فصل: باب الصلح عن دم العمد بأكثر من الدية وأقل

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار **


 باب علامات البلوغ

1 - عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه حفظت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏لا يتم بعد احتلام ولاصمات يوم إلى الليل‏)‏‏.‏

رواه أبو داود‏.‏

2 - وعن ابن عمر قال ‏(‏عرضت على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني‏)‏‏.‏

رواه الجماعة‏.‏

3 - وعن عطية قال ‏(‏عرضنا على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم قريظة فكان من أنبت قتل ومن لم ينبت خلى سبيله وكنت ممن لم ينبت فخلى سبيلي‏)‏‏.‏

رواه الخمسة وصححه الترمذي‏.‏ وفي لفظ ‏(‏فمن كان محتلما أو أنبت عانته قتل ومن لا ترك‏)‏ رواه أحمد والنسائي‏.‏

4 - وعن سمرة ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم والشرخ الغلمان الذي لم ينبتوا‏)‏‏.‏

رواه الترمذي وصححه‏.‏

حديث علي عليه السلام في إسناده يحيى بن محمد المدني الجاري منسوب إلى الجار بالجيم والراء المهملة بلدة على الساحل بالقرب من مدينة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم‏.‏ قال البخاري يتكلمون فيه‏.‏ وقال ابن حبان يجب التنكب عما انفرد به من الروايات‏.‏ وقال العقيلي لا يتابع يحيى المذكور على هذا الحديث‏.‏ وفي الخلاصة أنه وثقه العجلي وابن عدي‏.‏ قال المنذري وقد روى هذا الحديث من رواية جابر ابن عبد اللّه وأنس بن مالك وليس فيها شيء يثبت‏.‏ وقد أعل هذا الحديث أيضا عبد الحق وابن القطان وغيرهما وحسنه النووي متمسكا بسكوت أبي داود عليه ورواه الطبراني في الصغير بسند آخر عن عليه عليه السلام‏.‏ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده وأخرج نحوه الطبراني في الكبير عن حنظلة بن حذيفة عن جده وإسناده لا بأس به‏.‏ وأخرج نحوه أيضا ابن عدي عن جابر وحديث ابن عمر زاد فيه البيهقي وابن حبان في صحيحه بعد قوله ‏(‏لم يجزني ولم يرني بلغت‏)‏ وبعد قوله ‏(‏فأجازني ورآني بلغت‏)‏ وقد صحح هذه الزيادة أيضا ابن خزيمة‏.‏ وحديث عطية القرظي صححه أيضا ابن حبان والحاكم وقال على شرط الصحيحين‏.‏ قال الحافظ وهو كما قال إلا أنهما لم يخرجا لعطية وماله الا هذا الحديث الواحد وقد أخرج نحو حديث عطية الشيخان من حديث أبي سعيد بلفظ ‏(‏فكان يكشف عن مؤتزر المراهقين فمن أنبت منهم قبل ومن لم ينبت جعل في الذراري‏)‏ وأخرج البزار من حديث سعيد بن أبي وقاص ‏(‏حكم على بني قريظة أن يقتل منهم كل منجرت عليه المواسي‏)‏ وأخرج الطبراني من حديث أسلم بن بحير الأنصاري قال ‏(‏جعلني النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على أساري قريظة فكنت أنظر في فرج الغلام فإن رأيته قد أنبت ضربت عنقه وإن لم أره قد أنبت جعلته في مغانم المسلمين‏)‏ قال الطبراني لا يروى عن أسلم الا بهذا الإسناد‏.‏ قال الحافظ وهو ضعيف‏.‏ وحديث سمرة أخرجه أيضا أبو داود وهو من رواية الحسن عن سمرة وفي سماعه منه مقال قد تقدم ـ وفي الباب ـ عن أنس عند البيهقي بلفظ ‏(‏إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه وأقيمت عليه الحدود‏)‏ قال في التلخيص وسنده ضعيف‏.‏ وعن عائشة عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم بلفظ ‏(‏رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق‏)‏

وأخرجه أيضا أبو داود والنسائي وأحمد والدارقطني والحاكم وابن حبان وابن خزيمة عن علي عليه السلام من طرق وفيه قصة جرت له مع عمر علقها البخاري فمن الطرق عن أبي ظبيان عنه بالحديث والقصة ومنها عن أبي ظبيان عن ابن عباس وهي من رواية جرير بن حازم عن الأعمش عنه وذكره الحاكم عن شعبة عن الأعمش كذلك لكنه وقفه‏.‏ وقال البيهقي تفرد برفعه جرير بن حازم‏.‏ قال الدارقطني في العلل وتفرد به عن جرير عبد اللّهبن وهب وخالفه ابن فضيل ووكيع عن الأعمش موقوفا وكذا قال أبو حصين عن أبي ظبيان وخالفهم عمار بن رزيق فرواه عن الأعمش ولم يذكر فيه ابن عباش وكذا قال عطاء بن السائب عن أبي ظبيان عن علي وعمر رضي اللّه عنهما مرفوعا‏.‏ قال الحافظ وقول وكيع وابن فضيل أشبه بالصواب‏.‏ وقال النسائي حديث أبي حصين أشبه بالصواب‏.‏ ورواه أيضا أبو داود من حديث أبي الضحى عن علي عليه السلام بالحديث دون القصة وأبو الضحي‏.‏ قال أبو رزعة حديثه عن علي مرسل‏.‏ ورواه ابن ماجه من حديث القاسم بن يزيد عن علي‏.‏ قال أبو زرعة وهو مرسل أيضا‏.‏ وراه الترمذي من حديث الحسن البصري قال أبو زرعة أيضا وهو مرسل لم يسمع الحسن من علي شيئا‏.‏

