فصل: تفسير الآية رقم (21):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآيات (19- 20):

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20)}
وقرئ: {خالق السموات والأرض} {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أي هو قادر على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقاً آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم، إعلاماً منه باقتداره على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم، يقدر على الشيء وجنس ضده {وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ} بمتعذر، بل هو هين عليه يسير، لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فإذا خلص له الداعي إلى شيء وانتفى الصارف، تكوّن من غير توقف: كتحريك أصبعك إذا دعاك إليه داع ولم يعترض دونه صارف، وهذه الآيات بيان لإبعادهم في الضلال وعظيم خطئهم في الكفر بالله، لوضوح آياته الشاهدة له الدالة على قدرته الباهرة وحكمته البالغة وأنه هو الحقيق بأن يعبد، ويخاف عقابه ويرجىثوابه في دار الجزاء.

.تفسير الآية رقم (21):

{وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21)}
{وَبَرَزُواْ للَّهِ} ويبرزون يوم القيامة. وإنما جيء به بلفظ الماضي، لأنّ ما أخبر به عزّ وعلا لصدقه كأنه قد كان ووجد، ونحوه: {وَنَادَى أصحاب الجنة} [الأعراف: 44]، {ونادى أصحاب النار} [الأعراف: 50] ونظائر له. ومعنى بروزهم لله- والله تعالى لا يتوارى عنه شيء حتى يبرز له- أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش، ويظنون أن ذلك خاف على الله، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أنّ الله لا يخفى عليه خافية. أو خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه.
فإن قلت: لما كتب {الضعفؤا} بواو قبل الهمزة؟ قلت: كتب على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو. ونظيره {علمؤا بَنِى إسراءيل} [الشعراء: 197] والضعفاء: الأتباع والعوام والذين استكبروا: ساداتهم وكبراؤهم، الذين استتبعوهم واستغووهم وصدوهم عن الاستماع إلى الأنبياء وأتباعهم {تَبَعًا} تابعين: جمع تابع على تبع، كقولهم: خادم وخدم وغائب وغيب أو ذوي تبع. والتبع: الأتباع، يقال: تبعه تبعاً.
فإن قلت: أي فرق بين من في {مّنْ عَذَابِ الله} وبينه في {مِن شَيْء}؟ قلت: الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، كأنه قيل: هل أنتم مغنون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله. ويجوز أن تكونا للتبعيض معاً، بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله، أي: بعض بعض عذاب الله فإن قلت: فما معنى قوله: {لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ}؟ قلت: الذي قال لهم الضعفاء كان توبيخا لهم وعتاباً على استتباعهم واستغوائهم. وقولهم: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا} من باب التبكيت؛ لأنهم قد علموا أنهم لا يقدرون على الإغناء عنهم، فأجابوهم معتذرين عما كان منهم إليهم: بأن الله لو هداهم إلى الإيمان لهدوهم ولم يضلوهم، إما موركين الذنب في ضلالهم وإضلالهم على الله، كما حكى الله عنهم وقالوا {لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148]، {لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْء} [النحل: 35] يقولون ذلك في الآخرة كما كانوا يقولونه في الدنيا. ويدل عليه قوله حكاية عن المنافقين {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيْء} [المجادلة: 18]. وإما أن يكون المعنى: لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان. وقيل: معناه لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم، أي: لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق الهلكة {سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} مستويان علينا الجزع والصبر. والهمزة وأم للتسوية. ونحوه: {فاصبروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم} [الطور: 16] وروي أنهم يقولون: تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون كذلك ثم يقولون: سواء علينا.
فإن قلت: كيف اتصل قوله سواء علينا بما قبله؟ اتصاله من حيث أنّ عتابهم لهم كان جزعاً مما هم فيه، فقالوا: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا، يريدون أنفسهم وإياهم، لاجتماعهم في عقاب الضلالة التي كانوا مجتمعين فيها، يقولون: ما هذا الجزع والتوبيخ، ولا فائدة في الجزع كما لا فائدة في الصبر والأمر من ذلك أطمّ. أو لما قالوا لو هدانا الله طريق النجاة لأغنينا عنكم وأنجيناكم، أتبعوه الإقناط من النجاة فقالوا: {مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} أي منجى ومهرب، جزعنا أم صبرنا، ويجوز أن يكون من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً، كأنه قيل: قالوا جميعاً سواء علينا، كقوله: {ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أخنه} [يوسف: 52] والمحيص يكون مصدراً كالمغيب والمشيب. ومكاناً كالمبيت والمصيف. ويقال: حاص عنه وجاض، بمعنى واحد.

