فصل: تفسير الآية رقم (128):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآية رقم (127):

{وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127)}
لما توعد المعرض عن ذكره بعقوبتين: المعيشة الضنك في الدنيا، وحشره أعمى في الآخرة- ختم آيات الوعيد بقوله: {وَلَعَذَابُ الأخرة أَشَدُّ وأبقى} كأنه قال: وللحشر على العمى الذي لا يزول أبداً أشدّ من ضيق العيش المنقضي. أو أراد: ولتركنا إياه في العمى أشدّ وأبقى من تركه لآياتنا.

.تفسير الآية رقم (128):

{أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128)}
فاعل {لَّمْ يَهْدِ} الجملة بعده يريد: ألم يهد لهم هذا بمعناه ومضمونه ونظيره قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الأخرين سلام على نُوحٍ فِي العالمين} [الصافات: 79] أي تركنا عليه هذا الكلام. ويجوز أن يكون فيه ضمير الله أو الرسول، ويدل عليه القراءة بالنون. وقرئ: {يَمْشُونَ} يريد أنّ قريشاً يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويمشون {فِى مساكنهم} ويعاينون آثار هلاكهم.

.تفسير الآية رقم (129):

{وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)}
الكلمة السابقة: هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة، يقول: لولا هذه العدة لكان مثل إهلاكنا عاداً وثموداً لازماً لهؤلاء الكفرة. واللزام: إما مصدر لازم وصف به، وإما فعال بمعنى مفعل، أي ملزم، كأنه آلة اللزوم لفرط لزومه، كما قالوا: لزاز خصم {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} لا يخلو من أن يكون معطوفاً على {كَلِمَةٌ} أو على الضمير في {كَانَ} أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كم كانا لازمين لعاد وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل.

.تفسير الآية رقم (130):

{فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)}
{بِحَمْدِ رَبّكَ} في موضع الحال، أي: وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه والمراد بالتسبيح الصلاة. أو على ظاهره قدم الفعل على الأوقات أوّلاً، والأوقات على الفعل آخراً فكأنه قال: صل لله قبل طلوع الشمس يعني الفجر، وقبل غروبها يعني الظهر والعصر، لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار بين زوال الشمس وغروبها، وتعمد آناء الليل وأطراف النهار مختصاً لهما بصلاتك، وذلك أن أفضل الذكر ما كان بالليل، لاجتماع القلب وهدّو الرجل والخلوّ بالرب. وقال الله عز وجل: {إِنَّ نَاشِئَةَ اليل هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل: 6] وقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً} [الزمر: 9] ولأنّ الليل وقت السكون والراحة، فإذا صرف إلى العبادة كانت على النفس أشد وأشق؛ وللبدن أتعب وأنصب، فكانت أدخل في معنى التكليف وأفضل عند الله. وقد تناول التسبيح في آناء الليل صلاة العتمة، وفي أطراف النهار صلاة المغرب وصلاة الفجر على التكرار، إرادة الاختصاص، كما اختصت في قوله: {حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] عند بعض المفسرين.
فإن قلت: ما وجه قوله: {وَأَطْرَافَ النهار} على الجمع، وإنما هما طرفان كما قال: {أَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار} [هود: 114]؟ قلت: الوجه أمن الإلباس، وفي التثنية زيادة بيان. ونظير مجيء الأمرين في الآيتين: مجيئهما في قوله:
ظَهْرَاهُمَا مِثْلَ ظُهُورِ التُّرْسَيْنْ

وقرئ: {وأطراف النهار} عطفاً على آناء الليل لعلك ترضى. ولعل للمخاطب، أي: اذكر الله في هذه الأوقات، طمعاً ورجاء أن تنال عند الله ما به ترضي نفسك ويسر قلبك. وقرئ: {ترضى} أي يرضيك ربك.

.تفسير الآية رقم (131):

{وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)}
{وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} أي نظر عينيك: ومدّ النظر: تطويله، وأن لا يكاد يرده، استحساناً للمنظور إليه وإعجاباً به، وتمنياً أن يكون له، كما فعل نظارة قارون حين قالوا: {ياليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قارون إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ} [القصص: 79] حتى واجههم أولو العلم والإيمان ب {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لّمَنْ ءامَنَ وَعَمِلَ صالحا} [القصص: 80] وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه، وذلك مثل نظر من باده الشيء بالنظر ثم غض الطرف، ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع، وأنّ من أبصر منها شيئاً أحب أن يمدّ إليه نظره ويملأ منه عينيه قيل: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} أي لا تفعل ما أنت معتاد له وضار به، ولقد شدّد العلماء من أهل التقوى في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمراكب وغير ذلك، لأنهم إنما اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة؛ فالناظر إليها محصل لغرضهم، وكالمغري لهم على اتخاذها {أزواجا مّنْهُمْ} أصنافاً من الكفرة ويجوز أن ينتصب حالاً من هاء الضمير، والفعل واقع على {مِنْهُمْ} كأنه قال: إلى الذي متعنا به وهو أصناف بعضهم وناساً منهم.
فإن قلت: علام انتصب {زَهْرَةَ}؟ قلت: على أحد أربعة أوجه: على الذم وهو النصب على الاختصاص. وعلى تضمين {مَتَّعْنَا} معنى أعطينا وخوّلنا، وكونه مفعولاً ثانياً له. وعلى إبداله من محل الجار والمجرور. وعلى إبداله من أزواجاً، على تقدير ذوي زهرة.
فإن قلت: ما معنى الزهرة فيمن حرّك؟ قلت: معنى الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة، كما جاء في الْجَهْرَة الْجَهَرَة. وقرئ: {أَرِنَا الله} [النساء: 153]. وأن تكون جمع زاهر، وصفاً لهم بأنهم زاهرو هذه الدنيا، لصفاء ألوانهم مما يلهون ويتنعمون؛ وتهلل وجوههم وبهاء زيهم وشارتهم بخلاف ما عليه المؤمنون والصلحاء: من شحوب الألوان والتقشف في الثياب {لِنَفْتِنَهُمْ} لنبلوهم حتى يستوجبوا العذاب، لوجود الكفران منهم. أو لنعذبهم في الآخرة بسببه {وَرِزْقُ رَبّكَ} هو ما ادّخر له من ثواب الآخرة الذي هو خير منه في نفسه وأدوم. وأو ما رزقه من نعمة الإسلام والنبوّة. أو لأن أموالهم الغالب عليها الغصب والسرقة والحرمة من بعض الوجوه، والحلال {خَيْرٌ وأبقى} لأن الله لا ينسب إلى نفسه إلا ما حل وطاب دون ما حرم وخبث، والحرام لا يسمى رزقاً أصلاً وعن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي رافع قال: بعثني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى يهودي وقال: «قلْ لَهُ يقولُ لَكَ رسولُ اللَّهِ أقرضْني إلى رجب»، فقالَ: واللَّهِ لا أقرضتُه إلاّ بَرْهَنَ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إنِّي لأمينُ في السماءِ وإنِّي لأمين في الأرضِ، احملْ إليهِ درعِي الحديدِ» فنزلَتْ ولا تمدّنَ عينيك.

.تفسير الآية رقم (132):

{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)}
{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة} أي وأقبل أنت مع أهلك على عبادة الله والصلاة؛ واستعينوا بها على خصاصتكم؛ ولا تهتم بأمر الرزق والمعيشة، فإنّ رزقك مكفى من عندنا، ونحن رازقوك ولا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك ففرّغ بالك لأمر الآخرة. وفي معناه قول الناس: من كان في عمل الله كان الله في عمله.
وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله.
وعن بكر بن عبد الله المزني كان إذا أصابت أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا، بهذا أمر الله رسوله، ثم يتلو هذه الآية.

.تفسير الآية رقم (133):

{وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133)}
اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوّة، فقيل لهم: أو لم تأتكم آية هي أمّ الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعني القرآن، من قبل أنّ القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة ودليل صحته لأنه معجزة، وتلك ليست بمعجزات، فهي مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها، افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة. وقرئ: {الصحف} بالتخفيف. ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل.

.تفسير الآية رقم (134):

{وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134)}
قرئ {نَّذِلَّ ونخزى} على لفظ ما لم يسم فاعله.

.تفسير الآية رقم (135):

{قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)}
{كُلٌّ} أي كل واحد منا ومنكم {مُّتَرَبّصٌ} للعاقبة ولما يؤول إليه أمرنا وأمركم. وقرئ: {السواء} بمعنى الوسط والجيد. أو المستوى والسوء والسوأي والسوي تصغير السوء. وقرئ: {فتمتعوا فسوف تعلمون} قال أبو رافع: حفظْتهُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قرأ سورةَ طهَ أُعطيَ يومَ القيامةِ ثوابَ المهاجرينَ والأنصار.» وقالَ: «لا يقرأُ أهلُ الجنةِ مِنَ القرآنِ إلاَّ طهَ ويسَ».

