فصل: تفسير الآية رقم (61):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآية رقم (44):

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44)}
{إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا} أي لا ينقصهم شيئاً مما يتصل بمصالحهم من بعثة الرسل وإنزال الكتب، ولكنهم يظلمون أنفسهم بالكفر والتكذيب، ويجوز أن يكون وعيداً للمكذبين، يعني: أن ما يلحقهم يوم القيامة من العذاب لاحق بهم على سبيل العدل والاستيجاب. ولا يظلمهم الله به، ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف ما كان سبباً فيه.

.تفسير الآية رقم (45):

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45)}
{إِلاَّ سَاعَةً مّنَ النهار} يستقربون وقت لبثهم في الدنيا. وقيل: في القبور، لهول ما يرون {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} يعرف بعضهم بعضاً، كأنهم لم يتفارقوا إلاّ قليلاً، وذلك عند خروجهم من القبور ثم ينقطع التعارف بينهم لشدّة الأمر عليهم.
فإن قلت: {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ} و{يَتَعَارَفُونَ} كيف موقعهما؟ قلت: أما الأولى فحال من (هم) أي يحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلاّ ساعة. وأما الثانية فإما أن تتعلق بالظرف. وإما أن تكون مبينة، لقوله: {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً} لأنّ التعارف لا يبقى مع طول العهد وينقلب تناكراً {قَدْ خَسِرَ} على إرادة القول، أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك، أو هي شهادة من الله تعالى على خسرانهم. والمعنى أنهم وضعوا في تجارتهم وبيعهم الإيمان بالكفر {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} للتجارة عارفين بها، وهو استئناف فيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أخسرهم!

.تفسير الآية رقم (46):

{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46)}
{فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} جواب نتوفينك، وجواب نرينك محذوف، كأنه قيل: وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن نريكه فنحن نريكه في الآخرة.
فإن قلت: الله شهيد على ما يفعلون في الدارين، فما معنى ثم؟ قلت: ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب، كأنه قال: ثم الله معاقب على ما يفعلون.
وقرأ ابن أبي عبلة: (ثم) بالفتح، أي هنالك. ويجوز أن يراد: أنّ الله مؤدّ شهادته على أفعالهم يوم القيامة، حين ينطق جلودهم وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم شاهدة عليهم.

.تفسير الآية رقم (47):

{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47)}
{وَلِكُلّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} يبعث إليهم لينبههم على التوحيد، ويدعوهم إلى دين الحق {فَإِذَا جَاء} هم {رَسُولَهُمْ} بالبينات فكذبوه، ولم يتبعوه {قُضِىَ بَيْنَهُمْ} أي بين النبيّ ومكذّبيه {بالقسط} بالعدل، فأنجى الرسول وعذّب المكذّبون، كقوله؛ {وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] أو لكل أمّة من الأمم يوم القيامة رسول تنسب إليه وتدعى به، فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان، كقوله تعالى: {وَجِيء بالنبيين والشهداء وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالحق} [الزمر: 69].

.تفسير الآيات (48- 49):

{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49)}
{متى هذا الوعد} استعجال لما وعدوا من العذاب استبعاداً له {لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا} من مرض أو فقر {وَلاَ نَفْعاً} من صحة أو غنى {إِلاَّ مَا شَاء الله} استثناء منقطع: أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن، فكيف أملك لكم الضرر وجلب العذاب؟ {لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} يعني أن عذابكم له أجل مضروب عند الله وحدّ محدود من الزمان {إِذَا جَاء} ذلك الوقت أنجز وعدكم لا محالة، فلا تستعجلوا.
وقرأ ابن سيرين: {فإذا جاء آجالهم}.

.تفسير الآيات (50- 52):

