فصل: بَابٌ فِي الْمَغَانِمِ :

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن



.بَابٌ فِي الْمَغَانِمِ :

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأَمَّا نَسْخُ الْمَغَانِمِ فَإِنَّ.
399 - حَجَّاجًا، حَدَّثَنَا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1] قَالَ: ثُمَّ نَسَخَتْهَا: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41].
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
400 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا عبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1] قَالَ: الْأَنْفَالُ: الْغَنَائِمُ الَّتِي كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ خَاصَّةً، لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا شَيْءٌ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41] قَالَ: ثُمَّ قَسَمَ ذَلِكَ الْخُمُسَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَلِذِي الْقُرْبَى، يَعْنِي: قَرَابَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَلِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَجَعَلَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ النَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ، لِلْفَرَسِ مِنْهُ سَهْمَانِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمٌ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ.

.بَابُ الِاسْتِئْذَانِ وَمَا فِيهِ مِنْ نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:

أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
401 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور: 58] قَالَ: عَبِيدُكُمُ الْمَمْلُوكُون.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
402 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور: 58] قَالَ: هِيَ خَاصَّةٌ لِلنِّسَاءِ لَا لِلرِّجَالِ، يَسْتَأْذِنُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أَنَّ الْإِمَاءَ يَنْبَغِي لَهُنَّ أَنْ يَسْتَأْذِنَّ عَلَى مَوَالِيهِنَّ فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ الثَّلَاثةِ الْمُسَمَّاةِ هَاهُنَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: {مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ، وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} [النور: 58] يَقُولُ: فَأَمَّا ذُكُورُ الْمَمَالِيكِ، فَإِنَّ عَلَيْهِمُ الِاسْتِئْذَانَ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ أَخْبَرَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ نَسْخًا بَلْ أَغْلَظُوا شَأْنَهَ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
403 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: ثَلَاثُ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَرَكَهُنَّ النَّاسُ، لَا أَرَى أَحَدًا يَعْمَلُ بِهِنَّ قَالَ: حَفِظْتُ آيَتَيْنِ وَنَسِيتُ وَاحِدَةً قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور: 58] الْآيَةَ، وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ الرَّجُلُ بَعْدَ هَذِهِ لِلرَّجُلِ: أَنَا أَكْرَمُ مِنْكَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَكْرَمَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِالتَّقْوَى.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
404 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور: 58] قُلْتُ: أَمَنْسُوخَةٌ هِيَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَفِي غَيْرِ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: فَقُلْتُ: قَدْ تَرَكَهَا النَّاسُ، فَقَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: يَقُولُونَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ لَا وَاللَّهِ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ بِهِ النَّاسُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ تَحَدَّثُوا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَحْمِلُهُ بَعْضُهُمْ عَلَى التَّرْخِيصِ فِيهِ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
406 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَاهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَسَأَلُوهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور: 58]، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَفِيقٌ رَحِيمٌ بِالْمُؤْمِنِينَ يُحِبُّ السَّتْرَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: وَكَانَ النَّاسُ لَيْسَ لَهُمْ سُتُورٌ وَلَا حِجَالٌ، فَرُبَّمَا دَخَلَتِ الْخَادِمُ وَالْوَلَدُ أَوْ يَتِيمَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ، فَأُمِرُوا بِالِاسْتِئْذَانِ فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ فَجَاءَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالسُّتُورِ وَالْخَيْرِ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَيْسَ وَجْهُ هَذَا عِنْدِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الرُّخْصَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يُخْبِرْنَا أَنَّهُ نَسَخَهَا قُرْآنٌ، وَلَا أَنَّ السُّنَّةَ جَاءَتْ بِرُخْصَةٍ فِيهَا، إِنَّمَا قَالَ: لَمْ أَرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ، وَقَدْ حَكَى عَنْهُ عَطَاءٌ هَذَا اللَّفْظَ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَالِاسْتِبْطَاءِ لِلنَّاسِ، أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ: ثَلَاثُ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَرَكَهُنَّ النَّاسُ، لَا أَرَى أَحَدًا يَعْمَلُ بِهِنَّ، فَرِوَايَةُ عَطَاءٍ عِنْدَنَا مُفَسِّرَةٌ لِلَّذِي رَوَى عِكْرِمَةُ، وَلَيْسَ الْمَذْهَبُ فِي الْآيَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُحْكَمَةً قَائِمَةً لَمْ يَنْسَخْهَا كِتَابٌ وَلَا نَقَلَتِ الْآثَارُ الَّتِي انْتَهَتْ إِلَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ بِالتَّسَهُّلِ فِي ذَلِكَ إِلَّا شَيْءٌ يُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ.
407 - فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْخَادِمِ الَّتِي تَبِيتُ مَعَ أَهْلِ الرَّجُلِ: إِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ تَدْخُلَ بِغَيْرِ إِذَنٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَحْسَبُنِي سَمِعْتُهُ مِنْ هُشَيْمٍ يُحَدِّثُهُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ فَهَذَا مَا جَاءَ فِي الْمَمَالِيكِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ مِنَ الْأَحْرَارِ.
408 - فَإِنَّ حَجَّاجًا حَدَّثَنَا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} [النور: 58] قَالَ: الَّذِينَ لَمْ يَحْتَلِمُوا مِنْ أَحْرَارِكُم.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
409 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} [النور: 58] . قَالَ: كَانَ أَهْلُنَا يَأْمُرُونَا إِذَا جَاءَ أَحَدُنَا لِيَدْخُلَ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَيَدْخُلُ فُلَانٌ.

