فصل: تفسير الآيات (178- 179):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روائع البيان في تفسير آيات الأحكام



.ما ترشد إليه الآيات الكريمة:

1- إباحة الأكل من الطيبات للمؤمنين بشرط أن يكون من الكسب الحلال.
2- شكر الله واجب على المؤمنين لنعم الله التي لا تُعد ولا تحصى.
3- الإخلاص في العبادة لله من صفات المؤمنين الصادقين.
4- الله جل وعلا حرّم على عباده (الخبائث) دون (الطيبات).
5- حالة الاضطرار تبيح للإنسان الأكل ممّا حرمه الله كالميتة وغيرها.

.خاتمة البحث:

حكمة التشريع:
أباح الباري جل وعلا لعباده المؤمنين تناول الطيبات، وحرّم عليهم الخبائث كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، ونهاهم عن تعذيب النفس وحرمانها من اللذائذ الدنيوية، فإن المشركين وأهل الكتاب حرَّموا على أنفسهم أشياء لم يحرمها الله تعالى كالبحيرة والسائبة.
وكان المذهب الشائع عند النصارى أن أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى، تعذيب النفس واحتقارها، وحرمانها من جميع الطيبات المستلذة، واعتقاد أنه لا حياة (للروح) إلا بتعذيب الجسد، وكلّ هذه الأحكام والشرائع قد وضعها الرؤساء، وليس لها أثر في شريعة الله. وقد تفضل الله على هذه الأمة بجعلها أمة وسطاً، تعطي الجسد حقه، والروح حقها، فأحلّ لنا الطيبات وحرّم علينا الخبائث، وأمرنا بالشكر عليها، ولم يجعلنا (جثمانيين) خلّصاً كالأنعام، ولا (روحانيين) خلصاً كالملائكة، بل جعلنا أناسيّ كملة بهذه الشيعة المعتدلة.
وأما الحكمة من تحريم الميتة فلما فيها من الضرر، لأنها إمّا أن تكون ماتت لمرض وعلة، قد أفسد بدنها وجعلها غير صالحة للبقاء والحياة، وإما أن يكون الموت لسببٍ طارئ.
فأما الأول فقد خبث لحمها، وتلوث بجراثيم المرض، فيخشى من عدواها، ونقل مرضها إلى الآكلين.
وأما الثانية: فلأنّ الموت الفجائي يقتضي بقاء المواد الضارة في جسمها.
وأما الدم المسفوح: فلقذارته وضرره أيضاً، وقد أثبت الطب الحديث أنّ الدم ضار كالميتة وأنه تتجمع فيه (الميكروبات) والمواد الضارة.
وأما لحم الخنزير: فلأن غذاءه من القاذورات، والنجاسات فيقذر لذلك، ولأن فيه ضرراً فقد اكتشف الأطباء أن لحم الخزير يحمل جراثيم شديدة الفتك، كما أن المتغذي من لحم الخنزير يكتسب من طباع ما يأكله، والخنزير فيه كثير من الطباع الخبيثة، وأشهرها عدم الغيرة والعفة.
يقول شهيد الإسلام سيد قطب عليه رحمة الله في تفسيره (الظلال) ما نصه: والخنزير بذاته منفرّ للطبع النظيف القويم، ومع هذا فقد حرمه الله منذ ذلك الأمد الطويل، ليكتشف علم الناس منذ قليل أن في لحمه ودمه وأمعائه دودة شديدة الخطورة (الدودة الشريطية وبويضاتها المتكيّسة).
ويقول الآن قوم: إن وسائل الطهو الحديثة قد تقدمت، فلم تعد هذه الديدان بويضاتها مصدر خطر، لأن إبادتها مضمونة بالحرارة العالية التي توفرها وسائل الطهو الحديثة، وينسى هؤلاء الناس أن علمهم قد احتاج إلى قرون طويلة ليكشف آفة واحدة، فمن ذا الذي يجزم بأن ليس هناك آفات أخرى في لحم الخنزير لم يكشف بعد عنها؟ أفلا تستحق الشريعة التي سبقت هذا العلم البشري بعشرات القرون أن نثق بها، وندع كلمة الفصل لها، ونحرم ما حرمت، ونحلل ما حلّلت، وهي من لدن حكيم خبير؟!
أمّا ما أهل به لغير الله، فهو محرم لا لعلة فيه، ولكن للتوجه به لغير الله، محرم لعلة روحية، لسلامة القلب، وطهارة الروح، وخلوص الضمير، فهو ملحق بالنجاسة المادية والقذارة الحقيقية، وقد حرص الإسلام على أن يكون التوجه لله وحده بلا شريك.