وروى الطبراني عن أبي أدريس الخولاني قال أخبرني غير واحد من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ثوبان ومالك بن شداد وغيرهما فذكر نحوه وفي إسناده برد بن سنان وهو مختلف فيه‏.‏ قال الحافظ وفي إسناده مقال في اتصاله‏.‏ ورواه الطبراني أيضا من طريق مجاهد عن ابن عباس وإسناده ضعيف كما قال الحافظ‏:‏ قوله ‏(‏لا يتم بعد احتلام‏)‏ استدل به على أن الاحتلام من علامات البلوغ‏.‏ وتعقب بأنه بيان لغاية مدة اليتم وارتفاع اليتم لا يستلزم البلوغ الذي هو مناط التكليف لأن اليتم يرتفع عند ادراك الصبي لمصالح دنياه والتكليف إنما يكون عند إدراكه لمصالح آخرته والأولى الاستدلال بما وقع في رواية لأحمد وأبي داود والحاكم من حديث علي عليه السلام بلفظ ‏(‏وعن الصبي حتى يحتلم‏)‏ ويؤيد ذلك قوله في حديث عطية ‏(‏فمن كان محتلما‏)‏ وقد حكى صاحب البحر الإجماع على أن الأحتلام مع الأنزال من علامات البلوغ في الذكر ولم يجعله المنصور باللّه في الأنثى‏.‏ قوله ‏(‏ولاصمات‏)‏ الخ الصمات السكوت قال في القاموس وماذقت صماتا كسحاب شيئا ولا صمت يوم إلى الليل أي لاصمت يوم تام انتهى‏.‏ قوله ‏(‏فلم يجزني‏)‏ وقوله ‏(‏فأجازني‏)‏ المراد بالإجازة الأذن بالخروج للقتال من أجازه إذا أمضاه وأذن له لا من الجائزة التي هي العطية كما فهمه صاحب ضوء النهار وقد استدل بحديث ابن عمر هذا من قال ان مضى خمس عشرة سنة من الولادة يكون بلوغا في الذكر والأنثى وإليه ذهب الجمهور وتعقب ذلك الطحاوي وابن القصار وغيرهما بأنه لا دلالة في الحديث على البلوغ لأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يتعرض لسنه وإن فرض خطور ذلك ببال ابن عمر ويرد هذا التعقب ما ذكرنا من الزيادة في الحديث أعني قوله ‏(‏ولم يرني بلغت‏)‏ وقوله ‏(‏ورآني بلغت‏)‏ والظاهر أن ابن عمر لا يقول هذا بمجرد الظن من دون أن يصدر منه صلى اللّه عليه وآله وسلم ما يدل على ذلك‏.‏ وقال أبو حنيفة بل مضى ثمان عشرة سنة للذكر وسبع عشرة للأنثى‏:‏ قوله ‏(‏فكان من أنبت‏)‏ الخ ‏:‏استدل به من قال إن الإنبات من علامات البلوغ وإليه ذهبت الهادوية وقيدوا ذلك بأن يكون الإنبات بعد التسع وتعقب بأن قتل من أنبت ليس لأجل التكليف بل لرفع ضرره لكونه مظنة للضرر كقتل الحية ونحوها ورد هذا التعقب بأن القتل لمن كان كذلك ليس الا لأجل الكفر لا لدفع الضرر لحديث ‏(‏أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه‏)‏ وطلب الإيمان وإزالة المانع منه فرع التكليف ويؤيد هذا أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يغزو إلى البلاد البعيدة كتبوك ويأمر بغزو أهل الأقطار النائية مع كون الضرر ممن كان كذلك مأمونا وكون قتال الكفار لكفرهم هو مذهب طائفة من أهل العلم وذهبت طائفة أخرى إلى أن قتالهم لدفع الضرر والقول بهذا المقالة هو منشأ ذلك التعقب ومن القائلين بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية حفيد المصنف وله في ذلك رسالة‏.‏ قوله ‏(‏شرخهم‏)‏ بفتح الشين المعجمة وسكون الراء المهملة بعدها خاء معجمة‏.‏ قال في القاموس هو أول الشباب انتهى‏.‏ وقيل هم الغلمان الذي لم يبلغوا وحمله المصنف على من لم يثبت من الغلمان ولابد من ذلك للجمع بين الأحاديث وإن كان أول الشباب يطلق على من كان في أول الانبات والمراد بالإنبات المذكور في الحديث هو ابنات الشعر الأسود المتجعدة في العانة لا إنبات مطلق الشعر فإنه موجود في الأطفال‏.‏

 باب ما يحل لولي اليتيم من ماله بشرط العمل والحاجة

1 - عن عائشة رضي اللّه عنها في قوله تعالى ‏{‏ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف‏}‏ إنها نزلت في ولي اليتيم إذا كان فقيرا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف‏.‏ وفي لفظ ‏(‏أنزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلح ماله إن كان فقيرا أكل منه بالمعروف‏)‏‏.‏

أخرجاهما‏.‏

2 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ‏(‏أن رجلا أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال أني فقير ليس لي شيء ولي يتيم فقال كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل‏)‏‏.‏

رواه الخمسة إلا الترمذي‏.‏ وللأثرم في سننه عن ابن عمر ‏(‏أنه كان يزكي مال اليتيم ويستقرض منه ويدفعه مضاربة‏)‏‏.‏

حديث عمرو بن شعيب سكت عنه أبو داود وأشار المنذري إلى أن في إسناده عمرو بن شعيب وفي سماع أبيه من جده مقال قد تقدم التنبيه عليه‏.‏ وقال في الفتح إسناده قوي والآية المذكورة تدل على جواز نأكل ولي اليتيم من ماله بالمعروف إذا كان فقيرا ووجوب الاستعفاف إذا كان غنيا وهذا إن كان المراد بالغني والفقير في الآية ولي اليتيم على ما هو المشهور‏.‏ وقيل المعنى في الآية اليتيم أي إن كان غنيا فلا يسرف في الإنفاق عليه وإن كان فقيرا فليطعمه من ماله بالمعروف فلا يكون على هذا في الآية دلالة على الأكل من مال اليتيم أصلا هذا التفسير رواه ابن التين عن ربيعة ولكن المتعين المصير إلى الأول لقول عائشة المذكور‏.‏ وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة فروى عن عائشة أنه يجوز للولي أن يأخذ من مال اليتيم قدر عمالته وبه قال عكرمة والحسن وغيرهم وقيل لا يأكل منه إلا عند الحاجة ثم اختلفوا فقال عبيدة بن عمرو وسعيد بن جبير ومجاهد إذا أكل ثم أيسر قضى وقيل لا يجب القضاء وقيل إن كان ذهبا أو فضة لم يجز له أن يأخذ منه شيئا الا على سبيل القرض وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة وهذا أصح الأقوال عن ابن عباس وبه قال الشعبي وأبو العالية وغيرهما أخرج جميع ذلك ابن جرير في تفسيره وقال هو بوجوب القضاء مطلقا وانتصر له وقال الشافعي يأخذ أقل الأمرين من أجرته ونفقته ولا يجب الرد على الصحيح عنده والظاهر من الآية والحديث جواز الأكل مع الفقر بقدر الحاجة من غير اسراف ولا تبذير ولا تأثل والأذن بالأكل يدل إطلاقه على عدم وجوب الرد عند التمكن ومن ادعى الوجوب فعليه الدليل‏:‏ قوله ‏(‏غير مسرف ولا مبادر‏)‏ هذا مثل قوله تعالى ‏{‏ولا تأكلوها اسرافا وبدارا‏}‏ أي مسرفين ومبادرين كبر الأيتام أو لا سرافكم ومبادرتكم كبرهم‏.‏ يفرطون في انفاقها ويقولون تنفق كما تشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا‏.‏ ولفظ أبي داود غير مسرف ولا مبذر‏:‏ قوله ‏(‏ولامتأثل‏)‏ قال في القاموس أثل ماله تأثيلا زكاه وأصله وملكه عظمه والأهل كساهمه أفضل كسوة وأحسن إليهم والرجل كثر ماله انتهى‏.‏ والمراد هنا أنه لا يدخر من مال اليتيم لنفسه ما يزيد على قدر ما يأكله‏.‏ قال في الفتح المتأثل بمثناة ثم مثلثة مشددة بينهما همزة هو المتخذ والتأثيل اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم واثله اصله‏.‏ قوله ‏(‏أنه كان يزكي مال اليتيم‏)‏ الخ فيه إن ولي اليتيم يزكي ماله ويعامله بالقرض والمضاربة وما شابه ذلك‏.‏

 باب مخالطة الولي اليتيم في الطعام والشراب

1 - عن ابن عباس قال ‏(‏لما نزلت ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن عزلوا أموال اليتامى حتى جعل الطعام يفسد واللحم ينتن فذكر ذلك للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فنزلت ‏{‏وإن تخالطوهم فإخوانكم واللّه يعلم المفسد من المصلح قال فخالطوهم‏}‏‏)‏‏.‏

رواه أحمد والنسائي وأبو داود‏.‏

الحديث أخرجه أيضا الحاكم وصححه وفي إسناده عطاء بن السائب وقد تفرد بوصله وفيه مقال‏.‏ وقد أخرج له البخاري مقرونا‏.‏ وقال أيوب ثقة وتكلم فيه غير واحد‏.‏ وقال الإمام أحمد من سمع منه قديما فهو صحيح ومن سمع منه حديثا لم يكن بشيء ووافقه على ذلك يحيى بن معين وهذا الحديث من رواية جرير بن عبد الحميد عنه وهو ممن سمع منه حديثا ورواه النسائي من وجه آخر عن عطاء موصولا وزاد فيه ‏(‏وأحل لهم خلطهم‏)‏ ورواه عبد بن حميد عن قتادة مرسلا ورواه الثوري في تفسيره عن سعيد بن جبير مرسلا أيضا‏.‏ قال في الفتح وهذا هو المحفوظ مع إرساله وروى عبد بن حميد من طريق السدى عمن حدثه عن ابن عباس قال المخالطة أن تشرب من لبنه ويشرب من لبنك وتأكل من قصعته ويأكل من قصعتك واللّه يعلم المفسد من المصلح من يتعمد أكل مال اليتيم وم يتجنبه‏.‏ وقال أبو عبيد المراد بالمخالطة أن يكون اليتيم بين عيال الوالي فيشق عليه إفراز طعامه فيأخذ من مال اليتيم قدر ما يرى أنه كافيه بالتحري فيخلطه بنفقة عياله ولما كان ذلك قد تقع في الزيادة والنقصان خشوا منه فوسع اللّه لهم وقد ورد التنفير عن أكل أموال اليتامى والتشديد فيه قال اللّه تعالى ‏{‏إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا‏}‏ وثبت في الصحيح أن أكل مال اليتيم أحد السبع الموبقات فالواجد على من ابتلى بيتيم أن يقف على الحد الذي أباحه له الشارع في الأكل من ماله ومخالطته لأن الزيادة عليه ظلم يصلى به فاعله سعيرا ويكون من الموبقين نسأل اللّه السلامة‏.‏

 كتاب الصلح وأحكام الجوار

  باب جواز الصلح عن المعلوم والمجهول والتحليل منهما

1 - عن أم سلمة قالت جاء رجلان يختصمان إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في مواريث بينما قد درست ليس بينهما بينة فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏إنكم تختصمون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها اسطاما في عنقه يوم القيامة فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما حقي لاخي فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود وفي رواية لأبي داود‏.‏ ‏(‏وإنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل على فيه‏)‏‏.‏ الحديث أخرجه أيضا ابن ماجه وسكت عنه أبو داود والمنذري‏.‏ وفي إسناده أسامة بن زيد بن أسلم المدني مولى عمر قال النسائي وغيره ليس بالقوي‏.‏ واصل هذا الحديث في الصحيحين وسيأتي في باب إن حكم الحاكم ينفذ ظاهر الا باطنا من كتاب الأقضية‏:‏ قوله ‏(‏إنكم تختصمون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم‏)‏ يعني في الأحكام‏.‏ قوله ‏(‏وإنما أنا بشر‏)‏ البشر يطلع على الواحد كما في الحديث وعلى الجمع نحو قوله تعالى ‏{‏نذيرا للبشر‏}‏ والمراد إنما أنا مشارك لغيري في البشرية وإن كان صلى اللّه عليه وآله وسلم زائدا عليهم بما أعطاه اللّه تعالى من المعجزات الظاهرة والاطلاع على بعض الغيوب الحصر ههنا مجازي أي باعتبار علم الباطن‏.‏وقد حققه علماء المعاني وأشرنا إلى طرف من تحقيقه في كتاب الصلاة‏:‏ قوله ‏(‏ألحن‏)‏ أي أفطن وأعرف ويجوز أن يكون معناه أفصح تعبيرا عنها أظهر احتجاجا فربما جاء بعبارة تخيل إلى السامع أنه محق وهو في الحقيقة مبطل والأظهر أن يكون معناه أبلغ كما في رواية في الصحيحين أي أحسن ايرادا للكلام وأصل اللحن الميل عن جهة الاستقامة يقال لحن فلان في كلامه إذا مال عن صحيح النطق ويقال لحنت لفلان إذا قلت له قولا يفهمه ويخفى على غيره لأنه بالتورية ميل كلامه عن الواضح المفهوم‏.‏ قوله ‏(‏وإنما أقضي‏)‏ الخ فيه دليل على أن الحاكم إنما يحكم بظاهر ما يسمع من الألفاظ مع جواز كون الباطن خلافه ولم يتعبد بالبحث عن البواطن باستعمال الأشياء التي تفضي في بعض الأحوال إلى ذلك كأنواع السياسة والمداهاة قوله ‏(‏فلا يأخذه‏)‏ فيه ان حكم الحاكم لا يحل به الحرام كما زعم بعض أهل العلم قوله ‏(‏قطعة‏)‏ بكسر القاف أي طائفة‏:‏ قوله ‏(‏اسطاما‏)‏ بضم الهمزة وسكون السين المهملة‏.‏ قال في القاموس السطام بالكسر المسعار لحديدة مفطوحة تحرك بها النار ثم قال والاسطام المسعار اه‏.‏ والمراد هنا الحديدة التي تسعر بها النار أي يأتي يوم القيامة حاملا لها مع أثقاله‏:‏ قوله ‏(‏حقي لأخي‏)‏ فيه دليل على صحة هبة المجهول وهبة المدعي قبل ثبوته وهبة الشريك لشريكه‏:‏ قوله ‏(‏أما إذا قلتما‏)‏ لفظ أبي داود ‏(‏أما إذا فعلتما ما فعلتماه فاقتسما‏)‏ قال في شرح السنن أما بتخفيف الميم يحتمل أن يكون بمعنى حقا وإذ للتعليل‏:‏ قوله ‏(‏فاقتسما‏)‏ فيه دليل على أنه الهبة إنما تملك بالقبول لأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أمرها بالاقتسام بعد أن وهب كل واحد نصيبه من الآخر‏.‏ قوله ‏(‏ثم توخيا‏)‏ بفتح الواو والخاء المعجمة‏.‏ قال في النهاية أي اقصدا الحق فيما تصنعان من القسمة يقال توخيت الشيء أتوخاه توخيا إذا قصدت إليه وتعمدت فعله‏:‏ قوله ‏(‏ثم استهما‏)‏ أي ليأخذ كل واحد منكما ماتخرجه القرعة من القسمة ليتميز سهم كل واحد منكما عن الآخر‏.‏ وفيه الأمر بالقرعة عند المساواة أو المشاحة وقد وردت القرعة في كتاب اللّه في موضعين‏.‏ أحدهما قوله تعالى ‏{‏إذ يلقون أقلامهم‏}‏ والثاني قوله تعالى ‏{‏فساهم فكان من المدحضين‏}‏ وجاءت في خمسة أحاديث من السنة الأول هذا الحديث‏.‏ الثاني حديث أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه‏)‏ الثالث أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏أقرع في ستة مملوكين‏)‏ الرابع قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه‏)‏ الخامس حديث الزبير ‏(‏أن صفية جاءت بثوبين لتكفن فيهما حمزة فوجدنا إلى جنبه قتيلا فقلنا لحمزة ثوب وللانصاري ثوب فوجدنا أحد الثوبين أوسع من الآخر فأقرعنا عليهما ثم كفنا كل واحد في الثوب الذي خرج له‏)‏ والظاهر أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم اطلع على على هذا وقرره لأنه كان حاضرا هنالك ويبعد أن يخفي عليه مثل ذلك في حق حمزة وقد كانت الصحابة تعتمد القرعة في كثير من الأمور كما روي ‏(‏أنه تشاح الناس يوم القادسية في الأذان فأقرع يبنهم سعد‏)‏‏:‏ قوله ‏(‏ثم ليحلل‏)‏ الخ أي ليسأل كل واحد منكما صاحبه أن يجعله في حل من قبله بابراء ذمته وفيه دليل على أنه يصح الابراء من المجهول لان الذي في ذمة كل واحد ههنا غير معلوم وفيه أيضا صحة الصلح بمعلوم عن مجهول ولكن لا بد مع ذلك من التحليل‏.‏ وحكى في البحر عن الناصر والشافعي أنه لا يصح بمعلوم عن مجهول‏:‏ قوله ‏(‏برأيي‏)‏ هذا مما استدل به أهل الأصول على جواز العمل بالقياس وإنه حجة وكذا استدلوا بحديث بعث معاذ المعروف‏.‏

2 - وعن عمرو بن عوف أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ‏(‏الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حزم حلالاً أو أحل حرامًا‏)‏‏.‏

رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وزاد ‏(‏المسلمون على شروطهم الا شرطا حرم حلالا أو أحل حرامًا‏)‏ قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح‏.‏

الحديث أخرجه أيضا الحاكم وابن حبان وفي إسناده كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف عن أبيه وهو ضعيف جدا‏.‏ قال فيه الشافعي وأبو داود هو ركن من أركان الكذب وقال النسائي ليس بثقة‏.‏ وقال ابن حبان له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة وتركه أحمد‏.‏ وقد نوقش الترمذي في تصحيح حديثه قال الذهبي أما الترمذي فروى من حديثه الصلح جائز بين المسلمين وصححه فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه‏.‏ وقال ابن كثير في إرشاده قد نوقش أبو عيسى يعني الترمذي في تصحيحه هذا الحديث وماشاكله اه‏.‏ واعتذر له الحافظ ‏ـ قال في بلوغ المرام وكأنه اعتبره بكثرة طرقه وقد صححه ابن جبان من حديث أبي هريرة اه‏.‏‏ ـ‏ فقال وكأنه اعتبره بكثرة طرقه وذلك لأنه رواه أبو داود والحاكم من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال الحاكم على شرطهما وصححه ابن حبان وحسنه الترمذي‏.‏ وأخرجه أيضا الحاكم من حديث أنس‏.‏ وأخرجه أيضا من حديث عائشة وكذلك الدارقطني‏.‏ وأخرجه أحمد من حديث سليمان بن بلال عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة وأخرجه ابن أبي شيبة عن عطاء مرسلا‏.‏ وأخرجه البيهقي موقوفا علي عمر كتبه إلى أبي موسى‏.‏ وقد صرح الحافظ بأن إسناد حديث أنس وإسناد حديث عائشة واهيان وضعف ابن حزم حديث أبي هريرة وكذلك ضعفه عبد الحق‏.‏ وقد روى من طريق عبد اللّه بن الحسين المصيصي وهو ثقة وكثير بن زيد المذكور قال أبو زرعة صدوق ووثقه ابن معين والوليد بن رباح صدوق أيضا ولا يخفى ان الأحاديث المذكورة والطرق يشهد بعضها لبعض فاقل أحوالها أن يكون المتن الذي اجتمعت عليه حسنا‏:‏ قوله ‏(‏الصلح جائز‏)‏ ظاهر هذه العبارة العموم فيشمل كل صلح الاما استثنى ومن ادعى عدم جواز صلح زائد على ما استثناه الشارع في هذا الحديث فعليه الدليل‏.‏ وإلى العموم ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والجمهور‏.‏ وحكى في البحر عن العترة والشافعي وابن أبي ليلى أنه لا يصح الصلح عن أنكار وقد استدل لهم بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏لا يحل مال أمرئ مسلم الا بطيبة من نفسه‏)‏ وبقوله تعالى ‏{‏ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل‏}‏ ويجاب بأن الرضا بالصلح مشعر بطيبة النفس فلا يكون أكل المال به من أكل أموال الناس بالباطل ‏ـ ‏وقد جمع بين الأدلة بجمع حسن صاحب السبل قال ومعنى عدم صحته أنه لا يطيب مال الخصم مع انكار المصالح وذلك حيث يدعى عليه آخر عينا أو دينا فيصالح ببعض العين او الدين مع انكار خصمه فإن الباقي لا يطيب له بل يجب عليه تسليمه لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيبة من نفس‏)‏ وقوله تعالى ‏{‏عن تراض‏}‏ وأجيب بأنها قد وقعت طيبة النفس بالرضى وعند الصلح قد صار في حكم عقد المعاوضة فيحل له ما بقي‏.‏ قلت الأولى أن يقال إن كان المدعي يعلم إن حقا عند خصمه جاز له قبض ما صولح به والمدعى عليه إن كان عنده حق يعلمه جاز له إعطاء جزء من ماله في دفع شجار غريم وأذيته وحرم على المدعي أخذه وبهذا تجتمع الادلة فلا يقال الصلح على الإنكار لا يصلح ولا أنه يصح على الإطلاق بل يفصل فيه اه‏.‏‏ ـ واحتج لهم في البحر بأن الصلح معاوضة فلا يصح مع الإنكار كالبيع‏.‏ وأجيب بأنه لا معنى للإنكار في البيع لعدم ثبوت حق لاحدهما على الآخر يتعلق به الإنكار قبل صدور البيع فلا يصح القياس‏.‏ وقله ‏(‏بين المسلمين‏)‏ هذا خرج مخرج الغالب لأن الصلح جائز بين الكفار وبين المسلم والكافر‏.‏ ووجه التخصيص إن المخاطب بالأحكام في الغالب هم المسلمون لأنهم هم المنقادون لها‏:‏ قوله ‏(‏الا صلحا‏)‏ بالنصل على الأستثناء‏.‏ وفي رواية لأبي داود والترمذي بالرفع‏.‏ والصلح الذي يحرم الحلال كمصالحة الزوجة للزوج على ان لا يطلقها أو لا يتزوج عليها أو لا يبيت عند ضرتها والذي يحلل الحرام كأن مصالحه على وطء أمة لا يحل له وطؤها أو أكل مال لا يحل له أكله أو نحو ذلك‏:‏ قوله ‏(‏المسلمون على شروطهم‏)‏ ‏ـ ‏وفي الاتيان بعلى ووصفهم بالاسلام والإيمان دلالة على علو مرتبتهم وأنهم لا يخلون بشروطهم فهلا يتنبه لذلك أهل هذا العصر ويقتدون بسلفهم وبما جاءت به شريعتهم لا سيما أهل العلم منهم ومن كان حائزا للشهادة والوظيفة نسأل اللّه التوفيق ـ‏ أي ثابتون عليها لا يرجعون عنها‏.‏ قال المنذري وهذا في الشروط الجائزة دون الفاسدة ويدل على هذا قوله ‏(‏الا شرطا حرم حلالا‏)‏ الخ ويؤيده ماثبت في حديث بريرة من قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏كل شرك ليس في كتاب اللّه فهو باطل‏)‏ وحديث ‏(‏من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد‏)‏ والشرط الذي يحل الحرام كأن يشرط نصرة الظالم أو الباغي أو غزو المسلمين والذي يحرم الحلال كأن يشرط عليه أن لا يطأ أمته أو زوجته أو نحو ذلك‏.‏

3 - وعن جابر ‏(‏أن أباه قتل يوم أحد شهيدا وعليه دين فاشتد الغرماء في حقوقهم قال فأتيت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فسألهم ان يقبلوا ثمرة حائطي ويحللوا أبي فأبوا فلم يعطهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم حائطي وقال سنغدو عليك فغدا علينا حين أصبح فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة فجددتها فقضيتهم وبقي لنا من ثمرها‏)‏‏.‏ وفي لفظ ‏(‏أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود فاستنظره جابر فابى أن ينظره فكلم جابر رسول اللّه يشفع له إليه فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وكلم اليهودي ليأخذ ثمرة نخله بالذي له فأبى فدخل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم النخل فمشى فيها ثم قال لجابر جدله فأوف له الذي له فجده بعد ما رجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فأوفاه ثلاثين وسقا وفضلت سبعة عشر وسقا‏)‏‏.‏

رواهما البخاري‏.‏

قوله ‏(‏فجددتها‏)‏ بالجيم ودالين مهملتين والجداد صرام النخل‏.‏ والحديث فيه دليل على جواز المصالحة بالمجهول عن المعلوم وذلك لأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم سأل الغريم أن يأخذ ثمر الحائط وهو مجهول القدر في الأوساق التي له وهي معلومة ولكنه ادعى في البحر الإجماع على عدم الجواز فقال ما لفظه مسألة ويصح بمعلوم عن معلوم إجماعا بمجهول إجماعا ولوعن معلوم كأن يصالح بشيء عن شيء أو عن ألف بما يكسبه هذا العام اه‏.‏ فينبغي أن ينظر في صحة هذا الإجماع فإن الحديث مصرح بالجواز‏.‏ وقال المهلب لا يجوز عند أحد من العلماء أن يأخذ من له دين تمر تمرا مجازفة بدينه لما فيه من الجهل والغرر وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة في حقه أقل من دينه إذا علم الآخذ بذلك رضي اه‏.‏ وهكذا قال الدمياطي وتعقبهما ابن المنير فقال بيع المعلوم بالمجهول موابنة فإن كان تمرا نحوه فمزابنة وربا لكن اغتفر ذلك في الوفاء وتبعه الحافظ على ذلك فقال أنه يغتفر في القضاء من المعاوضة مالا يغتفر ابتداء لأن بيع الرطب بالتمر لا يجوز في غير العرايا ويجوز في المعاوضة عند الوفاء قال وذلك بين في حديث الباب انتهى‏.‏ والحاصل أن هذا الحديث مخصص للعمومات المتقدمة في البيع القاضية بوجوب معرفة مقدار كل واحد من البدلين المتساوينن جنسا وتقديرا فيجوز القضاء مع الجهالة إذا وقع الرضا ويؤيد هذا حديث أم سلمة السالف فإنها وقعت فيه المصالحة بمعلوم عن مجهول‏.‏ والمواريث الدارسة تطلق على الأجناس الربوية وغيرها فهو يقضي بعمومه أنها تجوز المصالحة مع جهالة أحد العوضين وإن كان المصالح به والمصالح عنه ربوين ولكن لابد من وقوع التحليل كما هو مصرح به في الحديثين وقد استدل المقبلي في الأبحاث بهذا الحديث على جواز صرف الفضة بالفضة مع التصريح بتطييب الزائد وأنه لا يلزم من ذلك إبطال المقصد الشرعي في الربا لأن كل حيلة توصل بها إلى السلامة من الإثم فهي جائزة وإنما المحرم الحيلة التي توصل بها إلى إبطال مقصد شرعي قال فعلى هذا يجوز الصرف للقروش بالمحلقة وهما ضربتان كبيرة وصغيرة ونحو ذلك مما دعت الضرورة إليه قال ولنحو ذلك رخص في بيع العرية وإلا فكان يمكن بيع التمر بالدراهم ثم شراء رطب بالدراهم أما لو كان الغرض طلب التجارة والأرباح كالصيارفة فلا يجوز إلى آخر كلامه‏.‏ وصرح أيضا بأنه لا حاجة في الصرق إلى تكليف شراء سلعة ثم بيعها كما في حديث تمر الجمع والجنيب السالف قال لأن ذلك يلحق بالممتنع للضرورة إليه في أكثر الأحوال وغالبها ففيه غاية المشقة وأنت خبير بأن الحديث ورد على خلاف ما تقتضيه الأصول فلا يجوز أن يجاوز به مورده وهو صورة القضاء فلا يصح القياس وهذا على فرض عدم صحة الإجماع على خلاف ما يقتضيه الحديث فإن صح فالعمل به في تلك الصورة المخصوصة لا يجوز فكيف يصح إلحاق غيرها بها وأيضا خبر القلادة السالف مشعر بعدم جواز بيع الفضة بالفضة وإن وقعت المرضاة والكباراة فهذا القياس الذي عول عليه فاسد الاعتبار فإن قال إن صرف الدراهم بالقروش يحتاج إليه كل أحد وتدعو الضرورة إليه بخلاف بيع الفضة التي ليست بمضروبة بمثلها فنقول هذا تخصيص بمجرد الحاجة والمشقة ومثل ذلك لا ينتهض لتخصيص النصوص ولا سيما مع إمكان التخلص عن تلك الورطة بأن يشتري بأحد البدلين عينا ويبيعها بالنقد الآخر كما أرشد إليه الشارع في قضية تمر الجمع والجنيب فإن بهذه الوسيلة تنتفي الضرورة الحاملة على ارتكاب ما لا يحل ولو كان مجرد حصول المشقة مجوز المخالفة الدليل ومسوغا للمحرم لكان في ذلك معذرة لمن لا رغبة له القيام بالواجبات لأن كثيرا منها مصحوب بالمشقة كالحج والجهاد ونحوهما‏.‏

4 - وعن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيآت صاحبه فحمل عليه‏)‏‏.‏