.بَابُ الْمَوَارِيثِ نَاسِخِهِا وَمَنْسُوخِهِا :

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَجَدْنَا نَسْخَ الْمَوَارِيثِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، مِنْهَا مَوْضِعٌ كَانَ الْمِيرَاثُ فِيهِ مَمْنُوعًا فَنَسَخَتْهُ الْإِبَاحَةُ، وَمَوْضِعَانِ كَانَ الْمِيرَاثُ فِيهِمَا مُبَاحًا، فَنَسَخَهُمَا الْمَنْعُ، فَأَمَّا الَّذِي كَانَ مَمْنُوعًا، فَنُسِخَ بِالْإِبَاحَةِ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَعْرَابِ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
410 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَعُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وجاهدوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال: 72] قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرِيُّ لَا يَتَوَلَّى الْأَعْرَابِيَّ وَلَا يَرِثُهُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَرِثُ الْأَعْرَابِيُّ الْمُهَاجِرَ، فَنَسَخَتْهَا: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأحزاب: 6].
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ نَحْوَهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذَا نَسْخُ مِيرَاثِ الْمُهَاجِرِينَ وَالتَّارِكِينَ لِلْهِجْرَةِ، وَأَمَّا الْمِيرَاثَانِ اللَّذَانِ كَانَا مُبَاحَيْنِ فَنُسِخَا بِالْمَنْعِ، فَمِيرَاثُ الْحُلَفَاءِ مِنْ مُحَالِفِيهِمْ وَمِيرَاثُ الْأَدْعِيَاءِ مِنْ مُتَبَنِّيهِمْ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
412 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} قَالَ: كَانَ حِلْفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأُمِرُوا أَنْ يُعْطُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْمَشُورَةِ وَالْعَقْلِ وَالنَّصْرِ وَلَا مِيرَاثَ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
413 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلِهِ: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأحزاب: 6] قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْعَصَبَاتِ كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ يَقُولُ: تَرِثُنِي وَأَرِثُكَ، فَنَزَلَتْ: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأحزاب: 6.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
414 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَعُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ يَقُولُ: تَرِثُنِي وَأَرِثُكَ فَنَسَخَتْهَا: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأحزاب: 6.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ وَزَادَ فِيهِ قَالَ: نَسَخَتْهَا {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأحزاب: 6] إِلَى قَوْلِهِ {إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 6] قَالَ: إِلَّا أَنْ يُوصُوا لِأَوْلِيَائِهِمُ الَّذِينَ عَاقَدُوهُمْ وَصِيَّةً.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذَا نَسْخُ الْحُلَفَاءِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْأَدْعِيَاءِ.
416 - فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَالِحٍ حَدَّثَنَا، عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَّوْنَ رِجَالًا وَيُوَرِّثُونَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا مِنَ الْوَصِيَّةِ وَرَدَّ الْمِيرَاثَ إِلَى الْمَوَالِي مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ وَالْعَصَبَةِ وَأَبَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُدَّعِينَ مِيرَاثًا مِمَّنِ ادَّعَاهُمْ وَلَكِنْ جَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا مِنَ الْوَصِيَّةِ مَكَانَ مَا تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ فِي الْمِيرَاثِ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ فِيهِ أَمْرَهُمْ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
417 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو عَائِذِ اللَّهِ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ تَبَنَّى سَالِمًا وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5] قَالَ: فَرُدُّوا إِلَى آبَائِهِمْ، وَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
418 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَا كَانُوا يَدَعُونَهُ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب: 5].
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: نَزَلَتْ فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، كَانَ تَبَنَّاهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
420 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] قَالَ: إِلَّا تَأْخُذُوا فِي الْمِيرَاثِ بِمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ.