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آَمَنْتُمْ بِهِ آَلْآَنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52)}
{بَيَاتًا} نصب على الظرف، بمعنى. وقت بيات، فإن قلت: هلا قيل ليلاً أو نهاراً؟ قلت: لأنه أريد: إن أتاكم عذابه وقت بيات فبيتكم وأنتم ساهون لا تشعرون، كما يبيت العدو المباغت. والبيات بمعنى التبييت، كالسلام بمعنى التسليم، وكذلك قوله: {نَهَارًا} معناه في وقت أنتم فيه مشتغلون بطلت بالمعاش والكسب. ونحوه {بياتا وَهُمْ نَائِمُونَ} [الأعراف: 98]، {ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأعراف: 98] الضمير في {مِنْهُ} للعذاب. والمعنى: أن العذاب كله مكروه مرّ المذاق موجب للنفار، فأي شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال. ويجوز أن يكون معناه التعجب، كأنه قيل أي شيء هول شديد يستعجلون منه، ويجب أن تكون (من) للبيان في هذا الوجه. وقيل: الضمير في {مِنْهُ} لله تعالى.
فإن قلت: بم تعلق الاستفهام؟ وأين جواب الشرط قلت تعلق بأرأيتم لأنَّ المعنى: أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون وجواب الشرط محذوف وهو: تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ فيه.
فإن قلت: فهلا قيل: ماذا تستعجلون منه.
قلت: أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام؛ لأنّ من حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه، ويهلك فزعاً من مجيئه وإن أبطأ، فضلاً أن يستعجله. ويجوز أن يكون {مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون} جواباً للشرط، كقولك: إن أتيتك ماذا تطعمني؟ بما تتعلق الجملة بأرأيتم، وأن يكون {أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءامَنْتُمْ بِهِ} جواب الشرط، و{مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون} اعتراضاً. والمعنى: إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على ثم، كدخوله على الواو والفاء في قوله: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى} [الأعراف: 97]، {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى} [الأعراف: 98]. {ءآلئان} على إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب: آلآن آمنتم به {وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} يعني: وقد كنتم به تكذبون؛ لأنّ استعجالهم كان على جهة التكذيب والإنكار. وقرئ: (الآن)، بحذف الهمزة بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام {ثُمَّ قِيلَ الذين ظَلَمُواْ} عطف على (قيل) المضمر قبل آلآن.

.تفسير الآية رقم (53):

{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53)}
{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ} ويستخبرونك فيقولون: {أَحَقٌّ هُوَ} وهو استفهام على جهة الإنكار والاستهزاء.
وقرأ الأعمش: {آلحق هو}، وهو أدخل في الاستهزاء، لتضمنه معنى التعريض بأنه باطل. وذلك أنّ اللام للجنس، فكأنه قيل: أهو الحق لا الباطل؟ أو أهو الذي سميتموه الحق، والضمير للعذاب الموعود. و{إِى} بمعنى (نعم) في القسم خاصة، كما كان (هل) بمعنى (قد) في الاستفهام خاصة. وسمعتهم يقولون في التصديق: إيوَ، فيصلونه بواو القسم ولا ينطقون به وحده {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} بفائتين العذاب، وهو لاحق بهم لا محالة.

.تفسير الآيات (54- 56):

{وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (55) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56)}
{ظَلَمَتْ} صفة لنفس على: ولو أنّ لكل نفس ظالمة {مَّا فِي الأرض} أي ما في الدنيا اليوم من خزائنها وأموالها وجميع منافعها على كثرتها {لاَفْتَدَتْ بِهِ} لجعلته فدية لها. يقال: فده فافتدى. ويقال: افتداه أيضاً بمعنى فداه {وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب} لأنهم بهتوا لرؤيتهم ما لم يحتسبوه ولم يخطر ببالهم وعاينوا من شدة الأمر وتفاقمه ما سلبهم قواهم وبهرهم فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخاً ولا ما يفعله الجازع، سوى إسرار الندم والحسرة في القلوب، كما ترى المقدّم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخطب، ويغلب حتى لا ينبس بكلمة ويبقى جامداً مبهوتاً، وقيل: أسر رؤساؤهم الندامة من سفالتهم الذين أضلوهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم وقيل أسروها أخلصوها، إما لأن إخفاءها إخلاصها، وإما من قولهم: سرّ الشيء، خالصه. وفيه تهكم بهم وبأخطائهم وقت إخلاص الندامة. وقيل: أسروا الندامة: أظهروها، من قولهم: أسر الشيء وأشره إذا أظهره. وليس هناك تجلد {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} أي بين الظالمين والمظلومين، دلّ على ذلك ذكر الظلم. ثم أتبع ذلك الإعلام بأنّ له الملك كله، وأنه المثيب المعاقب، وما وعدوه من الثواب والعقاب فهو حق. وهو القادر على الإحياء والإماتة، لا يقدر عليهما غيره، وإلى حسابه وجزائه المرجع، ليعلم أن الأمر كذلك، فيخاف ويرجئ ولا يغتر به المغترون.

.تفسير الآيات (57- 58):

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)}
{قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ} أي قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد {و} هو {شِفَآء} أي دواء {لِّمَا فِي} صدوركم من العقائد الفاسدة ودعاء إلى الحق {وَرَحْمَةً} لمن آمن به منكم. وأصل الكلام: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا، فبذلك فليفرحوا، والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه، والفاء داخلة لمعنى الشرط؛ كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، فإنه لا مفروح به أحق منهما. ويجوز أن يراد: بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا. ويجوز أن يراد: قد جاءتكم موعطة بفضل الله وبرحمته، فبذلك: فبمجيئها فليفرحوا.
وقرئ: {فلتفرحوا} بالتاء وهو الأصل والقياس، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي. وعنه: «لتأخذوا مصافكم» قالها في بعض الغزوات. وفي قراءة أبيّ: {فافرحوا} {هُوَ} راجع إلى ذلك. وقرئ: {مما تجمعون} بالياء والتاء.
وعن أبيّ بن كعب: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا: {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ} فقال: «بكتاب الله والإسلام» وقيل: (فضله) الإسلام (ورحمته) ما وعد عليه.

.تفسير الآيات (59- 60):

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60)}
{أَرَأَيْتُمْ} أخبروني. و{مَّاَ أَنزَلَ الله} (ما) في موضع النصب، بأنزل، أو بأرأيتم، في معنى: أخبرونيه {فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً} أي أنزله الله رزقاً حلالاً كله فبعضتموه وقلتم: هذا حلال وهذا حرام، كقولهم: {هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ}، {مَا فِي بُطُونِ هذه الانعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا} {الله أَذِنَ لَكُمْ} متعلق بأرأيتم. وقل: تكرير للتوكيد. والمعنى: أخبروني آلله أذن لكم في التحليل والتحريم فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تتكذبون على الله في نسبة ذلك إليه. ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار، وأم منقطعة بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريراً للافتراء. وكفى بهذه الآية زاجرة زجراً بليغاً عن التجوز فيما يسئل عنه من الأحكام. وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلاّ بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت، وإلاّ فهو مفتر على الله {يَوْمُ القيامة} منصوب بالظن، وهو ظنّ واقع فيه، يعني: أي شيء ظنّ المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم فيه وهو يوم الجزاء بالإحسان والإساءة، وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره.
وقرأ عيسى ابن عمر: {وما ظنّ} على لفظ الفعل. ومعناه: وأي ظنّ ظنّوا يوم القيامة. وجيء به على لفظ الماضي لأنه كائن فكأن قد كان {إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس} حيث أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بالوحي وتعليم الحلال والحرام {ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} هذه النعمة ولا يتبعون ما هدوا إليه.

.تفسير الآية رقم (61):

{وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)}
{وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} (ما) نافية والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والشأن: الأمر، وأصله الهمز بمعنى القصد، من شأنت شأنه إذا قصدت قصده. والضمير في {مِنْهُ} للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو معظم شأنه، أو للتنزيل، كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن، لأنّ كلّ جزء منه قرآن، والإضمار قبل الذكر تفخيم له. أو لله عزّ وجلّ. وما {تَعْمَلُونَ} أنتم جميعاً {مِنْ عَمَلٍ} أيّ عمل كان {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا} شاهدين رقباء نحصي عليكم {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} من أفاض في الأمر إذا اندفع فيه {وَمَا يَعْزُبُ}. قرئ بالضم والكسر (وما يبعد وما يغيب)، ومنه: الروض العازب {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ} القراءة بالنصب والرفع، والوجه النصب على نفي الجنس، والرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه، وفي العطف على محل {مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ} أو على لفظ {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] فتحاً في موضع الجرّ لامتناع الصرف: إشكال، لأنّ قولك: (لا يعزب عنه شيء إلاّ في كتاب) مشكل.
فإن قلت: لم قدّمت الأرض على السماء، بخلاف قوله: في سورة سبأ {عالم الغيب لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السموات وَلاَ فِي الأرض} [سبأ: 3]؟ قلت: حق السماء أن تقدم على الأرض، ولكنه لما ذكر شهادته على شئون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم، ووصل بذلك قوله: {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ} [سبأ: 3] لاءم ذلك أن قدّم الأرض على السماء، على أنّ العطف بالواو حكمه حكم التثنية.