فصل: تفسير الآيات (16- 25):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النكت والعيون المشهور بـ «تفسير الماوردي»



.تفسير الآيات (16- 25):

{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)}
{لا تُحرِّكْ به لسانَكَ لِتعْجَلَ به} فيه وجهان:
أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه القرآن حرك به لسان يستذكره. مخافة أن ينساه، وكان ناله منه شدة، فنهاه الله تعالى عن ذلك وقال: {إنّ علينا جَمْعَه وقرآنه}، قاله ابن عباس.
الثاني: أنه كان يعجل بذكره إذا نزل عليه من حبه له وحلاوته في لسانه، فنهي عن ذلك حتى يجتمع، لأن بعضه مرتبط ببعض، قاله عامر الشعبي.
{إنّ علينا جَمْعَهُ وقُرْآنَه} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: إن علينا جمعه في قلبك لتقرأه بلسانك، قاله ابن عباس.
الثاني: عيلنا حفظه وتأليفه، قاله قتادة.
الثالث: عيلنا أن نجمعه لك حتى تثبته في قلبك، قاله الضحاك.
{فإذا قرأناه فاتّبعْ قُرْآنَه} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: فإذا بيّناه فاعمل بما فيه، قاله ابن عباس.
الثاني: فإذا أنزلناه فاستمع قرآنه، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً.
الثالث: فإذا تلي عليك فاتبع شرائعه وأحكامه، قاله قتادة.
{ثم إنْ علينا بَيانَه} فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: بيان ما فيه من أحكام وحلال وحرام، قاله قتادة.
الثاني: علينا بيانه بلسانك إذا نزل به جبريل حتى تقرأه كما أقرأك، قاله ابن عباس.
الثالث: علينا أن نجزي يوم القيامة بما فيه من وعد أو وعيد، قاله الحسن.
{كلاّ بل تُحِبُّونَ العاجلةَ * وتذَرُونَ الآخِرَة} فيه وجهان:
أحدهما: تحبون ثواب الدنيا وتذرون ثواب الآخرة، قاله مقاتل.
الثاني: تحبون عمل الدنيا وتذرون عمل الآخرة.
{وُجوهٌ يومئذٍ ناضِرةٌ} فيه أربعة تأويلات:
أحدها: يعني حسنة، قاله الحسن.
الثاني: مستبشرة، قاله مجاهد.
الثالث: ناعمة، قاله ابن عباس.
الرابع: مسرورة، قاله عكرمة.
{إلى رَبِّها ناظرةٌ} فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: تنظر إلى ربها في القيامة، قاله الحسن وعطية العوفي.
الثاني: إلى ثواب ربها، قاله ابن عمر ومجاهد.
الثالث: تنتظر أمر ربها، قاله عكرمة.
{ووجوهُ يومئذٍ باسرةٌ} فيه وجهان:
أحدهما: كالحة، قاله قتادة.
الثاني: متغيرة، قاله السدي.
{تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بها فاقِرةٌ} فيه أربعة أوجه:
أحدها: أن الفاقرة الداهية، قاله مجاهد.
الثاني: الشر، قاله قتادة.
الثالث: الهلاك، قاله السدي.
الرابع: دخول النار، قاله ابن زيد.

.تفسير الآيات (26- 40):

{كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (35) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)}
{كلا إذا بَلَغَتِ التّراقِيَ} يعني بلوغ الروح عند موته إلى التراقي، وهي أعلى الصدر، واحدها ترقوه.
{وقيلَ مَنْ راقٍ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: قال أَهْله: من راقٍ يرقيه بالرُّقى وأسماء الله الحسنى، قاله ابن عباس.
الثاني: مَنْ طبيبٌ شافٍ، قاله أبو قلابة، قال الشاعر:
هل للفتى مِن بنات الدهرِ من واقى ** أم هل له من حمامِ الموتِ من راقي

الثالث: قال الملائكة: مَن راقٍ يرقى بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس.
{وظَنَّ أنّه الفِراق} أي تيقن أنه مفارق الدنيا.
{والْتَفّتِ الساقُ بالساقِ} فيه أربعة أوجه:
أحدها: اتصال الدنيا بالآخرة، قاله ابن عباس.
الثاني: الشدة بالشدة والبلاء بالبلاءِ، وهو شدة كرب الموت بشدة هول المطلع، قاله عكرمة ومجاهد، ومنه قول حذيفة بن أنس الهذلي:
أخو الحرب إن عضّت به الحربُ عضّها ** وإن شمّرتْ عن ساقها الحرب شمّرا.