.بَابُ الْوَصِيَّةِ نَاسِخِهَا وَمَنْسُوخِهَا:

أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
421 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180] قَالَ: قَدْ نُسِخَ هَذَا.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
422 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عُمَارَةَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180] قَالَ: نَسَخَتْهَا الْفَرَائِضُ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
423 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَعُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180] قَالَ: نَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7].
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
424 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، فَنَسَخَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِلْوَلَدِ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مَعَ الْوَلَدِ وَلِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ أَوِ الرُّبُعُ وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرُ أَوِ الرُّبُعُ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
425 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، فَنُسِخَ ذَلِكَ مِنْهَا فَصَارَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْأَقْرَبِينَ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ وَنُسِخَ مِنْهَا كُلُّ وَارِثٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ صَارَتِ السُّنَّةُ الْقَائِمَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ انْتَهَى قَوْلُ الْعُلَمَاءِ وَإِجْمَاعُهُمْ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ، وَحَدِيثِهِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ مَنْسُوخَةٌ لَا تَجُوزُ، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا جَائِزَةٌ لِلْأَقْرَبِينَ مَعًا إِذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْأَجْنَبِيِّينَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: لَا تَجُوزُ لَهُمُ الْوَصِيَّةُ، وَخَصُّوا بِهَا الْأَقَارِبَ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
426 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ مُسْلِمَ بْنَ يَسَارٍ وَالْعَلَاءَ بْنَ زِيَادٍ عَنِ، قَوْلِهِ: {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180] فَدَعَوْا بِالْمُصْحَفِ فَقَرَءُوا فَقَالَا: هِيَ لِلْقَرَابَةِ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
427 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: أَوْصِ لِذِي قَرَابَتِكَ مِمَّنْ لَا يَرِثُ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
428 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ فِي الْوَصِيَّةِ: مَنْ سَمَّى جَعَلْنَاهَا حَيْثُ سَمَّى، وَمَنْ قَالَ حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلْنَاهَا فِي قَرَابَتِهِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الْحَسَنِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ، وَصَارَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْأَقْرَبِينَ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ تَحَدَّثُوا عَنْ طَاوُسٍ بِأَشَدَّ مِنْ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: إِذَا ذَكَرَ غَيْرَ الْأَقَارِبِ رُدَّتْ وَصِيَّتُهُ عَلَى الْأَقَارِبِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكُلُّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا تَأَوَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِيمَا نَرَى وَقَدْ أَبَى هَذَا الْمَذْهَبَ قَوْمٌ آخَرُونَ فَرَأَوَا الْوَصِيَّةَ لِكُلِّ مُوصًى لَهُ مِنَ الْأَبَاعِدِ وَالْأَقَارِبِ مَاضِيَةً نَافِذَةً إِلَّا الْوَارِثَ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
430 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ قَالَ: أَوْصَى لِي إِبْرَاهِيمُ بِبُرْدٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَانَ سُفْيَانُ يَحْمِلُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ أَوْصَى لِأَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ مِنَ النَّخَعِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو مِنْ بَنِي تَمِيمٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ اجْتَمَعَتِ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَتِهَامَةَ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَغَيْرِهِمْ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ وَسُفْيَانُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَجَمِيعُ أَهْلِ الْآثَارِ وَالرَّأْيِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ مَا خَلَا الْوَرَثَةَ خَاصَّةً، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا.
431 - قَوْلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: «لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ».
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يُخْبِرُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، يُحَدِّثُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ فِي خُطْبَتِهِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَقَدْ تَبَيَّنَ لَكَ حِينَ خُصَّ أَهْلُ الْمِيرَاثِ بِالْمَنْعِ مِنْهَا أَنَّهُ قَدْ أَطْلَقَهَا لِمَنْ وَرَاءَهُمْ مِنَ الْعَالَمِينَ وَمِنْهُ حُكْمُهُ فِي الْمُعْتِقِ مَمَالِيكِهِ السِّتَّةِ فِي مَرَضِهِ. فَأَمْضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عِتْقَ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ فَالْعِتْقُ وَصِيَّةٌ لَهُمْ وَهُمْ عَجَمٌ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّيِّدِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ ذُو رَحِمٍ وَلَا عَصَبَةٌ أَنَّهُ يَضَعُ مَالَهُ حَيْثُ شَاءَ.
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي الَّذِي أَوْصَى بِمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي الْمُجَاهِدِينَ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ فِي الْحَجِّ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكُلُّ هَذِهِ الْآثَارِ فِي أَشْبَاهٍ لَهَا كَثِيرٌ تُوجَدُ فِي الْأَحَادِيثِ الْعَالِيَةِ إِنْ تُدُبِّرَتْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ أَنْفَذُوا الْوَصَايَا عَلَى مَا سَمَّاهَا أَرْبَابُهَا وَلَمْ يَسْأَلُوا عَنْ قَرِيبٍ وَلَا غَيْرِهِ مَا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: {إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 6].
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَفَلَسْتَ تَرَى أَنَّهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِلْحُلَفَاءِ وَالْمُتَبَنَّيْنَ وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الْقَرَابَةِ.

