فصل: تفسير الآيات (13- 17):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النكت والعيون المشهور بـ «تفسير الماوردي»



.تفسير الآيات (13- 17):

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)}
قوله عز وجل: {ذلك لمن خاف مقامي} أي المقام بين يدّي، وأضاف ذلك إليه لاختصاصه به:
والفرق بين المقام بالفتح وبين المقام بالضم أنه إذا ضم فهو فعل الإقامة، وإذا فتح فهو مكان الإقامة.
{وخاف وعيد} فيه وجهان:
أحدهما: أنه العذاب.
والثاني: أنه ما في القرآن من زواجر.
{واستفتحوا} فيه وجهان:
أحدهما: أن الرسل استفتحوا بطلب النصر، قاله ابن عباس.
الثاني: أن الكفار استفتحوا بالبلاء، قاله ابن زيد.
وفي الاستفتاح وجهان:
أحدهما: أنه الإبتداء.
الثاني: أنه الدعاء، قاله الكلبي.
{وخاب كلُّ جبار عنيد} في {خاب} وجهان:
أحدهما: خسر عمله.
الثاني: بطل أمله.
وفي {جبار} وجهان:
أحدهما: أنه المنتقم.
الثاني: المتكبر بطراً.
وفي {عنيد} وجهان.
أحدهما: أنه المعاند للحق.
الثاني: أنه المتباعد عن الحق، قال الشاعر:
ولست إذا تشاجر أمْرُ قوم ** بأَوَّلِ مَنْ يخالِفهُم عَنيدا

قوله عز وجل: {مِن ورائه جهنم} فيه أربعة أوجه:
أحدها: معناه من خلفه جهنم. قال أبو عبيدة: وراء من الأضداد وتقع على خلف وقدام. جميعاً.
الثاني: معناه أمامه جهنم، ومنه قول الشاعر:
ومن ورائك يومٌ أنت بالغه ** لا حاضرٌ معجز عنه ولا بادي

الثالث: أن جهنم تتوارى ولا تظهر، فصارت من وراء لأنها لا ترى حكاه ابن الأنباري.
الرابع: من ورائه جهنم معناه من بعد هلاكه جهنم، كما قال النابغة:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً ** وليس وراءَ الله للمرْءِ مذهب

أراد: وليس بعد الله مذهب.
{ويسقى من ماءٍ صديد} فيه وجهان:
أحدهما: من ماء مثل الصديد كما يقال للرجل الشجاع أسد، أي مثل الأسد.
الثاني: من ماء كرهته تصد عنه، فيكون الصديد مأخوذاً من الصد.
قوله عز وجل: {ويأتيه الموت مِنْ كل مكان} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: من كل مكان من جسده حتى من أطراف شعره، قاله إبراهيم التيمي، للآلام التي في كل موضع من جسده.
الثاني: تأتيه أسباب الموت من كل جهة، عن يمينه وشماله، ومن فوقه وتحته، ومن قدامه وخلفه، قاله ابن عباس.
الثالث: تأتيه شدائد الموت من كل مكان، حكاه ابن عيسى.
{وما هو بميتٍ} لتطاول شدائد الموت به وامتداد سكراته عليه ليكون ذلك زيادة في عذابه.
{ومن ورائه عذاب غليظ} فيه الوجوه الأربعة الماضية. والعذاب الغليظ هو الخلود في جهنم.

.تفسير الآية رقم (18):

{مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18)}
قوله عز وجل: {مثل الذين كفروا بربّهم أعمالُهم كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصف} وهذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكافر في أنه لا يحصل على شيء منها، بالرماد الذي هو بقية النار الذاهبة لا ينفعه، فإذا اشتدت به الريح العاصف: وهي الشديدة: فأطارته لم يقدر على جمعه، كذلك الكافر في عمله.
وفي قوله {في يوم عاصف} ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه وصف اليوم بالعصوف وهو من صفة الريح، لأن الريح تكون فيه، كما يقال يوم بارد، ويوم حار، لأن البرد والحر يكونان فيه.
الثاني: أن المراد به في يوم عاصف الريح، فحذف الريح لأنها قد ذكرت قبل ذلك.
الثالث: أن العصوف من صفة الريح المقدم ذكرها، غير أنه لما جاء بعد اليوم ابتع إعرابه.
{لا يقدرون مما كسَبَوا على شيءٍ} يحتمل وجهين:
أحدهما: لا يقدرون في الآخرة على شيء من ثواب ما عملوا من البر في الدنيا لإحباطه بالكفر.
الثاني: لا يقدرون على شيء مما كسبوه من عروض الدنيا، بالمعاصي التي اقترفوها، أن ينتفعوا به في الآخرة.
{ذلك هو الضلال البعيد} وإنما جعله بعيداً لفوات استدراكه بالموت.

.تفسير الآيات (19- 21):

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21)}
قوله عز وجل: {وبرزوا لله جميعاً} أي ظهروا بين يديه تعالى في القيامة. {فقال الضعفاء} وهم الأتباع.
{للذين استكبروا} وهم القادة المتبوعون.
{إنا كُنّا لكم تبعاً} يعني في الكفر بالإجابة لكم.
{فهل أنتم مغنون عَنّا مِن عذاب الله من شيء} أي دافعون عنا يقال أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل إليه النفع.
{قالوا لو هَدانا الله لهديناكم} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لو هدانا الله إلى الإيمان لهديناكم إليه.
الثاني: لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها.
الثالث: لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه.
{سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيصٍ} أي من منجى أو ملجأ، قيل إن أهل النار يقولون: يا أهل النار إن قوماً جزعوا في الدنيا وبكوا ففازوا، فيجزعون ويبكون. ثم يقولون: يا أهل النار إن قوماً صبروا في الدنيا ففازوا، فيصبرون. فعند ذلك يقولون {سواءٌ علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص}.

.تفسير الآيات (22- 23):

{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23)}
قوله عزوجل: {وقال الشيطان لمّا قضي الأمر} يعني إبليس.
قال الحسن: يقف إبليس يوم القيامة خطيباً في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق جميعاً.
{إن الله وعدكم وعد الحق} يعني البعث والجنة والنار وثواب المطيع وعذاب العاصي.
{ووعدتكم} أن، لا بعث ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب.
{فأخلفتكم وما كان لي عليكم مِن سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيَّ} فيه وجهان:
أحدهما: معناه ما أنا بمنجيكم وما أنتم بمنجيَّ، قاله الربيع بن أنس.
الثاني: ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمغيثي، قاله مجاهد. والمصرخ: المغيث. والصارخ: المستغيث. ومنه قول أمية بن أبي الصلت:
فلا تجزعوا إنّي لكم غير مُصْرخ ** فليس لكم عندي غناءٌ ولا صبر

{إني كفرتُ بما أشركتمون مِن قبل} فيه وجهان:
أحدهما: إني كفرت اليوم بما كنتم في الدنيا تدعونه لي من الشرك بالله تعالى، قاله ابن بحر.
الثاني: إني كفرت قبلكم بما أشركتموني من بعد، لأن كفر إبليس قبل كفرهم.
قوله عز وجل: {تحيّتُهم فيها سلامٌ} فيها وجهان:
أحدهما: أن تحية أهل الجنة إذا تلاقوا فيها السلامه، وهو قول الجمهور.
الثاني: أن التحية ها هنا الملك، ومعناه أن ملكهم فيها دائم السلام، مأخوذ من قولهم في التشهد: التحيات لله، أي الملك لله، ذكره ابن شجرة.
وفي المحيّي لهم بالسلام ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الله تعالى يحييهم بالسلام.
الثاني: أن الملائكة يحيونهم بالسلام.
الثالث: أن بعضهم يحيي بعضاً بالسلام.
وتشبيه الكلمة الطيبة بها لأنها ثابتة في القلب كثبوت أصل النخلة في الأرض، فإذا ظهرت عرجت إلى السماء كما يعلو فرع النخلة نحو السماء فكلما ذكرت نفعت، كما أن النخلة إذا أثمرت نفعت.

