فصل: تفسير الآية رقم (152):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآيات (148- 149):

{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)}
{سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ} إخبار بما سوف يقولونه ولما قالوه قال: {وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْء} [النحل: 35] يعنون بكفرهم وتمردهم أن شركهم وشرك آبائهم، وتحريمهم ما أحلّ الله، بمشيئة الله وإرادته. ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك، كمذهب المجبرة بعينه {كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} أي جاءوا بالتكذيب المطلق؛ لأن الله عزّ وجلّ ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دلّ على غناه وبراءته من مشيئة القبائح وإرادتها، والرسل أخبروا بذلك. فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله، وهو تكذيب الله وكتبه ورسله، ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره {حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا} حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم {قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ} من أمر معلوم يصحّ الاحتجاج به فيما قلتم {فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} وهذا من التهكم، والشهادة بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن} في قولكم هذا {وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} تقدّرون أن الأمر كما تزعمون أو تكذبون. وقرئ: {كذلك كذب الذين من قبلهم} بالتخفيف {قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة} يعني فإن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فللَّهِ الحجة البالغة عليكم على قود مذهبكم {فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} منكم ومن مخالفيكم في الدين، فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته، فتوالوهم ولا تعادوهم، وتوافقوهم ولا تخالفوهم، لأنّ المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وبين ما هم عليه.

.تفسير الآية رقم (150):

{قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)}
{هَلُمَّ} يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث عند الحجازيين. وبنو تميم تؤنث وتجمع. والمعنى: هاتوا شهداءكم وقرّبوهم.
فإن قلت: كيف أمره باستحضار شهدائهم الذين يشهدون أنّ الله حرم ما زعموه محرّماً، ثم أمره بأن لا يشهد معهم؟ قلت: أمره باستحضارهم وهم شهداء بالباطل، ليلزمهم الحجة ويلقمهم الحجر، ويظهر للمشهود لهم بانقطاع الشهداء أنهم ليسوا على شيء، لتساوي أقدام الشاهدين والمشهود لهم في أنهم لا يرجعون إلى ما يصحّ التمسك به. وقوله: {فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} يعني فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم: لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم وكان واحداً منهم {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الذين كَذَّبُواْ بأياتنا} من وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنّ من كذب بآيات الله وعدل به غيره فهو متبع للهوى لا غير، لأنه لو اتبع الدليل لم يكن إلا مصدقاً بالآيات موحداً لله تعالى.
فإن قلت: هلاّ قيل: قل هلم شهداء يشهدون أنّ الله حرّم هذا؟ وأي فرق بينه وبين المنزل؟ قلت: المراد أن يحضروا شهداءهم الذين علم أنهم يشهدون لهم وينصرون قولهم، وكان المشهود لهم يقلدونهم ويثقون بهم ويعتضدون بشهادتهم، ليهدم ما يقومون به فيحق الحق ويبطل الباطل، فأضيفت الشهداء لذلك، وجيء بالذين للدلالة على أنهم شهداء معروفون موسومون بالشهادة لهم وبنصرة مذهبهم، والدليل عليه قوله تعالى: {فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} ولو قيل: هلم شهداء يشهدون لكان معناه هاتوا أناساً يشهدون بتحريم ذلك فكان الظاهر طلب شهداء بالحق وذلك ليس بالغرض. ويناقضه قوله تعالى: {فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ}.

.تفسير الآية رقم (151):