.بَابُ ذِكْرِ الْيَتَامَى وَمَا نُسِخَ مِنْ شَأْنِهِمْ:

أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
437 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220] قَالَ: ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَنْزَلَ {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10] الْآيَةَ كَرِهَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَضُمُّوا الْيَتَامَى إِلَيْهِمْ وَتَحَرَّجُوا أَنْ يُخَالِطُوهُمْ فِي شَيْءٍ، وَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} [البقرة: 220] قَالَ: «لَوْ شَاءَ لَأَحْرَجَكُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّهُ وَسَّعَ وَيَسَّرَ» فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6].
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
438 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَعُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6] قَالَ: فَنَسَخَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ الظُّلْمَ وَالِاعْتِدَاءَ نَسَخَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10].
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
439 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْيَتِيمِ عِنْدِي عُرَّةً لَا أَخْلِطُ طَعَامَهُ بِطَعَامِي وَلَا شَرَابَهُ بِشَرَابِي».
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
440 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرَى مَالَ الْيَتِيمِ عُرَّة..
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالَّذِي دَارَ عَلَيْهِ الْمَعْنَى مِنْ هَذَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا أَوْجَبَ النَّارَ لِآكِلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى أَحْجَمَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِمْ حَتَّى مُخَالَطَتِهِمْ؛ كَرَاهِيَةَ الْحَرَجِ فِيهَا، فَنَسَخَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ بِالْإِذْنِ فِي الْمُخَالَطَةِ وَالْإِذْنِ فِي الْإِصَابَةِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا كَانَتْ لِوَالِي تِلْكَ الْأَمْوَالِ الْحَاجَةُ إِلَيْهَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَمُخَالَطَةُ الْيَتَامَى أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمُ الْمَالُ وَيَشُقَّ عَلَى كَافِلِهِ أَنْ يُفْرِدَ طَعَامَهُ عَنْهُ، وَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ خَلْطِهِ بِعِيَالِهِ، فَيَأْخُذُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ قَدْرَ مَا يَرَى أَنَّهُ كَافِيهِ بِالتَّحَرِّي، فَيَجْعَلُهُ مَعَ نَفَقَةِ أَهْلِهِ، وَهَذَا قَدْ يَقَعُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ، فَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ النَّاسِخَةُ بِالرُّخْصَةِ فِيهِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220].
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهَذَا عِنْدِي أَصْلٌ لِلشَّاهِدِ الَّذِي تَفْعَلُهُ الرِّفَاقُ فِي الْأَسْفَارِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَتَخَارَجُونَ النَّفَقَاتِ بِالسَّوِيَّةِ وَقَدْ يَتَبَايَنُونَ فِي قِلَّةِ الْمَطْعَمِ وَكَثْرَتِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَلَّ طَعَامُهُ يَطِيبُ نَفْسُهُ بِالتَّفَضُّلِ عَلَى رَفِيقِهِ، فَلَمَّا جَاءَ هَذَا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَاسِعًا كَانَ فِي غَيْرِهِمْ بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ أَوْسَعَ، لَوْلَا ذَلِكَ لَخِفْتُ أَنْ يُضَيَّقَ فِيهِ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ.

