فصل: تفسير الآيات (92- 93):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآيات (89- 91):

{أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91)}
{يَرْجَعُ} من رفعه فعلى أنّ أن مخففة من الثقيلة ومن نصب فعلى أنها الناصبة للأفعال {مِن قَبْلُ} من قبل أن يقول لهم السامري ما قال، كأنهم أوّل ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة افتتنوا به واستحسنوه، فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون عليه السلام بقوله: {إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن}.

.تفسير الآيات (92- 93):

{قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93)}
لا مزيدة. والمعنى ما منعك أن تتبعني في الغضب لله وشدة الزجر عن الكفر والمعاصي؟ وهلا قاتلت من كفر بمن آمن؟ ومالك لم تباشر الأمر كما كنت أباشره أنا لو كنت شاهداً؟ أو مالك لم تلحقني.

.تفسير الآية رقم (94):

{قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)}
قرئ: {بِلِحْيَتِى} بفتح اللام وهي لغة أهل الحجاز، كان موسى صلوات الله عليه رجلاً حديداً مجبولاً على الحدة والخشونة والتصلب في كل شيء، شديد الغضب لله ولدينه، فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلاً من دون الله بعد ما رأوا من الآيات العظام، أن ألقى ألواح التوارة لما غلب ذهنه من الدهشة العظيمة، غضبا لله واستنكافاً وحمية، وعنف بأخيه وخليفته على قومه، فأقبل عليه إقبال العدوّ المكاشف قابضاً على شعر رأسه- وكان أفرع- وعلى شعر وجهه يجرّه إليه. أي: لو قاتلت بعضهم ببعض لتفرقوا وتفانوا، فاستأنيتك أن تكون أنت المتدارك بنفسك، المتلافي برأيك؛ وخشيت عتابك على إطراح ما وصيتني به من ضم النشر وحفظ الدهماء ولم يكن لي بد من رقبة وصيتك والعمل على موجبها.

.تفسير الآيات (95- 96):

{قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96)}
الخطب: مصدر خطب الأمر إذا طلبه، فإذا قيل لمن يفعل شيئاً: ما خطبك؟ فمعناه: ما طلبك له؟ قرئ: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} بالكسر، والمعنى: علمت ما لم تعلموه، وفطنت ما لم تفطنوا له. قرأ الحسن {قَبْضَةً} بضم القاف وهي اسم المقبوض، كالغرفة والمضغة. وأما القبضة فالمرة من القبض، وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر، كضرب الأمير.
وقرأ أيضاً: فقبصت قبصة، بالصاد المهملة الضاد: بجميع الكف والصاد: بأطراف الأصابع. ونحوهما: الخضم، والقضم: الخاء بجميع الفم؛ والقاف بمقدمه: قرأ ابن مسعود: {من أثر فرس الرسول} فإن قلت: لم سماه الرسول دون جبريل وروح القدس؟ قلت: حين حل ميعاد الذهاب إلى الطور أرسل الله إلى موسى جبريل راكب حيزوم فرس الحياة ليذهب به، فأبصره السامريُ فقال: إنّ لهذا شأناً، فقبض قبضة من تربة موطئه، فلما سأله موسى عن قصته قال: قبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد. ولعله لم يعرف أنه جبريل.

.تفسير الآية رقم (97):

{قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97)}
عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أطم منها وأوحش، وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعاً كلياً، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضاً، وإذا اتفق أن يماس أحداً رجلاً أو امرأة، حم الماس والممسوس، فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح: لا مساس، وعاد في الناس أوحش من القاتل اللاجئ إلى الحرم، ومن الوحشي النافر في البرية. ويقال: إن قومه باق فيهم ذلك إلى اليوم. وقرئ: {لاَ مِسَاسَ} بوزن فجار. ونحوه قولهم في الظباء. إذا وردت الماء فلا عباب، وإن فقدته فلا أباب: وهي أعلام للمسة والعبة والأبة، وهي المرة من الأب وهو الطلب {لَّن تُخْلَفَهُ} أي لن يخلفك الله موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض، ينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك بذلك في الدنيا، فأنت ممن خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. وقرئ: {لن تخلفه} وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً قال الأعشى:
أثْوَى وَأقْصَرَ لَيْلَهُ لِيُزَوَّدَا ** فَمَضى وَأخْلَفَ مِنْ قَتِيلَةَ مَوْعِداً