.تفسير الآيات (178- 179):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)}
[7] في القصاص حياة النفوس:

.التحليل اللفظي:

{كُتِبَ}: قال الفراء: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} معناه في كل القرآن: فرض عليكم قال الشاعر:
كُتب القتلُ والقتال علينا ** وعلى الغانياتِ جرّ الذيول

قال الطبري: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص} بمعنى فُرض عليكم القصاصُ، وهو في أشعارهم مستفيض، وفي كلامهم موجود، وهو أكثر من أن يحصى.
{القصاص}: أن يفعل به مثل فعله من قولهم: اقتصّ أثر فلان إذا فعل مثل فعله.
قال الراغب: القصاص مأخوذ من القصّ وهو تتبع الأثر قال تعالى: {فارتدا على آثَارِهِمَا قَصَصاً} [الكهف: 64] والقصاصُ: تتبعُ الدم بالقَوَد قال تعالى: {والجروح قِصَاصٌ} [المائدة: 45].
قال في اللسان: قصصتُ الشيء إذا تتبعت أثره شيئاً بعد شيء ومنه قوله تعالى: {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ} [القصص: 11] أي اتبعي أثره، والقصاصُ: القَوَد وهو القتل بالقتل قال الشاعر:
فرمنا القصاصَ وكان القصا ** صُ حكماً وعدلاً على المسلمينا

{القتلى}: جمع قتيل ويستوي فيه المذكر والمؤنث، كصرعى جمع صريع، وجرحى جمع جريح.
قال في (اللسان): ورجلٌ قتيل أي مقتول، وامرأة قتيل أي مقتولة، فإذا قلت: (قتيلة بني فلان) قلت بالهاء.
وقال الطبري: وإنما يجمع (فعيل) على (فَعْلى) إذا كان وصفاً دالاً على الزمانة بحيث لا يقدر معه صاحبه على البُراح من موضعه وأصل القتل إزالة الروح عن الجسد كالموت، ولكن إذا اعتبر بفعل الشخص يقال: قتلٌ، وإذا عتبر بفوت الحياة يقال: موتٌ، قال تعالى: {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} [آل عمران: 144].
{عُفِيَ}: العفو معناه الصفح، والإسقاط، تقول: عفوت عنه أي صفحتُ عنه ومنه قوله تعالى: {عَفَا الله عَمَّا سَلَف} [المائدة: 95] وقوله: {واعف عَنَّا} [البقرة: 286] وعفوتُ لكم عن صدقة الخيل والرقيق أي أسقطتها عنكم.
والمعنى: فمن تُرِك له من جهة أخيه شيءٌ أي ترك له القتل، ورُضي منه بالدية.
{فاتباع بالمعروف}: مطالبته بالمعروف، أي يطالبه وليّ القتيل بالرفق والمعروف، ويؤدي إليه القاتل الدية بإحسان، بدون مماطلة أو بخس أو إساءة في الأداء.
{فَمَنِ اعتدى}: أي ظلم فقتل القاتل بعد أخذ الدية فله عند الله عذاب أليم.
{الألباب}: العقول جمع لب، مأخوذ من لب النخلة.

.المعنى الإجمالي:

يقول الله جل ثناؤه ما معناه: يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم أن تقتصوا للقتيل من قاتله، ولا يبغيّن بعضكم على بعض، فإذا قتل الحرُّ الحرَّ فاقتلوا فقط، وإذا قتل العبدُ العبدَ فاقتلوه به، وإذا قتلت الأنثى الأنثى فاقتلوها بها مثلاً بمثل بالعدل والمساواة، ودعوا الظلم الذي كان بينكم فلا تقتلوا أحراراً، ولا بالعبد حراً، ولا بالأنثى رجلاً، فإن ذلك ظلم وعدوان، واستعلاء وطغيان، فمن تُرك له شيء من القصاص إلى الدية، وعفا عنه وليّ القتيل فلم يقتص منه وقبل منه الدية، فليحسن الطالب في الطلب من غير إرهاقٍ ولا تعنيف، ولْيحسن الدافع في الأداء من غير مماطلة ولا تسويف، ذلك الذي شرعته لكم- أيها المؤمنون- من العفو إلى الدية، تخفيف من ربكم ورحمة، خفَّف به عنكم ليظهر فضله عليكم، على عكس من سبقكم من اليهود حيث لم يكن في شرعهم إلا القصاص، فمن تجاوز منكم بعد أخذ الدية وقتل القاتل، فله عذاب أليم عند الله، لأنه ارتكب جريمة بنقضه العهد وغدره بالقاتل بعد أن أعطاه الأمان، وأخذ منه المال.
ولكم- يا أولي العقول- فيما شرعت لكم من القصاص حياة وأي حياة، لأنه من علم أن من قتل نفساً قُتل بها يرتدع وينزجر عن القتل، فيحفظ حياته وحياة من أراد قتله، وبذلك تصان الدماء، وتحفظ النفوس، ويأمن الناس على أرواحهم، ذلك هو شرع الله الحكيم، ودينه القويم، الذي به حياة الناس وسعادتهم في الدنيا والآخرة.

.سبب النزول:

أ- روي في سبب نزول هذه الآية عن قتادة أنَّ أهل الجاهلية كان فيهم بغيٌ وطاعة للشيطان، وكان الحي منهم إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبدُهم عبدَ آخرين، قالوا: لن نقتل به إلا حراً، تعزّزاً لفضلهم على غيرهم، وإذا قتلت امرأةٌ منهم امرأةً من آخرين قالوا: لن نقتل بها إلا رجلاً، فأنزل الله: {الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}.
ب- وروي عن (سعيد بن جبير) أن حيّين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتلٌ وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم فنزل فيهم: {يا أيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى...}.

.لطائف التفسير:

اللطيفة الأولى: أكرم الله هذه الأمة المحمدية فشرع لهم قبول الدية في القصاص، ولم يكن هذا في شريعة التوراة، روي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} إلى قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} فالعفو أن تقبل الدية في العمد {فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} يتبع الطالب بالمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان {ذلك تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} ممّا كتب على من كان قبلكم {فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك} قتل بعد قبول الدية {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي القصاص حياوة} الآية.
قال الزجاج: إذا علم الرجل أنه إن قَتَل، أمسك عن القتل، فكان في ذلك حياة للذي همّ بقتله ولنفسه، لأنه من أجل القصاص أمسك. وأخذ هذا المعنى الشاعر فقال:
أبلغ أبا مالك عني مغلغلةً ** وفي العتاب حياةٌ بين أقوام

يريد أنهم إذا تعاتبوا أصلح العتاب ما بينهم.
اللطيفة الثالثة: بيّنت هذه الآية على وجازتها حكمة القصاص، بأسلوب لا يُسامى، وعبارةٍ لا تُحاكى، واشتهر أنها من أبلغ آي القرآن.
ومن دقائق البلاغة فيها أن جعل فيها الضد متضمناً لضده، وهو (الحياة) في (الإماتة) التي هي القصاص، وعرّف القصاص ونكّر الحياة للإشعار بأن في هذا الجنس نوعاً من الحياة عظيماً لا يبلغه الوصف، وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل فيتسبب في حياة البشرية. ثم إنها في إيجازها قد ارتقت أعلى سماء للإعجاز، وقد اشتهر عن بعض بلغاء العرب كلمة في معناها، كانوا يعجبون من إيجازها وبلاغتها، ويظنون أن الطاقة لا تصل إلى أبعد من غايتها وهي قولهم: (القتل أنفى للقتل) وإنما فتنوا بهذه الكلمة وظنوا أنها نهاية ما يمكن أن يبلغه البيان، لأنها قيلت قبلها أقوال المشاهير البلغاء كقولهم: (قتل البعض إحياء للجميع) وقولهم: (أكثروا القتل ليقلّ القتل) وأجمعوا على أن كلمة (القتل أنفى للقتل) أبلغ هذه العبارات على الإطلاق.
قال الإمام الفخر: وبيان التفاوت بين النظم الكريم وبين كلام العرب من وجوه عدة:
الأول: أن النظم الكريم (في القصاص حياة) أشد اختصاراً من قولهم (القتلُ أنفى للقتل) لأن حروفها أقل.
الثاني: أن قولهم (القتل أنفى للقتل) ظاهرة يقتضي كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال.
الثالث: أنّ كلامهم فيه تكرار للفظ القتل، وليس في الآية الكريمة هذا التكرار.
الرابع: أن قولهم لا يفيد إلا الردع عن القتل، والآية أجمع لأنها تفيد الردع عن القتل والجراح.
الخامس: أن القتل ظلماً قتلٌ وليس نافياً للقتل، بل هو سبب لزيادة القتل، فظاهر قولهم باطل، وبذلك يظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب.

.الأحكام الشرعية:

الحكم الأول: هل يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي؟
اختلف الفقهاء في الحر إذا قتل عبداً، والمسلم إذا قتل ذمياً هل يقتلان بهما أم لا؟
فذهب الجمهور: (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى أن الحر لا يقتل بالعبد، ولا المسلم بالذمي.
وذهب الحنفية: إلى أن الحر يقتل بالعبد، وكذلك المسلم يقتل بالذمي.
أدلة الجمهور:
استدل الجمهور على مذهبهم بالكتاب، والسنة، والمعقول.
أ- أما الكتاب فقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} فقد أوجب الله المساواة، ثمّ بيّن هذه المساواة بقوله: {الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}.
فالحرّ يساويه الحر، والعبد يساويه العبد، والأنثى تساويها الأنثى، فكأنه تعالى يقول: اقتلوا القاتل إذا كان مساوياً للمقتول، قالوا: ولا مساواة بين الحر والعبد فلا يقتل به، وكذلك لا مساواة بين المسلم والكافر فلا يقتل به.
ب- وأما السنة: فما رواه البخاري عن علي كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُقتل مسلم بكافر».
ج- وأما المعقول: فقالوا: إن العبد كالسِّلعة والمتاع بسبب الرق الذي هو من آثار الكفر، والكافر كالدابة بسبب الكفر الذي طغى عليه، وقد قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنفال: 55] فكيف يُساوى المؤمن بالكافر، وكيف يقتل به؟.
أدلة الحنفية:
واستدل الحنفية على مذهبهم ببضعة أدلة نوجزها فيما يلي:
أولاً: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى...} إنّ الله أوجب قتل القاتل بصدر الآية، وهي عامة تعم كل قاتل سواءً كان حراً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً، وأما قوله تعالى: {الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد...} إلخ فإنما هو لإبطال الظلم الذي كان عليه أهل الجاهلية، حيث كانوا يقتلون بالحر أحراراً، وبالعبد حراً، وبالأنثى يقتلون الرجل تعدياً وطغياناً، فأبطل الله ما كان من الظلم، وأكد القصاص على القاتل دون غيره كما فهم ذلك من سبب النزول وقد تقدم.
ثانياً: واستدلوا بقوله تعالى في سورة [المائدة: 45]: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس...} قالوا: وهو عموم في إيجاب القصاص في سائر المقتولين، وشرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرد ناسخ، ولم نجد ناسخاً.
ثالثاً: واستدلوا كذلك بقوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} [الإسراء: 33] فإن هذه الآية انتظمت جميع المقتولين ظلماً، عبيداً كانوا أو أحراراً، مسلمين أو ذمّيين، وجُعل لوليهم سلطان وهو (القود) أي القصاص.
رابعاً: واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم» فيكن العبد مساوياً للحر.
خامساً: واستدلوا بحديث: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه، ومن خصاه خصيناه».
قالوا: فهذا نص على أن الحر يقتل بالعبد، لأن الإسلام لم يفرّق بين حر وعبد.
سادساً: واستدلوا بما رواه البيهقي من حديث عبد الرحمن البيلماني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل مسلماً بمعاهد وقال: «أنا أكرم مَن وفّى بذمته».
سابعاً: قالوا: ومما يدل على قتل المسلم بالذمي اتفاق الجميع على أنه يقطع إذا سرقه، فوجب أن يقاد منه، لأن حرمة دمه أعظم من حرمة ماله.
هذه هي خلاصة أدلة الفريقين: عرضناها باختصار، وسبب الخلاف في الحقيقة يرجع إلى اختلاف العلماء في فهم الآية، فالحنفية يقولون: إن صدر الآية مكتف بنفسه، وقد تم الكلام عند قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} وسائر الأئمة يقولون: لا يتم الكلام هاهنا، وإنما يتم عند قوله: {والأنثى بالأنثى} فهو تفسير له وتتميم لمعناه، والآية وردت لبيان التنويع والتقسيم.
وقد اعترض الحنفية على الجمهور بأنه ينبغي ألا يُقتل الرجل إذا قتل أنثى؟ وكذلك العبد إذا قتل حراً؟ مع أنهم يقولون أنه يقتل العبد بالحر، والرجل بالمرأة!!
أجاب الجمهور: بأن ظاهر الآية يفيد ألا يقتل العبد بالحر، ولكننا نظرنا إلى المعنى فرأينا أن العبد يُقتل بالعبد، فأولى أن يقتل بالحر، وأما قتل الرجل بالمرأة فذلك ثابت بالإجماع، وهو دليل آخر خصّص الآية الكريمة ولولا الإجماع لقلنا لا يقتل الذكر بالأنثى.
يقول فضيلة الشيخ السايس في كتابة (تفسير آيات الأحكام) ما نصه: والعقل يميل إلى تأييد قول أبي حنيفة في هذه المسألة، لأن هذا التنويع والتقسيم الذي جعله الشافعية والمالكية بمثابة بيان (المساواة) المعتبرة، قد أخرجوا منه طردا وعكساً الأنثى بالرجل، فذهبوا إلى أن الرجلُ يقتل بالأنثى، والأنثى تقتل بالرجل، وذهبوا إلى أنّ الحر لا يقتل بالعبد، ولكنهم أجازوا قتل العبد بالحر، فهذا كله يُضعف مسلكهم في الآية. أما مسلك أبي حنيفة فيها فليس فيه هذا الضعف، وحينئذٍ يكون العبد مساوياً للحر، ويكون المسلم مساوياً للذمي في الحرمة، محقون الدم على التأييد.
الترجيح:
أقول: مذهب أبي حنيفة في قتل الحر بالعبد معقول المعنى، مؤيد من قتل عبده قتلناه... فالإسلام قد ساوى بين الأحرار والعبيد في الدماء، فحرمة العبد كحرمة الحر، ونفس العبد كنفس الحر، ولهذا يقتل به.
أما قتل المؤمن بالكافر: ففي النفس من قول أبي حنيفة شيء، والراجح فيه رأي الجمهور لا سيما بعد أن تأكد بالدليل الثابت: «لا يُقتل مسلم بكافر» أخرجه البخاري.
وكما يقول ابن كثير رحمه الله: لا يصح حديث ولا تأويلٌ يخالف هذا.
ثمّ كيف يتساوى المؤمن مع الكافر، مع أن الكافر شرّ عند الله من الدابة؟ والمؤمن طيّب طاهر والله تعالى يقول: {إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ} [التوبة: 28] ويقول: {قُل لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب} [المائدة: 100]، فكيف نقتل مؤمناً طاهراً بمشرك نجس؟! فالراجح إن شاء الله في هذه المسألة قول الجمهور. وقد رأيت في بعض مراجعاتي قصة لطيفة وهي أن (أبا يوسف) القاضي من تلامذة الإمام أبي حنيفة، رفعت إليه قضية، تتلخص في أن مسلماً قتل ذمياً كافراً، فحكم عليه أبو يوسف بالقصاص، فبينما هو جالس ذات يوم، إذ جاءه رجل برقعةٍ فألقاها إليه ثم خرج، فإذا فيها هذه الأبيات:
يا قاتلَ المسلم بالكافرِ ** جرتَ وما العادلُ كالجائر

يا مَنْ ببغدادَ وأطرافِها ** من علماء الناسِ أو شاعرِ

استرجُعوا وابكُوا على دينكم ** واصطبروا فالأجرُ للصابر

جار على الدين أبو يوسف ** بقتله المؤمن بالكافر

فدخل أبو يوسف على الرشيد وأخبره الخبر، وأقرأه الرقعة فقال له الرشيد: تدارك هذا الأمر لئلا تكون فتنة.. فدعا أبو يوسف أولياء القتيل وطالبهم بالبينة على صحة الذمة وثبوتها، فلم يستطيعوا أن يثبتوا فأسقط القود وأمر بدفع الدية.
مناظرة لطيفة:
ذكر العلامة أبو بكر ابن العربي في تفسيره (أحكام القرآن) هذه المناظرة اللطيفة فقال:ورد علينا بالمسجد الأقصى سنة سبع وثمانين وأربعمائة، فقيهٌ من عظماء أصحاب أبي حنيفة يعرف ب (الزوزني) زائراً للخليل صلوات الله عليه، فحضرنا في حرم الصخرة المقدسة- طهّرها الله- معه، وشهد علماء البلد، فسئل على العادة عن قتل المسلم بالكافر فقال: يُقتل به قصاصاً، فطولب بالدليل فقال: الدليل عليه قوله تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} وهذا عامٌ في كل قتيل.
فانتدب معه في الكلام فقيه الشافعية وإمامهم بها (عطاء المقدسي) وقال: ما استدل به الشيخ الإمام لا حجة له فيه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الله سبحانه قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص} فشرط المساواة في المجازاة، ولا مساواة بين المسلم والكافر، فإنّ الكفر حطّ منزلته، ووضع مرتبته.
الثاني: أنّ الله سبحانه ربط آخر الآية بأولها، وجعل بيانها عند تمامها فقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} فإذا نقص العبد عن الحر بالرق- وهو من آثار الكفر- فأحرى وأولى أن ينقص عنه الكافر.
الثالث: أن الله سبحانه وتعالى قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} ولا مؤاخاة بين المسلم والكافر، فدل على عدم دخوله في هذا القول.
فقال الزوزني: دليل صحيح، وما اعترضت به لا يلزمني منه شيء.
أما قولك: إن الله تعالى شرط المساواة في المجازاة فكذلك أقول، وأمّا دعواك أنّ المساواة بين الكافر والمسلم في القصاص معدومة فغير صحيح، فإنهما متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص، وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد، فإنّ الذمي محقون الدم، والمسلم محقون الدم، وكلاهما في دار الإسلام، والذي يحقّق ذلك أن المسلم يُقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدلّ على مساواته لدمه، إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه.
وأما قولك: إنّ الله ربط آخر الآية بأولها فغير مسلّم، فإنّ أول الآية عامٌ، وآخرها خاصٌ، وخصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها، بل يجري كلٌ حكمه من عموم أو خصوص.
وأما قولك: إن الحر لا يقتل بالعبد فلا أسلّم، بل يقتل به قصاصاً، فتعلقت بدعوى لا تصح لك.
وأما قولك: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} يعني المسلم فكذلك أقول، ولكن هذا خصوص في العفو فلا يمنع من عموم القصاص.. الخ.
قال ابن العربي: وجرت مناظرة عظيمة، حصلنا منها فوائد جمة، أثبتناها في (نزهة الناظر).
الحكم الثاني: هل يقتل الوالد إذا قتل ولده؟
قال الجمهور: لا يقتل الوالد إذا قتل ولده، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يُقتل وِالدٌ بولده».
قال الجصاص: وهذا خبرٌ مستفيض مشهور، وقد حكم به عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة من غير خلاف من واحد منهم عليه، فكان في حيّز المتواتر.
وقال مالك: يُقتل إذا تعمّد قتله بأن أضجعه وذبحه.
قال القرطبي: لا خلاف في مذهب مالك أنه إذا قتل الرجل ابنه متعمداً، مثل أن يضجعه ويذبحه، أو يصبره، أنه يُقتل به قولاً واحداً، فأمّا إن رماه بالسلاح أدباً وحنقاً لم يقتل به وتغلّظ الدية.
الترجيح: وما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح للنصّ الوارد الذي أسلفناه، ولأنّ الشفقة تمنعه من الإقدام على قتل ولده متعمداً، بخلاف الابن إذا قتل أباه فإنه يقتل به من غير خلاف، قال فخر الإسلام الشاشي: إن الأب كان سبب وجود الابن، فكيف يكون هو سبب عدمه؟!
الحكم الثالث: هل يقتل الجماعة بالواحد؟
اختلف الفقهاء في الجماعة إذا اشتركوا في قتل إنسان هل يقتلون به؟ على مذهبين:
مذهب الجمهور والأئمة الأربعة: أن الجماعة يقتلون بالواحد.
مذهب الظاهرية: ورواية عن الإمام أحمد: أن الجماعة لا تقتل بالواحد.
دليل الظاهرية:
أ- استدل أهل الظاهر بآية القصاص {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} فقد شرطت المساواة والمماثلة، قالوا: ولا مساواة بين الواحد والجماعة.
ب- واستدلوا بقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس} [المائدة: 45] فالنفس تقابلها النفس، ولا تقتل الأنفس بالنفس الواحدة لأنه مخالف لنص الآية.
دليل الجمهور:
أولاً ما روي أن عمر رضي الله عنه قتل سبعة في غلام قتل بصنعاء وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم.
قال ابن كثير: ولا يُعرف له في زمانه مخالف من الصحابة وذلك كالإجماع.
ثانياً: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو أنّ أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لكبّهم الله في النار» قالوا: فإذا اشتركوا في العقوبة الأخروية، فإنهم يشتركون في العقوبة الدنيوية أيضاً.
ثالثاً: قالوا إن الشارع شرع القصاص لحفظ الأنفس {وَلَكُمْ فِي القصاص حياوة} ولو علم الناس أن الجماعة لا تقتل بالواحد، لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم، ثم لم يقتلوا فتضيع دماء الناس، وينتشر البغي والفساد في الأرض.
قال ابن العربي: احتج علماؤنا بهذه الآية: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص} على أحمد بن حنبل في قوله: لا تُقتل الجماعة بالواحد، لأن الله شرط في القصاص المساواة، ولا مساواة بين الواحد والجماعة.
والجواب: أن مراعاة القاعدة أولى من مراعاة الألفاظ، ولو علم الجماعة أنهم إذا قتلوا واحداً لم يقتلوا به، لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم، وبلغوا الأمل من التشفي منهم.
وجواب آخر: أن المراد بالقصاص قَتْلُ من قَتَل، كائناً من كان، رداً على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قُتل من لم يَقْتُل في مقابله الواحد بمائة افتخاراً واستظهاراً بالجاه والمقدرة، فأمر الله بالمساواة والعدل، وذلك بقتل من قتل.
الحكم الرابع: كيف يُقتل الجاني عند القصاص؟
اختلف الفقهاء في كيفية القتل على مذهبين:
فذهب مالك والشافعي: ورواية عن أحمد، أن القصاص يكون على الصفة التي قَتَل بها، فمن قتل تغريقاً قُتل تغريقاً، ومن رضخ رأس إنسان بحجر، قُتل برضخ رأسه بالحجر، واحتجوا بالآية الكريمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص} حيث أوجبت المماثلة فيقتص منه كما فعل.
واحتجوا بحديث أنس: أن يهودياً رضخ رأس امرأة بحجر، فرضخ النبي صلى الله عليه وسلم رأسه بحجر.
وذهب أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى عنه: إلى أن القتل لا يكون إلا بالسيف، لأن المطلوب بالقصاص إتلاف نفسٍ بنفس، واستدلوا بحديث: «لا قود إلاَّ بالسيف» وحديث: «النهي عن المُثْلة» وحديث: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» وقالوا: إذا ثبت حديث أنس كان منسوخاً بالنهي عن المُثْلة.
وقالوا: إن القتل بغير السيف من التحريق، والتفريق، والرشخ بالحجارة، والحبس حتى الموت ربما زاد على المثل فكان اعتداءً والله تعالى يقول: {فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وقد حكي أن (القاسم بن معن) حضر مع (شريك بن عبد الله) عند بعض السلاطين، فسأله ما تقول: فيمن رمى رجلاً بسهمٍ فقتله؟ قال: يُرمى فيقتل، قال: فإن لم يمت بالرمية الأولى؟ قال: يُرمى ثانياً، قال: أفتتخذونه غرضاً وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُتخذ شيء من الحيوان غراً؟ ولعلّ ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة يكون أرجح والله أعلم.
الحكم الخامس: من الذي يتولى أمر القصاص؟
قال القرطبي: اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يقتصَ من أحدٍ حقه دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما ذلك للسلطان، أو من نصبه السلطان لذلك، ولهذا جعل الله السلطان ليقيض أيدي الناس بعضهم عن بعض.