{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)}
{تعال}، من الخاص الذي صار عاماً، وأصله أن يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه ثم كثر واتسع فيه حتى عمّ. و{مَا حَرَّمَ} منصوب بفعل التلاوة، أي أتل الذي حرمه ربكم. أو يحرم بمعنى: أقل أيّ شيء حرّم ربكم، لأنّ التلاوة من القول، و (إن) في {أَلاَّ تُشْرِكُواْ} مفسرة و (لا) النهي.
فإن قلت: هلاّ قلت هي التي تنصب الفعل، وجعلت أن لا تشركوا بدلاً من {مَا حَرَّمَ}؟ قلت: وجب أن يكون {لا تُشْرِكُواْ} و{لاَ تَقْرَبُواْ} و{لاَ تَقْتُلُواْ} و{اَ تَتَّبِعُواْ السبل} [الأنعام: 153] نواهي لانعطاف الأوامر عليها، وهي قوله: {وبالوالدين إحسانا} لأنّ التقدير: وأحسنوا بالوالدين إحساناً. و{أَوْفُواْ}، {وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا} [الأنعام: 152]، {وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ} [الأنعام: 152].
فإن قلت: فما تصنع بقوله: {وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه} فيمن قرأ بالفتح، وإنما يستقيم عطفه على أن لا تشركوا إذا جعلت أن هي الناصبة للفعل، حتى يكون المعنى: أتل عليكم نفي الإشراك والتوحيد، وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيماً؟ قلت: أجعل قوله: {وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا} [الأنعام: 153] علة للاتباع بتقدير اللام، كقوله تعالى: {وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً} [الجن: 18] بمعنى: ولأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه. والدليل عليه القراءة بالكسر، كأنه قيل: واتبعوا صراطي لأنّه مستقيم، أو واتبعوا صراطي إنه مستقيم.
فإن قلت: إذا جعلت {أن} مفسرة لفعل التلاوة وهو معلق بما حرّم ربكم، وجب أن يكون ما بعده منهياً عنه محرماً كله، كالشرك وما بعده مما دخل عليه حرف النهي فما تصنع بالأوامر قلت لما وردت هذه الأوامر مع النواهي وتقدمهن جميعاً فعل التحريم واشتركن في الدخول تحت حكمه، علم أن التحريم راجع إلى أضدادها، وهي الإساءة إلى الوالدين، وبخس الكيل والميزان. وترك العدل في القول، ونكث عهد الله {مّنْ إملاق} من أجل فقر ومن خشيته، كقوله تعالى: {خَشْيَةَ إملاق} [الإسراء: 31]. {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} مثل قوله: {ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ} [الأنعام: 120]. {إِلاَّ بالحق} كالقصاص، والقتل على الردة، والرجم.

.تفسير الآية رقم (152):

{وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)}
{إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ} إلاّ بالخصلة التي هي أحسن ما يفعل بمال اليتيم، وهي حفظه وتثميره والمعنى: احفظوه عليه حتى يبلغ أشدّه فادفعوه إليه {بالقسط} بالسوية والعدل؛ {لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} إلاّ ما يسعها ولا تعجز عنه. وإنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك؛ لأن مراعاة الحدّ من القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج، فأمر ببلوغ الوسع وأن ما وراءه معفوٌّ عنه {وَلَوْ كَانَ ذَا قربى} ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة القاتل، فما ينبغي أن يزيد في القول أو ينقص، كقوله: {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين} [النساء: 135].

.تفسير الآية رقم (153):

{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)}
وقرئ: {وأَنْ هذا صراطي مستقيماً} بتخفيف (إن) وأصله: وأنه هذا صراطي، على أن الهاء ضمير الشأن والحديث.
وقرأ الأعمش: {وهذا صراطي}. وفي مصحف عبد الله: {هذا صراط ربكم}. وفي مصحف أبيّ: {وهذا صراط ربك} {وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل} الطرق المختلفة في الدين، من اليهودية والنصرانية، والمجوسية، وسائر البدع والضلالات {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ} فتفرقكم أيادي سبا {عَن سَبِيلِهِ} عن صراط الله المستقيم وهو دين الإسلام. وقرئ: {فَتَّفَرَّقَ} بإدغام التاء. وروى أبو وائل عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أنه خط خطاً ثم قال: هذا سبيل الرشد، ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية» {وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه} وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الآيات محكمات لم ينسخهنّ شيء من جميع الكتب. وقيل: إنهنّ أمّ الكتاب، من عمل بهنّ دخل الجنة، ومن تركهنّ دخل النار، وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إنّ هذه الآيات لأول شيء في التوراة.
فإن قلت: علام عطف قوله: {ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب} قلت: على {وصاكم بِهِ}.
فإن قلت: كيف صحّ عطفه عليه بثم- والإيتاء قبل التوصية بدهر طويل-؟ قلت: هذه التوصية قديمة، لم تزل توصاها كل أمّة على لسان نبيهم، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: محكمات لم ينسخهنّ شيء من جميع الكتاب، فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً.

.تفسير الآية رقم (154):

{ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)}
{ثُمَّ} أعظم من ذلك أنا {ءَاتَيْنَا مُوسَى الكتاب} وأنزلنا هذا الكتاب المبارك. وقيل: هو معطوف على ما تقدّم قبل شطر السورة من قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ} [الأنعام: 84] {تَمَامًا عَلَى الذى أَحْسَنَ} تماماً للكرامة والنعمة، على الذي أحسن، على من كان محسناً صالحاً، يريد جنس المحسنين. وتدلّ عليه قراءة عبد الله: {على الذين أحسنوا} أو أراد به موسى عليه السلام، أي تتمة للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وفي كل ما أمر به أو تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع، من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته، أي زيادة على علمه على وجه التتميم.
وقرأ يحيى بن يعمر: {على الذي أحسن}، بالرفع، أي على الذي هو أحسن، بحذف المبتدإ كقراءة من قرأ: {مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً} [البقرة: 26] بالرفع أي على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه. أو آتينا موسى الكتاب تماماً، أي تامَّاً كاملاً على أحسن ما تكون عليه الكتب، أي على الوجه والطريق الذي هو أحسن وهو معنى قول الكلبي: أتمَّ له الكتاب على أحسنه.

.تفسير الآيات (155- 157):

{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)}
{أَن تَقُولُواْ} كراهة أن تقولوا {على طَائِفَتَيْنِ} يريدون أهل التوراة وأهل الإنجيل {وَإِن كُنَّا} هي إن المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والأصل: وإنه كنا عن دراستهم غافلين، على أن الهاء ضمير الشأن {عَن دِرَاسَتِهِمْ} عن قراءتهم، أي لم نعرف مثل دراستهم {لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ} لحدّة أذهاننا، وثقابة أفهامنا، وغزارة حفظنا لأيام العرب ووقائعها وخطبها وأشعارها وأسجاعها وأمثالها، على أنا أمّيون. وقرئ: {أن يقولوا} أو يقولوا، بالياء {فَقَدْ جَاءكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ} تبكيت لهم، وهو على قراءة من قرأ: {يقولوا} على لفظ الغيبة أحسن، لما فيه من الالتفات. والمعنى: إن صدّقتكم فيما كنتم تعدّون من أنفسكم فقد جاءكم بينة من ربكم، فحذف الشرط وهو من أحاسن الحذوف {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بأيات الله} بعد ما عرف صحتها وصدقها، أو تمكن من معرفة ذلك {وَصَدَفَ عَنْهَا} الناس فضلّ وأضلّ {سَنَجْزِى الذين يَصْدِفُونَ عَنْ ءاياتنا سُوء العذاب} كقوله: {الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب} [النحل: 88].

.تفسير الآية رقم (158):

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)}
{الملائكة} ملائكة الموت، أو العذاب {أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ} أو يأتي كل آيات ربك. بدليل قوله: {أَوْ يأْتِىَ بَعْضُ ءايات رَبِّكَ} يريد آيات القيامة والهلاك الكلي، وبعض الآيات. أشراط الساعة، كطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك.
وعن البراء بن عازب: كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما تتذاكرون؟ فقلنا: نتذاكر الساعة قال: إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، ودابة الأرض، وخسفاً بالمغرب، وخسفاً بالمشرق، وخسفاً بجزيرة العرب، والدجال، وطُلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، وناراً تخرج من عدن» {لَمْ تَكُنْ آمنت مِن قَبْلُ} صفة لقوله نفساً. وقوله: {أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمانها خَيْرًا} عطف على آمنت. والمعنى أنّ أشراط الساعة إذا جاءت وهي آيات ملجئة مضطرة، ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذ نفساً غير مقدّمة إيمانها من قبل ظهور الآيات، أو مقدّمة الإيمان غير كاسبة في إيمانها خيراً، فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيراً، ليعلم أنَّ قوله: {الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات} [البقرة: 25] جمع بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى، حتى يفوز صاحبهما ويسعد، وإلاّ فالشقوة والهلاك {قُلِ انتظروا إنا مُنتَظِرُونَ} وعيد. وقرئ: {أن يأتيهم الملائكة} بالياء والتاء.
وقرأ ابن سيرين: (لا تنفع) بالتاء؛ لكون الإيمان مضافاً إلى ضمير المؤنث الذي هو بعضه كقولك: ذهبت بعض أصابعه.