.بَابُ الْحُكْمِ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمَا فِيهِ مِنَ النَّسْخِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:

أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
441 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] قَالَ: نَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
442 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42] قَالَ: نَسَخَتْهَا {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَيَرَوْنَ النَّظَرَ فِي أَحْكَامِهِمْ إِذَا اخْتَصَمُوا إِلَى قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ لِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَلِرَجْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ الْيَهُودِيَّ وَالْيَهُودِيَّةَ، وَأَمَّا أَهْلُ الْحِجَازِ فَلَا يَرَوْنَ إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ، يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّهُمْ قَدْ صُولِحُوا عَلَى شِرْكِهِمْ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْحُدُودِ الَّتِي يَأْتُونَ، وَتَأَوَّلُوا فِي رَجْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ الْيَهُودِيَّيْنِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ قَالُوا: إِلَّا أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنَ الْفَسَادِ وَالتَّظَالُمِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالَّذِي عِنْدَنَا فِي هَذَا أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي أُمِرَ فِيهَا بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمْ هِيَ النَّاسِخَةُ وَالْقَاطِعَةُ لِلْخِيَارِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَهْلُ الذِّمَّةِ هُمُ الْمُحْتَكِمُونَ إِلَى حَاكِمِنَا بِالِاخْتَيَارِ مِنْهُمْ لَنَا بِلَا اسْتِكْرَاهٍ، وَلَمْ نَجِدِ الْآثَارَ تُخْبِرُ عَنِ اخْتِصَامِ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْجِزْيَةِ، وَلَوْ كَانَ قَبْلَهَا وَصَحَّ ذَلِكَ مَا كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَجُوزُ بَيْنَهُمْ بَعْدَهَا، بَلْ هُوَ الْآنَ أَوْكَدُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ أَهْلَ مُوَادَعَةٍ بِمَنْزِلَةِ أُمَمِ الشِّرْكِ الَّذِينَ تَكُونُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الْهُدْنَةُ، وَهُمْ مَعَ هَذَا لَا تَجْرِي أَحْكَامُنَا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا صَارُوا إِلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَرَضِينَا مِنْهُمْ بِأَنْ يَكُونُوا شُرَكَاءَنَا فِي الدَّارِ وَمُنَاصِفِينَا فِي الْحُقُوقِ، وَرَضُوا مِنَّا بِالْإِقَامَةِ مَعَنَا عَلَيْهَا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ فِيَ دِينِنَا إِقَامَةَ الْحُدُودِ وَإِنْفَاذَ أَحْكَامِ كِتَابِنَا وَسُنَّتِنَا فَلَزِمَهُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا لَزِمَنَا، وَلَمْ يَسْعَ الْإِمَامُ أَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى أَحْكَامِهِمْ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعُونَةً عَلَى جَوْرِهِمْ وَأَخْذِهِمُ الرِّشَاءَ فِي الْحُكْمِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَهُمْ بِذَلِكَ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة: 50]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 42] وَهِيَ: الرِّشْوَةُ فِي التَّفْسِيرِ.