.تفسير الآية رقم (22):

{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)}
{لَمَّا قُضِىَ الأمر} لما قطع الأمر وفرغ منه، وهو الحساب، وتصادر الفريقين ودخول أحدهما الجنة ودخول الآخر النار.
وروي أنّ الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في الأشقياء من الجنّ والإنس فيقول ذلك {إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق} وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم {وَوَعَدتُّكُمْ} خلاف ذلك {فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان} من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي وألجئكم إليها {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني، وليس الدعاء من جنس السلطان، ولكنه كقولك: ما تحيتهم إلا الضرب. {فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ} حيث اغتررتم بي وأطعتموني إذ دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم، وهذا دليل على أنّ الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه، وليس من الله إلا التمكين، ولا من الشيطان إلا التزيين. ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإنّ الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه.
فإن قلت: قول الشيطان باطل لا يصح التعلق به.
قلت: لو كان هذا القول منه باطلاً لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره، على أنه لا طائل له في النطق بالباطل في ذلك المقام: ألا ترى إلى قوله: {إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} كيف أتى فيه بالحق والصدق، وفي قوله: {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان} وهو مثل قول الله تعالى: {إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين} [الحجر: 42]، {مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ} لا ينجي بعضنا بعضاً من عذاب الله ولا يغيثه. والإصراخ: الإغاثة. وقرئ: {بمصرخي} بكسر الياء وهي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول:
قَالَ لَهَا هَلْ لَكِ يَاتَا في ** قَالَتْ لَهُ مَا أنْتَ بِالمَرْضِي

وكأنه قدّر ياء الإضافة ساكنة وقبلها ياء ساكنة، فحرّكها بالكسر لما عليه أصل التقاء الساكنين، ولكنه غير صحيح، لأنَّ ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة، حيث قبلها ألف في نحو عصاي، فما بالها وقبلها ياء؟ فإن قلت: جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام، فكأنها ياء وقعت ساكنة بعد حرف صحيح ساكن، فحرّكت بالكسر على الأصل.
قلت: هذا قياس حسن، ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات. (ما) في {بِمَا أشركتموني} مصدرية، و{مِن قَبْلُ} متعلقة بأشركتموني، يعني: كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم، أي في الدنيا، كقوله تعالى: {وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} [فاطر: 14] ومعنى كفره بإشراكهم إياه: تبرؤه منه واستنكاره له، كقوله تعالى: {إِنَّا بُرَءاء مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ} [الممتحنة: 4] وقيل: {مِن قَبْلُ} يتعلق بكفرت. وما موصولة، أي: كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أشركتمونيه وهو الله عز وجل، تقول: شركت زيداً، فإذا نقلت بالهمزة قلت: أشركنيه فلان، أي: جعلني له شريكاً. ونحو (ما) هذه (ما) في قولهم: سبحان ما سخركنّ لنا. ومعنى إشراكهم الشيطان بالله: طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان وغيرها، وهذا آخر قول إبليس، وقوله: {إِنَّ الظالمين} قول الله عزّ وجلّ، ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس، وإنما حكى الله عز وعلا ما سيقوله في ذلك الوقت، ليكون لطفاً للسامعين في النظر لعاقبتهم والاستعداد لما لابد لهم من الوصول إليه، وأن يتصوّروا في أنفسهم ذلك المقام الذي يقول الشيطان فيه ما يقول، فيخافوا ويعملوا ما يخلصهم منه وينجهم. وقرئ: {فلا يلوموني}، بالياء على طريقة الالتفات، كقوله تعالى: {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم} [يونس: 22].

.تفسير الآية رقم (23):

{وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23)}
وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: {وأدخل الذين آمنوا} على فعل المتكلم، بمعنى: وأدخل أنا وهذا دليل على أنه من قول الله، لا من قول إبليس {بِإِذْنِ رَبّهِمْ} متعلق بأدخل، أي: أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.
فإن قلت: فبم يتعلق في القراءة الأخرى، وقولك: وأدخلهم أنا بإذن ربهم، كلام غير ملتئم؟ قلت: الوجه في هذه القراءة أن يتعلق قوله: {بِإِذْنِ رَبّهِمْ} بما بعده، أي {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام} بإذن ربهم، يعني: أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.

.تفسير الآيات (24- 25):

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)}
قرئ: {ألم تر} ساكنة الراء، كما قرئ: {من يتق}، وفيه ضعف {ضَرَبَ الله مَثَلاً} اعتمد مثلاً ووضعه. و{كَلِمَةً طَيّبَةً} نصب بمضمر، أي: جعل كلمة طيبة {كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ} وهو تفسير لقوله: {ضَرَبَ الله مَثَلاً} كقولك: شرّف الأمير زيداً: كساه حلة، وحمله على فرس. ويجوز أن ينتصب {مثل الذين} و{كَلِمةًَ} بضرب، أي: ضرب كلمة طيبة مثلاً، بمعنى جعلها مثلاً ثم قال: {كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ} على أنها خبر مبتدأ محذوف، بمعنى هي كشجرة طيبة {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} يعني في الأرض ضارب بعروقه فيها {وَفَرْعُهَا} وأعلاها ورأسها {فِى السماء} ويجوز أن يريد: وفروعها، على الاكتفاء بلفظ الجنس.
وقرأ أنس بن مالك {كشجرة طيبة ثابت} أصلها فإن قلت: أيّ فرق بين القراءتين؟ قلت: قراءة الجماعة أقوى معنى؛ لأنّ في قراءة أنس أجريت الصفة على الشجرة، وإذا قلت: مررت برجل أبوه قائم، فهو أقوى معنى من قولك: مررت برجل قائم أبوه؛ لأنّ المخبر عنه إنما هو الأب لا رجل. والكلمة الطيبة: كلمة التوحيد. وقيل: كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة.
وعن ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله. وأما الشجرة فكل شجرة مثمرة طيبة الثمار، كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمّان وغير ذلك وعن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «إن الله ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي» فوقع الناس في شجر البوادي، وكنت صبياً، فوقع في قلبي أنها النخلة، فهبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقولها وأنا أصغر القوم.
وروي: فمنعني مكان عمر واستحييت، فقال لي عمر: يا بنيّ لو كنت قلتها لكانت أحبّ إليّ من حمر النعم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا إنها النخلة»
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: شجرة في الجنة وقوله: {فِى السماء} معناه في جهة العلوّ والصعود، ولم يرد المظلة، كقولك في الجبل: طويل في السماء تريد ارتفاعه وشموخه {تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} تعطي ثمرها كل وقت وقته الله لإثمارها {بِإِذْنِ رَبّهَا} بتيسير خالقها وتكوينه {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني.

.تفسير الآية رقم (26):

{وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)}
{كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} كمثل شجرة خبيثة، أي: صفتها كصفتها. وقرئ: {ومثل كلمة} بالنصب، عطفاً على كلمة طيبة، والكلمة الخبيثة: كلمة الشرك. وقيل: كل كلمة قبيحة. وأمّا الشجرة الخبيثة فكل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والكشوث ونحو ذلك. وقوله: {اجتثت مِن فَوْقِ الأرض} في مقابلة قوله: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} [إبراهيم: 24] ومعنى {اجتثت} استؤصلت، وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} أي استقرار. يقال: قرّ الشيء قراراً، كقولك: ثبت ثباتاً شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة، فهو داحض غير ثابت والذي لا يبقى إنما يضمحل عن قريب لبطلانه، من قولهم: الباطل لجلج.
وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء: ما تقول في كلمة خبيثة؟ فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً، ولا في السماء مصعداً، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها القيامة.