.سورة الأنبياء:

.تفسير الآية رقم (1):

{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1)}
هذه اللام: لا تخلو من أن تكون صلة لاقترب، أو تأكيداً لإضافة الحساب إليهم، كقولهم: (أزف للحيّ رحيلهم) الأصل أزف رحيل الحيّ ثم أزف للحيّ الرحيل، ثم أزف للحيّ رحيلهم. ونحوه ما أورده سيبويه في (باب ما يثني فيه المستقرّ توكيداً) عليك زيد حريص عليك. وفيك زيد راغب فيك. ومنه قولهم: لا أبالك لأنّ اللام مؤكدة لمعنى الإضافة، وهذا الوجه أغرب من الأوّل. والمراد اقتراب الساعة، وإذا اقتربت الساعة فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك. ونحوه: {واقترب الوعد الحق} [الأنبياء: 97] فإن قلت: كيف وصف بالاقتراب وقد عدّت دون هذا القول أكثر من خمسمائة عام؟ قلت: هو مقترب عند الله والدليل عليه قوله عزّ وجلّ: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47] ولأنّ كلّ آت- وإن طالت أوقات استقباله وترقبه- قريب، إنما البعيد هو الذي وجد وانقرض، ولأنّ ما بقي في الدنيا أقصر وأقل مما سلف منها، بدليل انبعاث خاتم النبيين الموعود مبعثه في آخر الزمان. وقال عليه الصلاة والسلام: حذاء، ولم تبق إلا صبابة كصبابة الإناء. وإذا كانت بقية الشيء وإن كثرت في نفسها قليلة بالإضافة إلى معظمه، كانت خليقة بأن توصف بالقلة وقصر الذرع.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنّ المراد بالناس: المشركون. وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم. وهو ما يتلوه من صفات المشركين. وصفهم بالغفلة مع الإعراض، على معنى: أنهم غافلون عن حسابهم ساهون، لا يتفكرون في عاقبتهم، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم، مع اقتضاء عقولهم أنه لابد من جزاء للمحسن والمسيء. وإذا قرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر. أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا.

.تفسير الآيات (2- 3):

{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)}
قرّر إعراضهم عن تنبيه المنبه وإيقاظ الموقظ: بأنّ الله يجدّد لهم الذكر وقتاً فوقتاً، ويحدث لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة، ليكرّر على أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون، فما يزيدهم استماع الآي والسور وما فيها من فنون المواعظ والبصائر- التي هي أحق الحق وأجدّ الجدّ- إلا لعباً وتلهياً واستسخاراً والذكر: هو الطائفة النازلة من القرآن.
وقرأ ابن أبي عبلة {مُّحْدَثٍ} بالرفع صفة على المحل. قوله: {وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} حالان مترادفتان أو متداخلتان ومن قرأ: {لاَهِيَةً} بالرفع فالحال واحدة، لأن {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} خبر بعد خبر، لقوله: {وَهُمْ} واللاهية: من لها عنه إذا ذهل وغفل، يعني أنهم وإن فطنوا فهم في قلة جدوى فطنتهم كأنهم لم يفطنوا أصلاً، وثبتوا على رأس غفلتهم، وذهولهم عن التأمّل والتبصر بقلوبهم [(وأسروا النجوى)] فإن قلت: النجوى وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية، فما معنى قوله: {وَأَسَرُّواْ}؟ قلت: معناه وبالغوا في إخفائها. أو جعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم ولا يعلم أنهم متناجون، أبدل {الذين ظَلَمُواْ} من واو وأسرّوا، إشعاراً بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسرّوا به. أو جاء على لغة من قال (أكلوني البراغيث) أو هو منصوب المحل على الذم. أو هو مبتدأ خبره {وَأَسَرُّواْ النجوى} قدّم عليه. والمعنى: وهؤلاء أسروا النجوى. فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم {هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} هذا الكلام كله في محل النصب بدلاً من النجوى، أي: وأسروا هذا الحديث. ويجوز أن يتعلق بقالوا مضمراً: اعتقدوا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا ملكاً، وأن كل من ادّعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة هو ساحر ومعجزته سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر.
فإن قلت: لم أسروا هذا الحديث وبالغوا في إخفائه؟ قلت: كان ذلك شبه التشاور فيما بينهم، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره، وعمل المنصوبة في التثبيط عنه وعادة المتشاورين في خطب أن لا يشركوا أعداءهم في شوراهم، ويتجاهدوا في طيّ سرّهم عنهم ما أمكن واستطيع. ومنه قول الناس: «استعينوا على حوائجكم بالكتمان» وَيُرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يسرّوا نجواهم بذلك ثم يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: إن كان ما تدعونه حقاً فأخبرونا بما أسررنا.