْآنِ وَمَبِينه الْمُجْمَلُ: مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ، وَهُوَ وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ، خِلَافًا لِدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ.
وَفِي جَوَازِ بَقَائِهِ مُجْمَلًا أَقْوَالٌ: أَصَحُّهَا لَا يَبْقَى الْمُكَلَّفُ بِالْعَمَلِ بِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَلِلْإِجْمَالِ أَسْبَابٌ:
مِنْهَا: الِاشْتِرَاكُ نَحْوَ: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التَّكْوِير: 17]، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ. {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [الْبَقَرَة: 228] فَإِنَّ الْقُرْءَ مَوْضُوعٌ لِلْحَيْضِ وَالطُّهْرِ. {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [الْبَقَرَة: 237] يَحْتَمِلُ الزَّوْجَ وَالْوَلِيَّ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَمِنْهَا: الْحَذْفُ: نَحْوَ: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النِّسَاء: 127]. يَحْتَمِلُ (فِي) وَ(عَنْ).
وَمِنْهَا: اخْتِلَافُ مَرْجِعِ الضَّمِير: نَحْوَ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فَاطِرٍ: 10] يَحْتَمِلُ عَوْدُ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي (يَرْفَعُهُ) إِلَى مَا عَادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ (إِلَيْهِ) وَهُوَ اللَّهُ.
وَيَحْتَمِلُ عَوْدُهُ إِلَى الْعَمَلِ؛ وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ.
وَيَحْتَمِلُ عَوْدُهُ إِلَى الْكَلِمِ الطَّيِّب: أَيْ: أَنَّ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ- وَهُوَ التَّوْحِيدُ- يَرْفَعُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعَمَلُ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ.
وَمِنْهَا: احْتِمَالُ الْعَطْفِ وَالِاسْتِئْنَاف: نَحْوَ: {إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ} [آلِ عِمْرَانَ: 7].
وَمِنْهَا غَرَابَةُ اللَّفْظ: نَحْوَ: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} [الْبَقَرَة: 232].
وَمِنْهَا عَدَمُ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال: نَحْوَ: {يُلْقُونَ السَّمْعَ} [الشُّعَرَاء: 223] أَيْ: يَسْمَعُونَ.
{ثَانِيَ عِطْفِهِ} [الْحَجّ: 9] أَيْ: مُتَكَبِّرًا. {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} [الْكَهْف: 42] أَيْ: نَادِمًا.
وَمِنْهَا: التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ: نَحْوَ: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} [طه: 129] أَيْ: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ وَأَجَلٌ مُسَمًّى لَكَانَ لِزَامًا. {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} [الْأَعْرَاف: 187] أَيْ: يَسْأَلُونَكَ عَنْهَا كَأَنَّكَ حَفِيٌّ.
وَمِنْهَا: قَلْبُ الْمَنْقُول: نَحْوَ: {وَطُورِ سِينِينَ} [التِّين: 2] أَيْ: سَيْنَاءَ. {عَلَى إِلْ يَاسِينَ} [الصَّافَّات: 130] أَيْ: عَلَى إِلْيَاسَ.
وَمِنْهَا: التَّكْرِيرُ الْقَاطِعُ لِوَصْلِ الْكَلَامِ فِي الظَّاهِر: نَحْوَ: {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} [الْأَعْرَاف: 75].

.فَصْلٌ: قَدْ يَقَعُ التَّبْيِينُ مُتَّصِلًا وَمُنْفَصِلًا:

قَدْ يَقَعُ التَّبْيِينُ مُتَّصِلًا، مِنْ أَقْسَامِ الْبَيَانِ فِي الْقُرْآن الْكَرِيم نَحْوَ: مِنَ الْفَجْرِ بَعْدَ قَوْلِه: {الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [الْبَقَرَة: 187].
وَمُنْفَصِلًا فِي آيَةٍ أُخْرَى، نَحْوَ: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [الْبَقَرَة: 230] بَعْدَ قَوْلِه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [الْبَقَرَة: 229] فَإِنَّهَا بَيَّنَتْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الطَّلَاقُ الَّذِي تُمْلَكُ الرَّجْعَةُ بَعْدَهُ، وَلَوْلَاهَا لَكَانَ الْكُلُّ مُنْحَصِرًا فِي الطَّلْقَتَيْنِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ فِي نَاسِخِهِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُمْ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [الْبَقَرَة: 229] فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ؟ قَالَ: التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ».
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرَ اللَّهُ الطَّلَاقَ مَرَّتَيْنِ، فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ؟ قَالَ: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [الْبَقَرَة: 229]».
وَقَوْلُهُ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [الْقِيَامَة: 22- 23] دَالٌّ عَلَى جَوَازِ الرُّؤْيَةِ، وَيُفَسِّرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِه: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الْأَنْعَام: 103] لَا تُحِيطُ بِهِ، دُونَ (لَا تَرَاهُ).
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِه: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ لَا تُحِيطُ بِهِ.
وَأَخْرَجَ عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّهُ قِيلَ لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ الرُّؤْيَة: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}؟ فَقَالَ: أَلَسْتَ تَرَى السَّمَاءَ؟ أَفَكُلُّهَا تُرَى؟!
وَقوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} الْآيَةَ [الْمَائِدَة: 1].
فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [الْمَائِدَة: 3].
وَقَوْلُهُ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الْفَاتِحَة: 4] فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ} الْآيَةَ [الِانْفِطَار: 17، 18، 19].
وَقوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} [الْبَقَرَة: 37] فَسَّرَهُ قَوْلُهُ: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} الْآيَةَ [الْأَعْرَاف: 23].
وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا} [الزُّخْرُف: 17] فَسَّرَهُ قَوْلُهُ فِي آيَةِ النَّحْلِ [58]: {بِالْأُنْثَى}.
وَقَوْلُهُ: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [الْبَقَرَة: 40] قَالَ الْعُلَمَاءُ: بَيَانُ هَذَا الْعَهْدِ قَوْلُهُ: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي} [الْمَائِدَة: 12] إِلَى آخِرِهِ، فَهَذَا عَهْدُهُ، وَعَهْدُهُمْ: {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [الْمَائِدَة: 12] إِلَى آخِرِهِ.
وَقَوْلُهُ: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الْفَاتِحَة: 7] بَيَّنَهُ قَوْلُهُ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} الْآيَةَ [مَرْيَمَ: 58].
وَقَدْ يَقَعُ التَّبْيِينُ بِالسُّنَّةِ، مِثْلَ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [الْبَقَرَة: 43]، {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آلِ عِمْرَانَ: 97]. وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَمَقَادِيرَ نُصُبِ الزَّكَوَاتِ فِي أَنْوَاعِهَا بَيَان السَّنَة لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
تَنْبِيهٌ:
اخْتُلِفَ فِي آيَاتٍ هَلْ هِيَ مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ أَوْ لَا؟
مِنْهَا: آيَةُ السَّرِقَة: قِيلَ: إِنَّهَا مُجْمَلَةٌ فِي الْيَدِ؛ لِأَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الْعُضْوِ إِلَى الْكُوعِ وَإِلَى الْمِرْفَقِ، وَإِلَى الْمَنْكِبِ. وَفِي الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْإِبَانَةِ، وَعَلَى الْجُرْحِ، وَلَا ظُهُورَ لِوَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِبَانَةُ الشَّارِعِ مِنَ الْكُوعِ تُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَا إِجْمَالَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ ظَاهِرٌ فِي الْإِبَانَةِ.
وَمِنْهَا {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [الْمَائِدَة: 6] قِيلَ: إِنَّهَا مُجْمَلَةٌ؛ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ مَسْحِ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ، وَمَسْحُ الشَّارِعِ النَّاصِيَةَ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ. وَقِيلَ: لَا، وَإِنَّمَا هِيَ لِمُطْلَقِ الْمَسْحِ الصَّادِقِ بِأَقَلِّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَيُفِيدُهُ.
وَمِنْهَا {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النِّسَاء: 23] قِيلَ: مُجْمَلَةٌ؛ لِأَنَّ إِسْنَادَ التَّحْرِيمِ إِلَى الْعَيْنِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِأُمُورٍ لَا حَاجَةَ إِلَى جَمِيعِهَا، وَلَا مُرَجِّحَ لِبَعْضِهَا.
وَقِيلَ: لَا، لِوُجُودِ الْمُرَجِّحِ، وَهُوَ الْعُرْفُ؛ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِأَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيمُ الِاسْتِمْتَاعِ بِوَطْءٍ أَوْ نَحْوِهِ.
وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا عُلِّقَ فِيهِ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ بِالْأَعْيَانِ.
وَمِنْهَا: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} مَا قِيلَ فَى إِجْمَالهَا وَتَفْصِيلهَا [الْبَقَرَة: 275]: قِيلَ: إِنَّهَا مُجْمَلَةٌ؛ لِأَنَّ الرِّبَا الزِّيَادَةُ، وَمَا مِنْ بَيْعٍ إِلَّا وَفِيهِ زِيَادَةٌ، فَافْتَقَرَ إِلَى بَيَانِ مَا يَحِلُّ وَمَا يَحْرُمُ.
وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَنْقُولٌ شَرْعًا، فَحُمِلَ عَلَى عُمُومِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا عَامَّةٌ؛ فَإِنَّ لَفْظَهَا لَفْظُ عُمُومٍ يَتَنَاوَلُ كُلَّ بَيْعٍ، وَيَقْتَضِي إِبَاحَةَ جَمِيعِهَا إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بُيُوعٍ كَانُوا يَعْتَادُونَهَا، وَلَمْ يُبَيِّنِ الْجَائِزَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ تَنَاوَلَتْ إِبَاحَةَ جَمِيعِ الْبُيُوعِ، إِلَّا مَا خُصَّ مِنْهَا، فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَخْصُوصَ. قَالَ: فَعَلَى هَذَا فِي الْعُمُومِ قَوْلَان:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ، وَإِنْ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ. قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَيَانَ فِي الثَّانِي مُتَقَدِّمٌ عَلَى اللَّفْظِ، وَفِي الْأَوَّلِ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ مُقْتَرِنٌ بِهِ.
قَالَ: وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مَا لَمْ يَقَعْ دَلِيلُ تَخْصِيصٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ لَا يُعْقَلُ مِنْهَا صِحَّةُ بَيْعٍ مِنْ فَسَادِهِ إِلَّا بِبَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: هَلْ هِيَ مُجْمَلَةٌ بِنَفْسِهَا أَمْ بِعَارِضِ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْبُيُوعِ؟ وَجْهَانِ. وَهَلِ الْإِجْمَالُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ دُونَ لَفْظِهَا؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ اسْمٌ لُغَوِيٌّ مَعْنَاهُ مَعْقُولٌ، لَكِنْ لَمَّا قَامَ بِإِزَائِهِ مِنَ السُّنَّةِ مَا يُعَارِضُهُ تَدَافَعُ الْعُمُومَانِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الْمُرَادُ إِلَّا بِبَيَانِ السُّنَّةِ، فَصَارَ مَحَلًّا لِذَلِكَ دُونَ اللَّفْظِ، أَوْ فِي اللَّفْظِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ مِنْهُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَكَانَتْ لَهُ شَرَائِطُ غَيْرَ مَعْقُولَةٍ فِي اللُّغَةِ كَانَ مُشْكِلًا أَيْضًا؟ وَجْهَان:
قَالَ: وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى صِحَّةِ بَيْعٍ وَلَا فَسَادِهِ؛ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ مِنْ أَصْلِهِ.
قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْمُجْمَلِ، حَيْثُ جَازَ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِ الْعُمُومِ وَلَمْ يَجُزِ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِ الْمُجْمَلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا عَامَّةٌ مُجْمَلَةٌ مَعًا، قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ ذَلِكَ عَلَى أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْعُمُومَ فِي اللَّفْظِ وَالْإِجْمَالَ فِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عَامًّا مَخْصُوصًا، وَالْمَعْنَى مُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعُمُومَ فِي: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} وَالْإِجْمَالَ فِي: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [الْبَقَرَة: 275].
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ مُجْمَلًا، فَلَمَّا بَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَارَ عَامًّا فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي الْمُجْمَلِ قَبْلَ الْبَيَانِ، وَفِي الْعُمُومِ بَعْدَ الْبَيَانِ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِهَا فِي الْبُيُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهَا تَنَاوَلَتْ بَيْعًا مَعْهُودًا، وَنَزَلَتْ بَعْدَ أَنْ أَحَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُيُوعًا وَحَرَّمَ بُيُوعًا، فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ؛ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِهَا. انْتَهَى.
وَمِنْهَا: الْآيَاتُ الَّتِي فِيهَا الْأَسْمَاءُ الشَّرْعِيَّةُ هَلْ هِي مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ أو الْمُحْتَمَل وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُجْمَلِ وَالْمُحْتَمَلِ، نَحْوَ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [الْبَقَرَة: 43]. {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [الْبَقَرَة: 185]، {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آلِ عِمْرَانَ: 97]. قِيلَ: إِنَّهَا مُجْمَلَةٌ، لِاحْتِمَالِ الصَّلَاةِ لِكُلِّ دُعَاءٍ، وَالصَّوْمِ لِكُلِّ إِمْسَاكٍ، وَالْحَجِّ لِكُلِّ قَصْدٍ. وَالْمُرَادُ بِهَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ اللُّغَةُ، فَافْتَقَرَ إِلَى الْبَيَانِ.
وَقِيلَ: لَا، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى كُلِّ مَا ذُكِرَ إِلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ الْحَصَّار: مِنَ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ الْمُجْمَلَ وَالْمُحْتَمَلَ بِإِزَاءِ شَيْءٍ وَاحِدٍ.
قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُجْمَلَ: اللَّفْظُ الْمُبْهَمُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَالْمُحْتَمَلَ: اللَّفْظُ الْوَاقِعُ بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مَفْهُومَيْنِ فَصَاعِدًا، سَوَاءً كَانَ حَقِيقَةً فِي كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا.
قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْمُحْتَمَلَ يَدُلُّ عَلَى أُمُورٍ مَعْرُوفَةٍ، وَاللَّفْظُ مُشْتَرِكٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا، وَالْمُبْهَمَ: لَا يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ مَعْرُوفٍ، مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُفَوِّضْ لِأَحَدٍ بَيَانَ الْمُجْمَلِ، بِخِلَافِ الْمُحْتَمَلِ.

.النَّوْعُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِي نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ:

أَفْرَدَهُ بِالتَّصْنِيفِ خَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ، مِنْهُمْ: أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، وَأَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَمَكِّيٌّ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَآخَرُونَ.
قَالَ الْأَئِمَّةُ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرَ كِتَابَ اللَّهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ. فِي الْقُرْآن الْكَرِيم.
وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ لِقَاصٍ: أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ.
وَفِي هَذَا النَّوْعِ مَسَائِلُ:

.(المسألة) الْأُولَى:

يَرِدُ النَّسْخُ بِمَعْنَى الْإِزَالَةِ، وَمِنْهُ قوله: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} [الْحَجّ: 52].
وَبِمَعْنَى التَّبْدِيلِ، وَمِنْهُ: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النَّحْل: 101].
وَبِمَعْنَى التَّحْوِيلِ، كَتَنَاسُخِ الْمَوَارِيثِ، بِمَعْنَى تَحْوِيلِ الْمِيرَاثِ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى وَاحِدٍ.
وَبِمَعْنَى النَّقْلِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، وَمِنْهُ: نَسَخْتُ الْكِتَابَ، إِذَا نَقَلْتُ مَا فِيهِ، حَاكِيًا لِلَفْظِهِ وَخَطِّهِ.
قَالَ مَكِّيٌّ: وَهَذَا الْوَجْهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ، وَأَنْكَرَ عَلَى النَّحَّاسِ إِجَازَتَهُ ذَلِكَ، مُحْتَجًّا بِأَنَّ النَّاسِخَ فِيهِ لَا يَأْتِي بِلَفْظِ الْمَنْسُوخِ؛ وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَأْتِي بِلَفْظٍ آخَرَ.
وَقَالَ السَّعِيدِيُّ: يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ النَّحَّاسُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الْجَاثِيَة: 29]. وَقَالَ: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزُّخْرُف: 4].
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا نَزَلَ مِنَ الْوَحْيِ نُجُومًا جَمِيعُهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الْوَاقِعَة: 78- 79].

.(المسألة) الثَّانِيَةُ:

النَّسْخُ مِمَّا خَصَّ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ لِحِكَمٍ، مِنْهَا التَّيْسِيرُ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهِ، وَأَنْكَرَهُ الْيَهُودُ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ بَدَاءٌ، كَالَّذِي يَرَى الرَّأْيَ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ بَيَانُ مُدَّةِ الْحُكْمِ كَالْإِحْيَاءِ بَعْدَ الْإِمَاتَةِ وَعَكْسِهِ، وَالْمَرَضِ بَعْدَ الصِّحَّةِ وَعَكْسِهِ، وَالْفَقْرِ بَعْدَ الْغِنَى وَعَكْسِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ بَدَاءً، هَكَذَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ:
فَقِيلَ: لَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ إِلَّا بِقُرْآنٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [الْبَقَرَة: 106] قَالُوا: وَلَا يَكُونُ مِثْلَ الْقُرْآنِ وَخَيْرًا مِنْهُ إِلَّا قُرْآنٌ.
وَقِيلَ: بَلْ يُنْسَخُ الْقُرْآنُ بِالسُّنَّةِ، لِأَنَّهَا أَيْضًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النَّجْم: 3].
وَجُعِلَ مِنْهُ آيَةُ الْوَصِيَّةِ الْآتِيَةُ.
وَالثَّالِثُ: إِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ بِأَمْرِ اللَّهِ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ نَسَخَتْ، وَإِنْ كَانَتْ بِاجْتِهَادٍ فَلَا. حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حَيْثُ وَقَعَ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، فَمَعَهَا قُرْآنٌ عَاضِدٌ لَهَا، وَحَيْثُ وَقَعَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ فَمَعَهُ سُنَّةٌ عَاضِدَةٌ لَهُ؛ لِيَتَبَيَّنَ تَوَافُقُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
وَقَدْ بُسِطَتْ فُرُوعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِي الْأُصُولِ.