.بَابُ نَاسِخِ الطَّعَامِ وَمَنْسُوخِهِ:

أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
443 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [النور: 61] قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَتْ: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188] قَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ، وَإِنَّ الطَّعَامَ مِنْ أَفْضَلِ أَمْوَالِنَا فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ فَكَفَّ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} [النور: 61] الْآيَةَ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
444 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: كَانَ رِجَالٌ زَمْنَى وَعُمْيَانُ وَعُرْجَانُ وَأُولُوا حَاجَةٍ يَسْتَتْبِعُهُمْ رِجَالٌ إِلَى بُيُوتِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا لَهُمْ طَعَامًا يَذْهَبُونَ بِهِمْ إِلَى بُيُوتِ آبَائِهِمْ وَمَنْ مَعَهُمْ، فَيَكْرَهُ الْمُسْتَتْبَعُونَ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 236] الْآيَةَ قَالَ: فَأُحِلَّ لَهُمُ الطَّعَامُ حَيْثُ وَجَدُوهُ مِنْ ذَلِكَ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
445 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ مَا بَالُ الْأَعْمَى، وَالْأَعْرَجِ، وَالْمَرِيضِ ذُكِرُوا هَاهُنَا؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا إِذَا غَزَوْا خَلَّفُوا زَمْنَاهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ وَدَفَعُوا إِلَيْهِمُ الْمَفَاتِيحَ وَقَالُوا: قَدْ أَحْلَلْنَا لَكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْهَا، فَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنْ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ. لَا نَدْخُلُهَا وَهُمْ غُيَّبٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ رُخْصَةً لَهُمْ.
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَ ذَلِكَ وَزَادَ فِيهِ قَالَ: أَنَّهُمْ قَالُوا: نَخْشَى أَلَّا تَكُونَ أَنْفُسُهُمْ طَيِّبَةً وَإِنْ قَالُوهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة..
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
447 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكِمْ} [النور: 61] إِلَى آخِرِهَا، قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ فِي أَنْفُسِهَا قَزَازَةٌ، فَكَانَتْ لَا تَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْبُيُوتِ إِذَا اسْتَغْنَوْا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة..
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
448 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ حِينَ نَزَلَتْ: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188] قَالَ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة..
أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ:
449 - حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ ق‍َالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} [النور: 61] قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يُوَكِّلُ الرَّجُلَ بِضَيْعَتِهِ فَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ وَالتَّمْرِ وَيَشْرَبَ اللَّبَن..
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ كَانَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ يَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الْإِبَاحَةِ لِطَعَامِ الْأَقَارِبِ خَاصَّةً وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ أَرْبَابُهُ، وَيَحْتَجُّونَ بِأَنَّهُ إِذَا جَاءَ الْإِذْنُ كَانَ وَاسِعًا لَلْأَبَاعِدِ أَيْضًا .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهَذَا مَذْهَبٌ فِيهِ مَقَالٌ لِقَائِلِهِ لَوْلَا خَصْلَتَانِ تُفْسِدَانِهِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّا وَجَدْنَا هَذِهِ الْأَخْبَارَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا تَصِفُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَالْأُخْرَى: أَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا افْتُتِحَتْ بِإِسْقَاطِ الْحَرَجِ عَنِ الْأَعْمَى وَالْأَعْرَجِ وَالْمَرِيضِ، ثُمَّ جُعِلَ الْأَقْرَبُونَ تَبَعًا لَهُمْ، فَمَا سَقَطَ فِيهِ الْحَرَجُ عَنْ هَؤُلَاءِ كَانَ أُولَئِكَ بِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمْ فِي صَدْرِ الْآيَةِ، فَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ مُبَاحَةً لِلْأَعْمَى وَالْأَعْرَجِ وَالْمَرِيضِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ أَصْحَابِهِ؟