.تفسير الآيات (24- 26):

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)}
قوله عز وجل: {ألم تَرَ كَيْفَ ضرب اللهُ مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ} في الكلمة الطيبة قولان:
أحدهما: أنها الإيمان، قاله مجاهد وابن جريج.
الثاني: أنه عنى بها المؤمن نفسه، قاله عطية العوفي والربيع بن أنس.
وفي الشجرة الطيبة قولان:
أحدهما: أنها النخلة، وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر وأنس بن مالك.
الثاني: أنها شجرة في الجنة، قاله ابن عباس.
وحكى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أن الكلمة الطيبة: الإيمان، والشجرة الطيبة: المؤمن.
{أصلها ثابت} يعني في الأرض.
{وفرعها في السماء} أي نحو السماء.
{تؤتي أكُلَها} يعني ثمرها.
{كلَّ حين بإذن ربها} والحين عند أهل اللغة: الوقت. قال النابغة:
تناذرها الرّاقون من سُوءِ سُمِّها ** تُطلِّقُه حيناً وحيناً تُراجع

وفي {الحين} ها هنا ستة تأويلات:
أحدها: يعني كل سنة، قاله مجاهد، لأنها تحمل كل سنة.
الثاني: كل ثمانية أشهر، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لأنها مدة الحمل ظاهراً وباطناً.
الثالث: كل ستة أشهر، قاله الحسن وعكرمة، لأنها مدة الحمل ظاهراً.
الرابع: كل أربعة أشهر، قاله سعيد بن المسيب لأنها مدة يرونها من طلعها إلى جذاذها.
الخامس: كل شهرين، لأنها مدة صلاحها إلى جفافها.
السادس: كل غدوة وعشية، لأنه وقت اجتنائها، قاله ابن عباس.
وفي قوله تعالى: {في الحياة الدنيا وفي الآخرة} وجهان:
أحدهما: أن المراد بالحياة الدنيا زمان حياته فيها، وبالآخرة المساءلة في القبر، قاله طاوس وقتادة.
الثاني: أن المراد بالحياة الدنيا المساءلة في القبر أن يأتيه منكر ونكير فيقولان له: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: إن اهتَدَى: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم.
{ويضلُّ اللهُ الظالمين} فيه وجهان:
أحدهما: عن حجتهم في قبورهم، كما ضلوا في الحياة الدنيا بكفرهم.
الثاني: يمهلهم حتى يزدادوا ضلالاً في الدنيا.
{ويفعل الله ما يشاء} فيه وجهان:
أحدهما: مِن إمهال وانتقام.
الثاني: من ضغطة القبر ومساءلة منكر ونكير.
وروى ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا منه سعد بن معاذ، ولقد ضم ضَمّةً».
وقال قتادة: ذكر لنا أنّ عذاب القبر من ثلاثة: ثلثٌ من البول. وثلثٌ من الغيبة، وثلثٌ من النميمة. وسبب نزول هذه الآية ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصف مساءَلة منكر ونكير وما يكون من جواب الميت قال عمر: يا رسول الله أيكون معي عقلي:؟ قال: «نعم» قال. كُفيت إذن، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله عز وجل: {ومثل كلمة خبيثة} فيها قولان: أحدهما: أنها الكفر.
الثاني: أنها الكافر نفسه.
{كشجرة خبيثةٍ} فيها ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها شجرة الحنظل، قاله أنس بن مالك.
الثاني: أنها شجرة لم تخلف، قاله ابن عباس.
الثالث: أنها الكشوت.
{اجتثت من فوق الأرض} أي اقتلعت من أصلها، ومنه قول لقيط:
هو الجلاء الذي يجتث أصلكم ** فمن رأى مِثل ذا يوماً ومَنْ سمعا

{ما لها من قرار} فيه وجهان:
أحدهما: ما لها من أصل.
الثاني: ما لها من ثبات. وتشبيه الكلمة الخبيثة بهذه الشجرة التي ليس لها أصل يبقى، ولا ثمر يجتنى أن الكافر ليس له عمل في الأرض يبقى، ولا ذكر في السماء يرقى.