فصل: تفسير الآية رقم (10):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآية رقم (7):

{لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7)}
{فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ} أي في قصتهم وحديثهم {ءايات} علامات ودلائل على قدرة الله وحكمته في كل شيء {لّلسَّائِلِينَ} لمن سأل عن قصتهم وعرفها.
وقيل آيات على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم للذين سألوه من اليهود عنها، فأخبرهم بالصحة من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب. وقرئ: {آية}، وفي بعض المصاحف: عبرة، وقيل: إنما قص الله تعالى على النبي عليه الصلاة والسلام خبر يوسف وبغي إخوته عليه، لما رأى من بغي قومه عليه ليتأسى به.
وقيل أساميهم: يهوذا: وروبيل، وشمعون، ولاوي، وربالون، ويشجر، ودينة، ودان، ونفتالي، وجاد، وآشر: السبعة الأولون كانوا من ليا بنت خالة يعقوب، والأربعة الآخرون من سريتين: زلفة، وبلهة. فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل، فولدت له بنيامين ويوسف.

.تفسير الآية رقم (8):

{إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8)}
{لِيُوسُفَ} اللام للابتداء. وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة. أرادوا أنّ زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة فيه {وَأَخُوهُ} هو بنيامين. وإنما قالوا أخوه وهم جيمعاً إخوته، لأنّ أمّهما كانت واحدة.
وقيل {أَحَبُّ} في الاثنين، لأن أفعل من لا يفرّق فيه بين الواحد وما فوقه، ولا بين المذكر والمؤنث إذا كان معه (من) ولا بد من الفرق مع لام التعريف، وإذا أضيف جاز الأمران. والواو في {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} واو الحال. يعني: أنه يفضلهما في المحبة علينا، وهما اثنان صغيران لا كفاية فيهما ولا منفعة، ونحن جماعة عشرة رجال كفأة نقوم بمرافقه، فنحن أحقّ بزيادة المحبة منهما، لفضلنا بالكثرة والمنفعة عليهما {إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضلال مُّبِينٍ} أي في ذهاب عن طريق الصواب في ذلك. والعصبة والعصابة: العشرة فصاعداً. وقيل: إلى الأربعين، سموا بذلك لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور ويستكفون النوائب. وروى النزال بن سبرة عن عليّ رضي الله عنه: {ونحن عصبة}، بالنصب. وقيل: معناه ونحن نجتمع عصبة.
وعن ابن الأنباري هذا كما تقول العرب؛ إنما العامري عمته، أي يتعهد عمته.

.تفسير الآية رقم (9):

{اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)}
{اقتلوا يُوسُفَ} من جملة ما حكى بعد قوله: إذ قالوا: كأنهم أطبقوا على ذلك إلا من قال {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ} وقيل: الآمر بالقتل شمعون، وقيل: دان، والباقين كانوا راضين، فجعلوا آمرين {أَرْضًا} أرضاً منكورة مجهولة بعيدة من العمران، وهو معنى تنكيرها وإخلائها من الوصف، ولإبهامها من هذا الوجه نصبت نصب الظروف المبهمة {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم. والمراد: سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها وينازعهم إياها، فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم؛ لأنّ الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه. ويجوز أن يراد بالوجه الذات، كما قال تعالى: {ويبقى وَجْهُ رَبّكَ} [الرحمن: 27] وقيل {يَخْلُ لَكُمْ} يفرغ لكم من الشغل بيوسف {مِن بَعْدِهِ} من بعد يوسف، أي من بعد كفايته بالقتل أو التغريب، أو يرجع الضمير إلى مصدر اقتلوا أو اطرحوا {قَوْمًا صالحين} تائبين إلى الله مما جنيتم عليه. أو يصلح ما بينكم وبين أبيكم بعذر تمهدونه. أو تصلح دنياكم وتنتظم أموركم بعده بخلوّ وجه أبيكم. و{تَكُونُواْ} إمّا مجزوم عطفاً على {يَخْلُ لَكُمْ} أو منصوب بإضمار أن والواو بمعنى مع، كقوله: {وَتَكْتُمُواْ الحق} [البقرة: 42].

.تفسير الآية رقم (10):

{قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10)}
{قَائِلٌ مّنْهُمْ} هو يهوذا، وكان أحسنهم فيه رأيا. وهو الذي قال: فلن أبرح الأرض. قال لهم: القتل عظيم {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب} وهي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله. قال المنخل:
وَإنْ أنَا يَوْماً غَيَّبَتْنِي غَيَابَتِي

فَسِيرُوا بِسَيْرِي في الْعَشِيرَةِ والأَهْلِ

أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها. وقرئ: {غيابات} على الجمع. و {غيابات} بالتشديد.
وقرأ الجحدري {غيبة} والجب: البئر لم تطو، لأن الأرض تجبّ جباً لا غير {يَلْتَقِطْهُ} يأخذه بعض السيارة بعض الأقوام الذين يسيرون في الطريق. وقرئ: {تلتقطه} بالتاء على المعنى؛ لأنّ بعض السيارة سيارة، كقوله:
كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ

ومنه: ذهبت بعض أصابعه {إِن كُنتُمْ فاعلين} إن كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به غرضكم، فهذا هو الرأي.