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأَمَّا أَنَا فَإِنَّ الَّذِي عِنْدِي فِيهِ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا نَهَى عَنْ أَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ تَحَامَى الْمُسْلِمُونَ نَيْلَ كُلِّ مَالٍ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ رَبِّهِ إِشْفَاقًا أَنْ يُوَاقِعُوا الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَشْعُرُوا، كَخِيفَتِهِمْ كَانَتْ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى حِينَ أَوْعَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهَا النَّارَ، فَاجْتَنَبُوا مِنْ أَجْلِهَا مُخَالَطَتَهُمْ حَذَرًا أَنْ يُخْرِجَهُمْ ذَلِكَ إِلَى مَا نُهُوا عَنْهُ فَنَسَخَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220] ثُمَّ أَذِنَ فِيهَا بِمَا هُوَ أَوْسَعُ مِنْهُ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6] فَأُحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا بِالِاقْتِصَادِ عِنْدَ الْفَاقَةِ، فَكَانَتْ هَذِهِ أَكْثَرَ مِنَ الْأُولَى، فَكَذَلِكَ عِنْدِي أَمْرُ الطَّعَامِ أَنَّهُمْ أَمْسَكُوا عَنِ النَّيْلِ مِنْ طَعَامِ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِمْ تَوَرُّعًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الْأَكْلِ بِالْبَاطِلِ إِذْ لَمْ يَسْتَحِقُّوهُ بِعَمَلٍ يَعْمَلُوهُ لَهُمْ وَلَا دَيْنٍ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا حَرَّمَ وَلَا مِمَّا خَافُوا، وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، ثُمَّ زَادَ أَهْلُ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الزَّمْنَى وَالْفُقَرَاءُ وَالْأَقَارِبُ أَكْثَرَ مِنْ إِبَاحَةِ الطَّعَامِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَجَعَلَ لَهُمْ حُقُوقًا فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ وَاجِبَةً حِينَ فَرَضَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَاتِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الْآيَةَ، وَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْأَقْرَبِينَ، فَقَالَ: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [الإسراء: 26] فِي آيٍ كَثِيرٍ يَطُولُ بِهَا الْكِتَابُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذَا عِنْدِي وَجْهُ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الطَّعَامِ وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ فِي الْأَعْمَى، وَالْأَعْرَجِ، وَالْمَرِيضِ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنْ مُؤَاكَلَتِهِمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَعْمَى لَا يُبْصِرُ أَطَايِبَ الطَّعَامِ، وَإِنَّ الْأَعْرَجَ لَا يُمْكِنُهُ مَدُّ يَدِهِ إِلَى مَا يُرِيدُ، وَإِنَّ الْمَرِيضَ لَا يَسْتَطِيعُ الطُّعْمَ فَأُبِيحَ لِلنَّاسِ أَنْ يُؤَاكِلُوهُمْ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَحَبُّ إِلَيَّ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ إِلَيْهِ يَذْهَبُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا أَصَحُّ فِي الْكَلَامِ وَأَعْرَبُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى} [النور: 61] وَلَمْ يَقُلْ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي الْأَعْمَى حَرَجٌ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: عَلَى قَدْ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى فِي لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا مُمْتَنِعًا فِي الْعَرَبِيَّةِ إِلَّا أَنَّ وَجْهَ الْكَلَامِ الْمُقَدَّمِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ الْقُرْآنُ عَلَى أَعْرَبِ الْوُجُوهِ وَأَصَحِّهَا فِي اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ.