فصل: تفسير الآيات (51- 53):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآية رقم (44):

{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)}
{فِيهَا هُدًى} يهدي للحق والعدل {وَنُورٌ} يبين ما استبهم من الأحكام {الذين أَسْلَمُواْ} صفة أجريت على النبيين على سبيل المدح، كالصفات الجارية على القديم سبحانه لا للتفصلة والتوضيح، وأريد بإجرائها التعريض باليهود، وأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم في القديم والحديث، وأنّ اليهودية بمعزل منها. وقوله: {الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ} مناد على ذلك {والربانيون والأحبار} والزهاد والعلماء من ولد هارون، الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود {بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله} بما سألهم أنبياؤهم حفظه من التوراة، أي بسبب سؤال أنبيائهم إياهم أن يحفظوه من التغيير والتبديل، و(من) في (من كتاب الله) للتبيين {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء} رقباء لئلا يبدل. والمعنى يحكم بأحكام التوراة النبييون- بين موسى وعيسى وكان بينهماألف بني وعيسى- للذين هادوا يحملونهم على أحكام التوراة لا يتركونهم أن يعدلوا عنها، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حملهم على حكم الرجم وإرغام أنوفهم، وإبائه عليهم ما اشتهوه من الجلد. وكذلك حكم الربانيون والأحبار والمسلمون بسبب ما استحفظهم أنبياؤهم من كتاب الله والقضاء بأحكامه، وبسبب كونهم عليه شهداء. ويجوز أن يكون الضمير في (استحفظوا) للأنبياء والربانيين والأحبار جميعاً ويكون الاستحفاظ من الله، أي كلفهم الله حفظه وأن يكونوا عليه شهداء {فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس} نهي للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم وإدهانهم فيها وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد من القرباء والأصدقاء {وَلاَ تَشْتَرُواْ} ولا تستبدلوا ولا تستعيضوا {بآياتي} وأحكامه {ثَمَناً قَلِيلاً} وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس، كما حرّف أحبار اليهود كتاب الله وغيروا أحكامه رغبة في الدنيا وطلباً للرياسة فهلكوا {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله} مستهيناً به {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون} والظالمون والفاسقون: وصف لهم بالعتوّ في كفرهم حين ظلموا آيات الله بالاستهانة. وتمرّدوا بأن حكموا بغيرها.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنّ الكافرين والظالمين والفاسقين: أهل الكتاب. وعنه: نعم القوم أنتم، ما كان من حلو فلكم، ومن كان من مرة فهو لأهل الكتاب، من جحد حكم الله كفر، ومن لم يحكم به وهو مقرّ فهو ظالم فاسق.
وعن الشعبي: هذه في أهل الإسلام والظالمون في اليهود، والفاسقون في النصارى.
وعن ابن مسعود: هو عام في اليهود وغيرهم.
وعن حذيفة: أنتم أشبه الأمم سمتاً ببني إسرائيل: لتركبن طريقهم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟.

.تفسير الآية رقم (45):

{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)}
في مصحف أبيّ: (وأنزل الله على بني إسرائيل فيها): وفيه: (وأن الجروح قصاص). والمعطوفات كلها قرئت منصوبة ومرفوعة، والرفع للعطف على محل أن النفس، لأن المعنى وكتبنا عليهم النفس بالنفس، إما لإجراء كتبنا مجرى قلنا، وإما لأنّ معنى الجملة التي هي قولك النفس بالنفس مما يقع عليه الكتاب كما تقع عليه القراءة. تقول: كتبت الحمد لله، وقرأ سورة أنزلناها. ولذلك قال الزجاج: لو قرئ: إن النفس بالنفس، بالكسر؛ لكان صحيحاً. أو للاستئناف. والمعنى: فرضنا عليهم فيها {أَنَّ النفس} مأخوذة {بالنفس} مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق {و} كذلك {العين} مفقوءة {بالعين والأنف} مجدوع {بالأنف والأذن} مصلومة {بالاذن والسن} مقلوعة {بالسن والجروح قِصَاصٌ} ذات قصاص، وهو المقاصة، ومعناه: ما يمكن فيه القصاص وتعرف المساواة.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت: {فَمَن تَصَدَّقَ} من أصحاب الحق {بِهِ} بالقصاص وعفا عنه {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} فالتصدق به كفارة للمتصدق يكفر الله من سيآته ما تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته، وعن عبد الله بم عمرو يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به، وقيل: فهو كفارة للجاني، إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما لزمه، وفي قراءة أبيّ: فهو كفارته له يعني فالمتصدق كفارته له أي الكفارة التي يستحقها له لا ينقص منها، وهو تعظيم لما فعل، كقوله تعالى {فَأَجْرُهُ عَلَى الله} [الشورى: 40] وترغيب في العفو.

.تفسير الآيات (46- 47):

{وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)}
قفيته مثل عقبته، إذا اتبعته ثم يقال قفيته بفلان وعقبته به، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء، فإن قلت: فأين المفعول الأول في الآية؟ قلت: هو محذوف والظرف الذي هو {على ءاثارهم} كالسَّادِّ مسدّه؛ لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه، والضمير في آثارهم للنبيين في قوله: {يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ}.
وقرأ الحسن: (الأَنجيل) بفتح الهمزة؛ فإن صحّ عنه فلأنه أعجمي خرج لعجمته عن زِناتِ العربية، كما خرج هابيل وآجر {وَمُصَدّقًا} عطف على محل {فِيهِ هُدًى} ومحله النصب على الحال {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ} يجوز أن ينتصبا على الحال. كقوله: {مُصَدّقاً} وأن ينتصبا مفعولاً لهما، كقوله: {وَلْيَحْكُمْ} كأنه قيل. وللهدى والموعظة آتيناه الإنجيل، وللحكم بما أنزل الله فيه من الأحكام.
فإن قلت: فإن نظمت {هُدًى وَمَوْعِظَةً} في سلك مصدقاً، فما تصنع بقوله (وليحكم) قلت: اصنع به ما صنعت بهدى وموعظة حين جعلتهما مفعولاً لهما، فأقدّر: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله آتيناه إياه. وقرئ: {وَلْيحكُمْ} على لفظ الأمر بمعنى: وقلنا ليحكم.
وروي في قراءة أبيّ: {وأن ليحكم}، بزيادة (أن) مع الأمر على أنّ (أن) موصولة بالأمر، كقولك: أمرته بأن قم كأنه قيل: وآتيناه الأنجيل وأمرنا بأن يحكم أهل الإنجيل. وقيل: إن عيسى عليه السلام كان متعبداً بما في التوراة من الأحكام؛ لأن الإنجيل مواعظ وزواجر والأحكام فيه قليلة. وظاهر قوله: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ} يردّ ذلك، وكذلك قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا} [المائدة: 48] وإن ساغ لقائل أن يقول: معناه: وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة.

.تفسير الآية رقم (48):

{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)}
فإن قلت: أي فرق بين التعريفين في قوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب} وقوله: {لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب}؟ قلت: الأول: تعريف العهد، لأنه عنى به القرآن.
والثاني: تعريف الجنس، لأنه عنى به جنس الكتب المنزلة: ويجوز أن يقال: هو للعهد؛ لأنه لم يرد به ما يقع عليه اسم الكتاب على الإطلاق، وإنما أريد نوع معلوم منه، وهو ما أنزل من السماء سوى القرآن {وَمُهَيْمِناً} ورقيباً على سائر الكتب؛ لأنه يشهد لها بالصحة والثبات. وقرئ: {مهيمناً عليه} بفتح الميم، أي هو من عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل، كما قال: {لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: 42] والذي هيمن الله عليه عزّ وجلّ أو الحفاظ في كل بلد، لو حُرِّف حَرْف منه أو حركة أو سكون لتنبه عليه كل أحد، ولا شمأزوا رادّين ومنكرين. ضمن {لاَ تَتَّبِعُواْ} معنى ولا تنحرف؛ فلذلك عدّي بعن كأنه قيل: ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ} أيها الناس {شِرْعَةً} شريعة.
وقرأ يحيى بن وثاب بفتح الشين {ومنهاجا} وطريقا واضحاً في الدين تجرون عليه. وقيل: هذا دليل على أنَّا غير متعبدين بشرائع من قبلنا {لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة} جماعة متفقة على شريعة واحدة، أو ذوي أمّة واحدة أي دين واحد لا اختلاف فيه {ولكن} أراد {لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءاتاكم} من الشرائع المختلفة، هل تعملون بها مذعنين معتقدين أنها مصالح قد اختلفت على حسب الأحوال والأوقات، معترفين بأن الله لم يقصد باختلافها إلا ما اقتضته الحكمة؟ أم تتبعون الشبه وتفرطون في العمل؟ {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} فابتدروها وتسابقوا نحوها {إلى الله مَرْجِعُكُمْ} استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات {فَيُنَبّئُكُمْ} فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم، وعاملكم ومفرطكم في العمل.

.تفسير الآية رقم (49):

{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)}
فإن قلت: {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ} معطوف على ماذا؟ قلت: على (الكتاب) في قوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب} كأنه قيل: وأنزلنا إليك أن احكم على أنّ (أن) وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال: ويجوز أن يكون معطوفاً على (بالحق) أي أنزلناه بالحق وبأن احكم {أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ} أن يضلوك عنه ويستزلوك: وذلك: أن كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد نفتنه عن دينه، فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود، وأنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود كلهم ولم يخالفونا، وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم، ونحن نؤمن بك ونصدّقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت {فَإِن تَوَلَّوْاْ} عن الحكم بما أنزل الله إليك وأرادوا غيره {فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} يعني بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه، فوضع {بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} موضع ذلك وأرادأنّ لهم ذنوباً جمة كثيرة العدد، وأنّ هذا الذنب مع عظمه بعضها وواحد منها، وهذا الإبهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه. ونحو البعض في هذا الكلام ما في قول لبيد:
أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا

أراد نفسه: وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام، كأنه قال: نفساً كبيرة، ونفساً أيّ نفس، فكما أن التنكير يعطي معنى التكبير وهو معنى البعضية، فكذلك إذا صرح بالبعض {لفَاَسِقُونَ} لمتمرّدون في الكفر معتدون فيه، يعني أنّ التولي عن حكم الله من التمرّد العظيم والاعتداء في الكفر.