.تفسير الآيات (11- 12):

{قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)}
{مالك لاَ تَأْمَنَّا} قريء بإظهار النونين، وبالإدغام بإشمام وبغير إشمام. و {تيمنا} بكسر التاء مع الإدغام. والمعنى: لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونحبه ونشفق عليه؟ وما وجد منا في بابه ما يدل على خلاف النصيحة والمقة وأرادوا بذلك لما عزموا على كيد يوسف استنزاله عن رأيه وعادته في حفظه منهم. وفيه دليل على أنه أحسّ منهم بما أوجب أن لا يأمنهم عليه {نرتع} نتسع في أكل الفواكه وغيرها. وأصل الرتعة: الخصب والسعة. وقرئ: {نرتع} من ارتعى يرتعي. وقرئ: {يرتع ويلعب} بالياء، ويرتع، من أرتع ماشيته.
وقرأ العلاء بن سيابة: يرتع بكسر العين، ويلعب، بالرفع على الابتداء.
فإن قلت: كيف استجاز لهم يعقوب عليه السلام اللعب؟ قلت: كان لعبهم الاستباق والانتضال. ليضروا أنفسهم بما يحتاج إليه لقتال العدوّ لا للهو، بدليل قوله {إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} [يوسف: 17] وإنما سموه لعباً لأنه في صورته.

.تفسير الآية رقم (13):

{قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)}
{لَيَحْزُنُنِى} اللام لام الابتداء، كقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} [النحل: 124] ودخولها أحد ما ذكره سيبويه من سبي المضارعة. اعتذر إليهم بشيئين، أحدهما: أنّ ذهابهم به ومفارقته إياه مما يحزنه، لأنه كان لا يصبر عنه ساعة.
والثاني: خوفه عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم، أوقلّ به اهتمامهم ولم تصدق بحفظه عنايتهم. وقيل: رأى في النوم أنّ الذئب قد شدّ على يوسف فكان يحذره، فمن ثم قال ذلك فلقنهم العلة، وفي أمثالهم: البلاء موكل بالمنطق. وقرئ: {الذئب} بالهمزة على الأصل وبالتخفيف. وقيل: اشتقاقه من تذاءبت الريح إذا أتت من كل جهة.

.تفسير الآية رقم (14):

{قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14)}
القسم محذوف تقديره: والله {لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب} واللام موطئة للقسم. وقوله: {إِنَّا إِذَا لخاسرون} جواب للقسم مجزئ عن جزاء الشرط، والواو في {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} واو الحال: حلفوا له لئن كان ما خافه من خطفة الذئب أخاهم من بينهم- وحالهم أنهم عشرة رجال، بمثلهم تعصب الأمور وتكفي الخطوب- إنهم إذاً لقوم خاسرون، أي هالكون ضعفاً وخوراً وعجزاً. أو مستحقون أن يهلكوا لأنه لا غناء عندهم ولا جدوى في حياتهم. أو مستحقون لأن يدعي عليهم بالخسارة والدّمار، وأن يقال: خسرهم الله ودمّرهم حين أكل الذئب بعضهم وهم حاضرون. وقيل: إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشنا إذاً وخسرناها فإن قلت: قد اعتذر إليهم بعذرين، فلم أجابوا عن أحدهما دون الآخر؟ قلت: هو الذي كان يغيظهم ويذيقهم الأمّرين فأعاروه آذاناً صما ولم يعبؤوا به.

.تفسير الآية رقم (15):

{فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)}
{أَن يَجْعَلُوهُ} مفعول {أَجْمَعُواْ} من قولك: أجمع الأمر وأزمعه {فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ} [يونس: 71]. وقرئ: {في غيابات} الجب: وقيل هو بئر بيت المقدس. وقيل: بأرض الأردنّ وقيل: بين مصر ومدين. وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. وجواب (لما) محذوف. ومعناه: فعلوا به ما فعلوا من الأذى، فقد روي أنهم لما برزوا به إلى البرّية أظهروا له العدواة وأخذوا يهنونه ويضربونه، وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة والضرب، حتى كادوا يقتلونه. فجعل يصيح: يا أبتاه، لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء، فقال يهوذا: أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه؟ فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده، فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، ردّوا عليّ قميصي أتوارى به، وإنما نزعوه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على أبيهم، فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً تؤنسك، ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي، فنادوه فظنّ أنها رحمة أدركتهم، فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيه بالطعام. ويروى أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وجرّد عن ثيابه أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف، فجاء جبريل فأخرجه وألبسه إياه {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} قيل أُوحي إليه في الصغر كما أُوحي إلى يحيى وعيسى: وقيل كان إذا ذاك مدركاً.
وعن الحسن: كان له سبع عشرة سنة {لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا} وإنما أُوحي إليه ليؤنس في الظلمة والوحشة، ويبشر بما يؤول إليه أمره. ومعناه: لتتخلصن مما أنت فيه، ولتحدّثن إخوتك بما فعلوا بك {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أنك يوسف لعلوّ شأنك وكبرياء سلطانك، وبعد حالك عن أوهامهم، ولطول العهد المبدّل للهيئات والأشكال، وذلك أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون، دعا بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فطنّ فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف، وكان يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب، وقلتم لأبيكم: أكله الذئب، وبعتموه بثمن بخس. ويجوز أن يتعلق {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بقوله {وَأَوْحَيْنَا} على أنا آنسناه بالوحي وأزلنا عن قلبه الوحشة، وهم لا يشعرون ذلك ويحسبون أنه مرهق مستوحش لا أنيس له وقرئ: {لننبئنهم} بالنون على أنه وعيد لهم. وقوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} متعلق بأوحينا لا غير.

.تفسير الآيات (16- 17):

{وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)}
وعن الحسن {عشيا} على تصغير عشيّ يقال: لقيته عشيا وعشياناً، وأصيلا وأصيلاناً ورواه ابن جني: عشى، بضم العين والقصر. وقال عشوا من البكاء.
وروي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية، أما تراها تبكي؟ فقال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة: ولا ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.
وروي أنه لما سمع صوتهم فزع وقال: ما لكم يا بنيّ؟ هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فما لكم وأين يوسف؟ {قَالُواْ يأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي نتسابق، والافتعال والتفاعل يشتركان كالانتضال والتناضل: والارتماء والترامي، وغير ذلك. والمعنى: نتسابق في العدو أو في الرمي. وجاء في التفسير: ننتضل {بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} بمصدّق لنا {وَلَوْ كُنَّا صادقين} ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة، لشدّة محبتك ليوسف، فكيف وأنت سيء الظن بنا، غير واثق بقولنا.

.تفسير الآية رقم (18):

{وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)}
{بِدَمٍ كَذِبٍ} ذي كذب. أو وصف بالمصدر مبالغة، كأنه نفس الكذب وعينه، كما يقال للكذاب: هو الكذب بعينه، والزور بذاته. ونحوه.
فَهُنَّ بِهِ جُودٌ وَأنْتُمْ بِهِ بُخْلُ

وقرئ: {كذباً} نصباً على الحال، بمعنى جاءوا به كاذبين، ويجوز أن يكون مفعولاً له. وقرأت عائشة رضي الله عنها: كدب، بالدال غير المعجمة، أي كدر. وقيل: طري، وقال ابن جني: أصله من الكدب وهو الفوف: البياض الذي يخرج على أظفار الأحداث. كأنه دم قد أثر في قميصه. روي أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، وزلّ عنهم أن يمزقوه.
وروي أنّ يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟ فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.
وقيل كان في قميص يوسف ثلاث آيات: كان دليلاً ليعقوب على كذبهم، وألقاه على وجهه فارتد بصيراً، ودليلا على براءة يوسف حين قدّ من دبر.
فإن قلت: {على قَمِيصِهِ} ما محله؟ قلت: محله النصب على الظرف، كأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم كما تقول: جاء على جماله بأحمال.
فإن قلت: هل يجوز أن تكون حالا متقدمة؟ قلت: لا، لأنّ حال المجرور لا تتقدم عليه {سَوَّلَتْ} سهلت من السول وهو الاسترخاء، أي: سهلت {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا} عظيماً ارتكبتموه من يوسف وهوّنته في أعينكم: استدل على فعلهم به بما كان يعرف من حسدهم وبسلامة القميص. أو أُوحي إليه بأنهم قصدوه {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} خبر أو مبتدأ لكونه موصوفاً أي فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أمثل، وفي قراءة أبيّ: {فصبراً جميلاً} والصبر الجميل جاء في الحديث المرفوع: «أنه الذي لا شكوى فيه» ومعناه الذي لا شكوى فيه إلى الخلق. ألا ترى إلى قوله: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله} [يوسف: 86] وقيل: لا أعايشكم على كآبة الوجه، بل أكون لكم كما كنت وقيل: سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة، فقيل له: ما هذا؟ فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله تعالى إليه: يا يعقوب أتشكوني؟ قال: يا رب. خطيئة فاغفرها لي {والله المستعان} أي أستعينه {على} احتمال {مَا تَصِفُونَ} من هلاك يوسف والصبر على الرزء فيه.