الثالث: التفّت ساقاه عند الموت، وحكى ابن قتيبة عن بعض المفسرين أن التفاف الساق بالساق عند الميثاق، قال الحسن:
ماتت رجلاه فلم تحملاه وقد كان عليهما جوّالاً.
الرابع: أنه اجتمع أمران شديدان عليه: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه، قاله ابن زيد.
{إلى ربِّك يومئذٍ المساقُ} فيه وجهان:
أحدهما: المنطلق، قاله خارجة.
الثاني: المستقر، قاله مقاتل.
{فلا صَدَّقَ ولا صَلَّى} هذا في أبي جهل، وفيه وجهان:
أحدهما: فلا صدّق بكتاب الله ولا صلّى للَّه، قاله قتادة.
الثاني: فلا صدّق بالرسالة ولا آمن بالمرسل، وهو معنى قول الكلبي.
ويحتمل ثالثاً: فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه.
{ولكن كَذَّبَ وتَوَلَّى} فيه وجهان:
أحدهما: كذب الرسول وتولى عن المرسل.
الثاني: كذب بالقرآن وتولى عن الطاعة.
{ثم ذَهَبَ إلى أَهْلِه يَتَمَطَّى} يعني أبا جهل، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يختال في نفسه، قاله ابن عباس.
الثاني: يتبختر في مشيته، قال زيد بن أسلم وهي مشية بني مخزوم.
الثالث: أن يلوي مطاه، والمطا: الظهر، وجاء النهي عن مشية المطيطاء وذلك أن الرجل يلقي يديه مع الكفين في مشيه.
{أوْلَى لك فأوْلَى * ثم أوْلَى لك فأوْلَى} حكى الكلبي ومقاتل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل ببطحاء مكة وهو يتبختر في مشيته، فدفع في صدره وهمزه بيده وقال: {أوْلى لك فأولى} فقال أبو جهل:
إليك عني أوعدني يا ابن أبي كبشة ما تستطيع أنت ولا ربك الذي أرسلك شيئاً، فنزلت هذه الآية.
وفيه وجهان:
أحدهما: وليك الشر، قال قتادة، وهذا وعيد على وعيد.
الثاني: ويل لك، قالت الخنساء:
هَممْتُ بنفسي بعض الهموم ** فأوْلى لنَفْسيَ أوْلَى لها.

سأحْمِلُ نَفْسي على آلةٍ ** فإمّا عليها وإمّا لها.

الآلة: الحالة، والآلة: السرير أيضاً الذي يحمل عليه الموتى.
{أيَحْسَبُ الإنسانُ أنْ يُتْرَك سُدىً} فيه أربعة أوجه:
أحدها: فهل لا يفترض عليه عمل، قاله ابن زيد.
الثاني: يظن ألا يبعث، قاله السدي.
الثالث: ملغى لا يؤمر ولا ينهى، قاله مجاهد.
الرابع: عبث لا يحاسب ولا يعاقب، قال الشاعر:
فأُقسِم باللَّه جهدَ اليمين ** ما ترك اللَّه شيئاً سُدى

{ألمْ يكُ نُطْفةً مِنْ مَنيٍّ يُمْنَى} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن معنى يُمنى يراق، ولذلك سميت منى لإراقة الدماء فيها.
الثاني: بمعنى ينشأ ويخلق، ومنه قول يزيد بن عامر:
فاسلك طريقك تمشي غير مختشعٍ ** حتى تلاقيَ ما يُمني لك الماني.

الثالث: أنه بمعنى يشترك أي اشتراك ماء الرجل بماء المرأة.
{ثم كان عَلَقَةً} يعني أنه كان بعد النطفة علقة.
{فخَلَقَ فسوَّى} يحتمل وجهين.
أحدهما: خلق من الأرحام قبل الولادة وسوي بعدها عند استكمال القوة وتمام الحركة.
الثاني: خلق الأجسام وسواها للأفعال، فجعل لكل جارحة عملاً، والله أعلم.

.سورة الإنسان:

.تفسير الآيات (1- 3):

{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)}
قال ابن عباس ومقاتل والكلبي ويحيى بن سلام: هي مكية، وقال آخرون فيها مكي من قوله تعالى: {إنا نحن نزّلنا عليك القرآنَ تنزيلاً} إلى آخرها وما تقدم مدني.
قوله تعالى: {هلْ أتَى على الإنسان حينٌ من الدهْرِ لم يكُنْ شيئاً مذكوراً} في قوله (هل) وجهان:
أحدهما: أنها في هذا الموضع بمعنى قد، وتقدير الكلام: (قد أتى على الإنسان) الآية، على معنى الخبر، قاله الفراء وأبو عبيدة.
الثاني: أنه بمعنى {أتى على الإنسان} الآية، على وجه الاستفهام، حكاه ابن عيسى.
وفي هذا {الإنسان} قولان:
أحدهما: أنه آدم، قاله قتادة والسدي وعكرمة، وقيل إنه خلقه بعد خلق السموات والأرض، وما بينهما في آخر اليوم السادس وهو آخر يوم الجمعة.
الثاني: أنه كل إنسان، قاله ابن عباس وابن جريج.
وفي قوله تعالى: {حينٌ من الدهر} ثلاثة أقاويل:
أحدهأ: أنه أربعون سنة مرت قبل أن ينفخ فيه الروح، وهو ملقى بين مكة والطائف، قاله ابن عباس في رواية أبي صالح عنه.
الثاني: أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة، ثم نفخ فيه الروح، وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك.
الثالث: أن الحين المذكور ها هنا وقت غير مقدر وزمان غير محدود، قاله ابن عباس أيضاً.
وفي قوله {لم يكن شيئاً مذكوراً} وجهان:
أحدهما: لم يكن شيئاً مذكوراً في الخلق، وإن كان عند الله شيئاً مذكوراً، قاله يحيى بن سلام.
الثاني: أي كان جسداً مصوّراً تراباً وطيناً، لا يذكر ولا يعرف، ولا يدري ما اسمه، ولا ما يراد به، ثم نفخ فيه الروح فصار مذكوراً، قاله الفراء، وقطرب وثعلب.
وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: هل أتى حين من الدهر لم يكن الإنسان شيئاً مذكوراً، لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله ولم يخلق بعده حيواناً.
{إنّا خلقْنا الإنسانَ من نُطْفَةٍ أمْشاجٍ} يعني بالإنسان في هذا الموضع كل إنسان من بني آدم في قول جميع المفسرين.
وفي النطفة قولان:
أحدهما: ماء الرجل وماء المرأة إذا اختلطا فهما نطفة، قاله السدي.
الثاني: أن النطفة ماء الرجل، فإذا اختلط في الرحم وماء المرأة صارا أمشاجاً.
وفي الأمشاج أربعة أقاويل:
أحدها: أنه الأخلاط، وهو أن يختلط ماء الرجل بماء المرأة، قاله الحسن وعكرمة، ومنه قول رؤبة بن العجاج:
يطرحن كل مُعْجَل نشاجِ ** لم يُكْسَ جلداً في دم أمشاج.

الثاني: أن الأمشاج الألوان، قاله ابن عباس، وقال مجاهد:
نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وصفراء.
روى سعيد عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر فأيهما سبق أو علا فمنه يكون الشبه».
الثالث: أن الأمشاج: الأطوار، وهو أن الخلق يكون طوراً نطفة، وطوراً علقة، وطوراً مضغة، ثم طوراً عظماً، ثم يكسى العظم لحماً، قاله قتادة.
الرابع: أن الأمشاج العروق التي تكون في النطفة، قاله ابن مسعود.
وفي قوله {نَبْتَلِيه} وجهان:
أحدهما: نختبره.
الثاني: نكلفه بالعمل.
فإن كان معناه الاختبار ففيما يختبر به وجهان:
أحدهما: نختبره بالخير والشر، قاله الكلبي.
الثاني: نختبر شكره في السراء، وصبره في الضراء، قاله الحسن.
ومن جعل معناه التكليف ففيما كلفه وجهان:
أحدهما: العمل بعد الخلق، قاله مقاتل.
الثاني: الدين، ليكون مأموراً بالطاعة، ومنهياً عن المعاصي.
{فَجَعَلْناه سميعاً بصيراً} ويحتمل وجهين:
أحدهما: أي يسمع بالأذنين ويبصر بالعينين أمتناناً بالنعمة عليه.
الثاني: ذا عقل وتمييز ليكون أعظم في الامتنان حيث يميزه من جميع الحيوان.
وقال الفراء ومقاتل: في الآية تقديم وتأخير أي فجعلناه سميعاً بصيراً أن نبتليه، فعلى هذا التقديم في الكلام اختلفوا في ابتلائه على قولين:
أحدهما: ما قدمناه من جعله اختباراً أو تكليفاً.
الثاني: لنبتليه بالسمع والبصر، قاله ابن قتيبة.
{إنّا هَدَيْناه السّبيلَ} فيه أربعة تأويلات:
أحدها: سبيل الخير والشر، قاله عطية.
الثاني: الهدى من الضلالة، قاله عكرمة.
الثالث: سبيل الشقاء والسعادة، قاله مجاهد.
الرابع: خروجه من الرحم، قاله أبو صالح والضحاك والسدي.
ويحتمل خامساً: سبيل منافِعِه ومضارِّه التي يهتدي إليها بطبعه، وقيل: كمال عقله.
{إمّا شاكراً وإمّا كَفوراً} فيه وجهان:
أحدهما: إما مؤمناً وإما كافراً، قاله يحيى بن سلام.
الثاني: إما شكوراً للنعمة وإما كفوراً بها، قاله قتادة.
وجمع بين الشاكر والكفور ولم يجمع بين الشكور والكفور- مع إجتماعهما في معنى المبالغة- نفياً للمبالغة في الشكر وإثباتاً لها في الكفر، لأن شكر الله تعالى لا يُؤدَّى فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر المبالغة، فقل شكره لكثرة النعم عليه، وكثر كفره وإن قل مع الإحسان إليه.