رواه البخاري وكذلك أحمد والترمذي وصححه وقالا فيه ‏(‏مظلمة من مال أو عرض‏)‏‏.‏

قوله ‏(‏مظلمة‏)‏ بكسر اللام على المشهور وحكى ابن قتيبة وابن التين والجوهري فتحها وأنكره ابن القوطية وحكى القزاز الضم‏.‏ قوله ‏(‏أو شيء‏)‏ هو من عطف العام على الخاص فيدخل فيه المال بأصنافه والجراحات حتى اللطمة ونحوها‏:‏ قوله ‏(‏قبل أن لا يكون دينار ولا درهم‏)‏ أي يوم القيامة كما ثبت في رواية الإسماعيلي قوله ‏(‏أخذ من سيآت صاحبه‏)‏ أي صاحب المظلمة فحمل عليه ‏(‏أي على الظالم‏)‏‏.‏ وفي رواية مالك ‏(‏فطرحت عليه‏)‏ وقد أخرج هذا الحديث مسلم من وجه آخر وهو أوضح سياقا من هذا‏.‏ ولفظه ‏(‏المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وسفك دم هذا وأكل مال هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه وطرح في النار‏)‏‏.‏ ولا تعارض بين هذا وبين قوله تعالى ‏{‏ولا تزر وازرة وزر أخرى‏}‏ لأنه إنما يعاقب بغير جناية منه بل بجنايته فقوبلت الحسنات بالسيئات على ما اقتضاه عدل اللّه تعالى في عباده ـ وفي الحديث ـ دليل على صحة الأبراء من المجهول لإطلاقه‏.‏ وزعم ابن بطال إن في هذا الحديث دليل على اشتراك التعيين لأن قوله مظلمة يقتضي أن تكون معلومة القدر مشار إليها‏.‏ قال الحافظ ولا يخفى ما فيه‏.‏ قال ابن المنير إنما وقع في الحديث التقدير حيث يقتص المظلوم من الظالم حتى يأخذ منه بقدر حقه وهذا متفق عليه والخلاف إنما هو فيما إذا أسقط المظلوم حقه في الدنيا هل يشترط أن يعرف قدره أم لا وقد أطلق ذلك في الحديث نعم قام الإجماع على صحة التحليل من المعين المعلوم فإن كانت العين موجودة صحت هبتها دون الإبراء منها‏.‏ وفي الحديث أيضا دليل على أن من حلل خصمه من مظلمة لا رجوع له في ذلك أما المعلوم فلا خلاف فيه‏.‏ وأما المجهول فعند من يجيزه قال في الفتح وهو فيما مضى باتفاق وأما فيما سيأتي ففيه الخلاف‏.‏

 باب الصلح عن دم العمد بأكثر من الدية وأقل

1 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ‏(‏من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤا قتلوا وإن شاؤا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقه وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وذلك عقل العمد وما صالحوا عليه فهو لهم وذلك تشديد العقل‏)‏‏.‏

رواه أحمد وابن ماجه والترمذي‏.‏

الحديث حسنه الترمذي وفي إسناده أحمد على بن زيد بن جدعان وفيه مقال عن يعقوب السدوسي ويقال فيه عقبة بن أوس عن ابن عمرو وروى البيهقي بإسناده إلى ابن خزيمة قال حضرت مجلس المزني يوما وسأله سائل من العراقيين عن شبه العمد فقال السائل إن اللّه وصف القتل في كتابه صنفين عمدا وخطأ فلم قلتم أنه ثلاثة أصناف فاحتج المزني بحديث ابن عمرو فقال له ناظره أتحتج بعلي بن زيد بن جدعان فسكت المزني فقلت لناظره قد روى هذا الحديث عن غير علي بن زيد فقال من رواه غيره فقلت أيوب السختياني وجابر الحذاء قال لي فمن عقبة بن أوس قلت رجل من أخل البصرة روى عنه ابن سيرين على جلالته فقال للمزني أنت تناظر أم هذا فقال إذا جاء الحديث فهو يناظر لأنه أعلم به مني اه فدل كلام ابن خزيمة هذا على أن علي بن زيد قد توبع‏.‏ وايضا الترمذي رواه عن أحمد بن سعيد الدارمي عن حبان بن هلال عن محمد بن راشد عن سليمن بن موسى عن عمرو بن شعيب‏:‏ قوله ‏(‏خلفة‏)‏ أي حاملة‏.‏ ووقع في رواية أربعون خلفة في بطونها أولادها واستشكل ذلك لأن الخلفة هي التي في بطنها ولدها وأجيب بأن هذا التفسير لا تقييد وقيل تأكيد وأيضاح وقيل غير ذلك والحديث يأتي الكلام على ما اشتمل عليه في أبواب الديات وإنما ساقه المصنف ههنا للاستدلال بقوله فيه ‏(‏وما صالحوا عليه فهو لهم‏)‏ فإنه يدل على جواز الصلح في الدماء بأكثر من الدية‏.‏

 باب ما جاء في وضع الخشب في جدار الجار وإن كره

1 - ن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ‏(‏لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره ثم يقول أبو هريرة مالي أراكم عنها معرضين واللّ لأرمين بها بين أكتافكم‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا النسائي‏.‏

2 - وعن ابن عباس قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏لا ضرر ولا ضرار وللرجل أن يضع خشبه في حائط جاره وإذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع‏)‏‏.‏

3 - وعن عكرمة بن سلمة بن ربيعة ‏(‏أن أخوين من بني المغيرة أعتق أحدهما أن لا يغرز خشبا في جداره فلقيا مجمع بن زيد الأنصاري ورجالا كثيرا فقالوا نشهد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لا يمنع جار جاره فقال الحالف أي أخي قد علمت أنك مقضي لك على وقد حلفت فاجعل اسطوانا دون جداري ففعل الآخر فغرز في الأسطوان خشبه‏)‏‏.‏