وعن ابن مسعود {نخلفه} بالنون، أي: لن يخلفه الله، كأنه حكى قوله عز وجل كما مر في {لاِهَبَ لَكِ} [مريم: 19]. {ظَلْتَ} وظلت، وظللت والأصل ظللت، فحذفوا اللام الأولى ونقلوا حركتها إلى الظاء، ومنهم من لم ينقل {لَّنُحَرّقَنَّهُ} ولنحرقنه ولنحرقنه. وفي حرف ابن مسعود {لنذبحنه}، و {لنحرقنه} و {لنحرقنه} القراءتان من الإحراق. وذكر أبو علي الفارسي في لنحرِّقنه أنه يجوز أن يكون حرّق مبالغة في حرق إذا برد بالمبرد. وعليه القراءة الثالثة، وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه {لَنَنسِفَنَّهُ} بكسر السين وضمها، وهذه عقوبة ثالثة وهي إبطال ما افتتن به وفتن، وإهدار سعيه، وهدم مكره {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين} [آل عمران: 54].

.تفسير الآية رقم (98):

{إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98)}
قرأ طلحة: الله الذي لا إله إلا هو الرحمن رب العرش الكريم {وَسِعَ كُلَّ شَيْء عِلْماً} وعن مجاهد وقتادة: وسع، ووجهه أن وسع متعدّ إلى مفعول واحد، وهو (كل شيء). وأمّا {عِلْماً} فانتصابه على التمييز. وهو في المعنى فاعل، فلما ثقل نقل إلى التعدية إلى مفعولين، فنصبهما معاً على المفعولية لأنّ المميز فاعل في المعنى، كما تقول في (خاف زيد عمراً) خوَّفت زيداً عمراً، فترد بالنقل ما كان فاعلاً مفعولاً.

.تفسير الآيات (99- 101):

{كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (101)}
الكاف في {كذلك} منصوب المحل، وهذا موعد من الله عزّ وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم، أي: مثل ذلك الاقتصاص ونحو ما اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون، نقصّ عليك من سائر أخبار الأمم وقصصهم وأحوالهم، تكثيراً لبيناتك، وزيادة في معجزاتك، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في دينه بصيرة. وتتأكد الحجة على من عاند وكابر، وأن هذا الذكر الذي آتيناك يعني القرآن مشتملاً على هذه الأقاصيص والأخبار الحقيقة بالتفكر والاعتبار، لذكر عظيم وقرآن كريم، فيه النجاة والسعادة لمن أقبل عليه، ومن أعرض عنه فقد هلك وشقي. يريد بالوزر: العقوبة الثقيلة الباهظة، سماها وزراً تشبيها في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل الذي يفدح الحامل، وينقض ظهره، ويلقي عليه بهره: أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم. وقرئ: {يحمل} جمع. {خالدين} على المعنى، لأنّ من مطلق متناول لغير معرض واحد. وتوحيد الضمير في أعرض وما بعده للحمل على اللفظ. ونحوه قوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا} [الجن: 23] {فِيهِ} أي في ذلك الوزر. أو في احتماله {وسَاء} في حكم بئس. والضمير الذي فيه يجب أن يكون مبهماً يفسره {حِمْلاً} والمخصوص بالذم محذوف لدلالة الوزر السابق عليه، تقديره: ساء حملا وزرهم، كما حذف في قوله تعالى: {نِعْمَ العبد إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30، 44] أيوب هو المخصوص بالمدح. ومنه قوله تعالى: {وَسَاءتْ مَصِيراً} [النساء 97، 115] أي وساءت مصيراً جهنم.
فإن قلت: اللام في (لهم) ما هي؟ وبم تتعلق؟ قلت: هي للبيان، كما في {هَيْتَ لَكَ} [يوسف: 23].
فإن قلت: ما أنكرت أن يكون في ساء ضمير الوزر؟ قلت: لا يصح أن يكون في ساء وحكمه حكم بئس ضمير شيء بعينه غير مبهم فإن قلت: فلا يكن ساء الذي حكمه حكم بئس، وليكن ساء الذي منه قوله تعالى: {سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ} [الملك: 27] بمعنى أهم وأحزن؟ قلت: كفاك صادّاً عنه أن يؤول كلام الله إلى قولك: وأحزن الوزر لهم يوم القيامة حملاً، وذلك بعد أن تخرج عن عهدة هذا اللام وعهدة هذا المنصوب.

.تفسير الآيات (102- 104):

{يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104)}
أسند النفخ إلى الآمربه فيمن قرأ: {ننفخ} بالنون. أو لأن الملائكة المقرّبين وإسرافيل منهم بالمنزلة التي هم بها من رب العزة، فصح لكرامتهم عليه وقربهم منه أن يسند ما يتولونه إلى ذاته تعالى. وقرئ: {ينفخ} بلفظ ما لم يسم فاعله. وينفخ. ويحشر، بالياء المفتوحة على الغيبة والضمير لله عز وجل أو لإسرافيل عليه السلام. وأما يحشر المجرمون فلم يقرأ به إلا الحسن. وقرئ: (في الصور) بفتح الواو جمع صورة، وفي الصور: قولان، أحدهما: أنه بمعنى الصور وهذه القراءة تدل عليه.
والثاني: أنه القرن. قيل: في الزرق قولان، أحدهما: أن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب لأنّ الروم أعداؤهم وهم زرق العيون ولذلك قالوا في صفة العدوّ: أسود الكبد، أصهب السبال، أزرق العين.
والثاني: أنّ المراد العمى؛ لأنّ حدقة من يذهب نور بصره تزراقّ {يتخافتون} تخافتهم لما يملأ صدورهم من الرعب والهول، يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا: إما لما يعاينون من الشدائد التي تذكرهم أيام النعمة والسرور فيتأسفون عليها ويصفونها بالقصر لأنّ أيام السرور قصار، وإما لأنها ذهبت عنهم وتقضت، والذاهب وإن طالت مدّته قصير بالانتهاء ومنه توقيع عبد الله بن المعتز تحت (أطال الله بقاءك) (كفى بالانتهاء قصراً) وإما لاستطالتهم الآخرة وأنها أبد سرمد يستقصر إليها عمر الدنيا، ويتقال لبث أهلها فيها بالقياس إلى لبثهم في الآخرة. وقد استرجح الله قول من يكون أشدّ تقاولاً منهم في قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً} ونحوه قوله تعالى: {قال كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ العادين} [المؤمنون: 112- 113] وقيل: المراد لبثهم في القبور. ويعضده قوله عز وجل: {وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ} [الروم: 55]، {وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كتاب الله إلى يَوْمِ البعث} [الروم: 56].

.تفسير الآيات (105- 107):

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)}
{يَنسِفُهَا} يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرّقها كما يذرّى الطعام {فَيَذَرُهَا} أي فيذر مقارّها ومراكزها. أو يجعل الضمير للأرض وإن لم يجر لها ذكر، كقوله تعالى: {مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ} [فاطر: 45].
فإن قلت: قد فرّقوا بين العوج والعوج، فقالوا: العوج بالكسر في المعاني. والعوج بالفتح في الأعيان، والأرض عين، فكيف صح فيها المكسور العين؟قلت: اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة، ونفي الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسوّيتها وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلاحة، واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأي المهندس فيها وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية، لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي، فنفى الله عزّ وعلا ذلك العوج الذي دقّ ولطف عن الإدراك، اللهمَّ إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس لحق بالمعاني، فقيل فيه: عوج بالكسر. الأمت النتوّ اليسير، يقال: مدّ حبله حتى ما فيه أمت.

.تفسير الآيات (108- 109):

{يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109)}
أضاف اليوم إلى وقت نسف الجبال في قوله: {يَوْمَئِذٍ} أي يوم إذ نسفت، ويجوز أن يكون بدلاً بعد بدل من يوم القيامة. والمراد: الداعي إلى المحشر. قالوا: هو إسرافيل قائماً على صخرة بيت المقدس يدعو الناس، فيقبلون من كل أوب إلى صوبه لا يعدلون {لاَ عِوَجَ لَهُ} أي لا يعوجّ له مدعوّ، بل يستوون إليه من غير انحراف متبعين لصوته. أي: خفضت الأصوات من شدة الفزع وخفتت {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} وهو الركز الخفي. ومنه الحروف المهموسة. وقيل: هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت، أي: لا يسمع إلا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر {مَنْ} يصلح أن يكون مرفوعاً ومنصوباً، فالرفع على البدل من الشفاعة بتقدير حذف المضاف، أي: لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من {أَذِنَ لَهُ الرحمن} والنصب على المفعولية. ومعنى أذن له {وَرَضِىَ لَهُ} لأجله. أي: أذن للشافع ورضي قوله لأجله. ونحو هذه اللام اللام في قوله تعالى: {وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَاسَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11].