.تفسير الآية رقم (50):

{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)}
{أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ} فيه وجهان، أحدهما: أنّ قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى.
وروي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «القتلى بواء» فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت: والثاني: أن يكون تعبيراً لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم، وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل، لا تصدر عن كتاب ولا ترجع إلى وحي من الله تعالى: وعن الحسن: هو عامّ في كل من يبغي غير حكم الله: والحكم حكمان: حكم بعلم فهو حكم الله، وحكم بجهل فهو حكم الشيطان. وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، فقرأ هذه الآية: وقرئ: {تبغون}، بالتاء والياء: وقرأ السلمي: {أفحكمُ الجاهلية يبغون}، برفع الحكم على الابتداء، وإيقاع يبغون خبراً وإسقاط الراجع عنه كإسقاطه عن الصلة في {أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً} [الفرقان: 31] وعن الصفة في: الناس رجلان: رجل أهنت، ورجل أكرمت.
وعن الحال في (مررت بهند يضرب زيد) وقرأ قتادة: {أَفَحُكْمَ الجاهلية} على أنّ هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به أفعى نجران، أو نظيره من حكام الجاهلية، فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكماً كأولئك الحكام. اللام في قوله: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} للبيان كاللام في (هيت لك) أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون، فإنهم الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله ولا أحسن حكماً منه.

.تفسير الآيات (51- 53):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)}
لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتصافونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين. ثم علل النهي بقوله: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أي إنما يوالي بعضهم بعضاً لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر، فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ} من جملتهم وحكمه حكمهم. وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تراءى ناراهما» ومنه قول عمر رضي الله عنه لأبي موسى في كاتبه النصراني: لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خوّنهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله: وروي: أنه قال له أبو موسى: لا قوام للبصرة إلا به، فقال: مات النصراني والسلام، يعني هب أنه قد مات، فما كنت تكون صانعاً حينئذ فاصنعه الساعة، واستغن عنه بغيره {إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} يعني الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفر يمنعهم الله ألطافه ويخذلهم مقتاً لهم {يسارعون فِيهِمْ} ينكمشون في موالاتهم ويرغبون فيها ويعتذرون بأنهم لا يأمنون أن تصيبهم دائرة من دوائر الزمان، أي صرف من صروفه ودولة من دوله، فيحتاجون إليهم وإلى معونتهم، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ لي من موالي من يهود كثيراً عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم وأُوالي الله ورسوله فقال عبد الله بن أبيّ: إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية مواليّ وهم يهود بني قينقاع.
{فَعَسَى الله أَن يَأْتِىَ بالفتح} لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين {أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ} يقطع شأفة اليهود ويجليهم عن بلادهم، فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم: وذلك أنهم كانوا يشكون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: ما نظن أن يتم له أمر، وبالحري أن تكون الدولة والغلبة لهؤلاء.
وقيل أو أمر من عنده: أو أن يؤمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على نفاقهم. وقيل: أو أمر من عند الله لا يكون فيه للناس فعل كبني النضير الذين طرح الله في قلوبهم الرعب. فأعطوا بأيديهم من غير أن يوجف عليهم بخيل ولا ركاب {وَيَقُولُ الذين ءامَنُواْ} قرئ بالنصب عطفاً على أن يأتي. وبالرفع على أنه كلام مبتدأ، أي: ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت: وقرئ: {يقول}: بغير واو، وهي في مصاحف مكة والمدينة والشأم كذلك على أنه جواب قائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ فقيل: يقول الذين آمنوا هؤلاء الذين أقسموا.
فإن قلت: لمن يقولون هذا القول؟ قلت: إمّا أن يقوله بعضهم لبعض تعجباً من حالهم واغتباطاً بما منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص {أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ} لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار. وإمّا أن يقولوه لليهود لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة. كما حكى الله عنهم {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ} [الحشر: 11]. {حَبِطَتْ أعمالهم} من جملة قول المؤمنين، أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأى أعين الناس. وفيه معنى التعجيب كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم! فما أخسرهم! أو من قول الله عزّ وجلّ شهادة لهم بحبوط الأعمال وتعجبا من سوء حالهم.