رواهما أحمد وابن ماجه‏.‏

أما حديث ابن عباس فأخرجه أيضا ابن ماجه والبيهقي والطبراني وعبد الرزاق قال ابن كثير أما حديث ‏(‏لا ضرر ولا ضرار‏)‏ فرواه ابن ماجه عن عبادة بن الصامت‏.‏ وروى من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري وهو حديث مشهور اه‏.‏ وهو أيضا عند أبو ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث أبي سعيد وعند البيهقي أيضا من حديث عبادة‏.‏ وعند الطبراني في الكبير وأبي نعيم من حديث ثعلبة بن مالك القرظي وما فيه من جعل الطريق سبعة أذرع ثابت في الصحيحين من حديث أبي هريرة كما سيأتي‏.‏ وأما حديث مجمع فأخرجه ابن ماجه والبيهقي وسكت عنه الحافظ في التلخيص‏.‏ وعكرمة بن سلمة بن ربيعة المذكور المجهول‏:‏ قوله ‏(‏لا يمنع‏)‏ بالجزم على النهي‏:‏ قوله ‏(‏خشبه‏)‏ قال القاضي عياض رويناه في مسلم وغيره من الأصول بصيغة الجمع والإفراد ثم قال وقال عبد الغني بن سعيد كل الناس تقول بالجمع إلا الطحاوي فإنه قال عن روح بن الفرج سألت أبا زيد والحرث بن بكير ويونس بن عبد الأعلى عنه فقالوا كلهم خشبة بالتنوين ورواية مجمع تشهد لمن رواه بلفظ الجمع ويؤيدها أيضا ما رواه البيهقي من طريق شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ ‏(‏إذا سأل أحدكم جاره أن يدعم جذوعه على حائطه فلا يمنعه‏)‏ قال القرطبي وإنما اعتنى هؤلاء الأئمة بتحقيق الرواية في هذا الحرف لأن أمر الخشبة الواحدة يخف على الجار الماسحة به بخلاف الأخشاب الكثيرة‏.‏ ـ والأحاديث ـ تدل على أنه لا يحل للجار أن يمنع جاره من غرز الخشب في جداره ويجبره الحاكم إذا امتنع وبه قال أحمد وإسحاق وابن حبيب من المالكية والشافعي في القديم وأهل الحديث‏.‏ وقالت الحنفية والهادوية ومالك والشافعي في أحد قوليه والجمهور أنه يشترط إذن المالك ولا يجبر صاحب الجدار إذا امتنع وحملوا النهي على التنزيه جمعا بينه وبين الأدلة القاضية بأنه‏(‏لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه‏)‏ وتعقب بأن هذا الحديث أخص من تلك الأدلة مطلقا فيبني العام على الخاص قال البيهقي لم نجد في السنن الصحية ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا يستنكرأن يخصها وحمل بعضهم الحديث على ما إذا تقدم استئذان الجار كما وقع في رواية لأبي داود بلفظ ‏(‏إذا استأذن أحدكم أخاه‏)‏ وفي رواية لأحمد ‏(‏من سأله جاره‏)‏ وكذا في رواية لابن حبان فإذا تقدم الاستئذان لم يكن للجار المنع لا إذا لم يتقدم‏:‏ قوله ‏(‏في جداره‏)‏ الظاهر عود الضمير إلى المالك أي في جدار نفسه وقيل الصمير يعود على الجار الذي يريد الغرز أي لا يمنعه من وضع خشبه على جدار نفسه وإن تضرر به من جهة منع الضوء مثلا‏.‏ ووقع لأبي عوانة من طريق زياد بن سعد عن الزهري أنه يضع جذعه على جدار نفسه ولو تضرر به جاره والظاهر الأول ويؤيده قوله في حديث ابن عباس ‏(‏في حائط جاره‏)‏ وكذا قوله في يالحديث الآخر ‏(‏فاجعل اسطوانا دون جداري‏)‏

قيل وهذا الحكم كشروط عند القائلين بأنه يجب ذلك على الجار بحاجة من يريد الغرز إليه وعدم تضرر المالك فإن تضرر لم يقدم حاجة جاره على حاجته ولكنه لا يخفي أن إطلاق الأحاديث قاض بعدم اعتبار عدم تضرر المالك ولكنه يجب على من يريد الغرز أن يتوقى الضرر بما أمكن فإن لم يمكن إلا بضرر وجب على الغارز إصلاحه وذلك كما يقع عند فتح الجدار لغرز الجذوع وأما اعتبار حاجة الغارز إلى الغرز فأمر لا بد منه‏:‏ قوله ‏(‏ما لي أراكم عنها معرضين‏)‏ أي عن هذه المقالة التي جائت بها السنة أو عن هذه الوصية أو الموعظة‏:‏ قوله ‏(‏واللّ لأرمين بها بين أكتافكم‏)‏ بالتاء الفوقية أي لأقر عنكم بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته‏.‏ قال القاضي عياض وابن عبد البر وقد رواه بعض رواة الموطأ أكنافكم بالنون والكنف الجانب ونونه مفتوحة والمعنى لأصرخن بها بين جماعتكم ولا أكتمها أبدا‏.‏ وقال الخطابي معناه أن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلنها أس الخشبة على رقابكم كارهين أراد بذلك المبالغة‏.‏ وفي تعليق القاضي حسين أن أبا هريرة قال ذلك حين كان متوليا بمكة أو المدينة وكأنه قال لما رآهم تةقفوا عن قبول هذا الحكم كما وقع في رواية لأبي داود أنهم نكسوا رؤوسهم لما سمعوا ذلك‏:‏ قوله ‏(‏لا ضرر ولا ضرار‏)‏ هذا فيه دليل على تحريم الضرار على أي صفة كان من غير فرق بين الجار وغيره فلا يجوز في صورة من الصور إلا بدليل يخص به هذا العموم فعليك بمطالبة من جوز المضارة في بعض الصور بالدليل فإن جاء به قبلته وإلا ضربت بهذا الحديث وجهه فإنه قاعدة من قواعد الدين تشهد له كليات وجزئيات‏.‏ وقد ورد الوعيد لمن ضار غيره فأخرج أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه من حديث أبي صرمة بكسر الصاد المهملة مالك بن قيس الأنصاري وهو ممن شهد بدرا وما بعدها من المشاهد قال ابن عبد البر بلا خلاف قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏من ضار أضر اللّه به ومن شاق شاق اللّه عليه‏)‏ واختلفوا في الفرق بين الضر والضرار فقيل أن الضر فعل الواحد والضرار فعل الاثنين فصاعدا‏.‏ وقيل الضرار أن تضره من غير أن تنتفع والضر أن تضره وتنتفع أنت به‏.‏ وقيل الضرار الجزاء على الضر والضر الابتداء وقيل هما بمعنى قوله ‏(‏وللرجل أن يضع خشبه في حائط جاره‏)‏ فيه دليل على جواز وضع الخشبة في جدار الجار وإذا جاز الغرز جاز الوضع بالأولى لأنه أخف منه‏.‏ قوله ‏(‏فاجعلوه سبعة أذرع‏)‏ هذا محمول على الطريق التي هي مجرى عامة للمسلمين بأحمالهم ومواشيهم فإذا تشاجر من له أرض يتصل مع من له فيها حق جعل عرضها سبعة أذرع بالذراع المتعارف في ذلك البلد بخلاف بنيات الطريق فإن الرجل إذا جعل في بعض أرضه طريقا مسبلة للمارين كان تقديرها إلى خيرته والأفضل توسيعها وليس هذه الصورة مراد الحديث لأن المفروض أن هذه لا مدافعة فيها ولا اختلاف وسيأتي تمام الكلام على الطريق في الباب الذي بعد هذا‏.‏ قوله ‏(‏أعتق أحدهما‏)‏ أي حلف بالعتق‏.‏