فصل: باب ذم من حلف قبل أن يستحلف

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار **


 باب الاكتفاء في اليمين بالحلف باللّه وجواز تغليظها باللفظ والمكان والزمان

1 - عن ابن عمر‏:‏ ‏(‏عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ من حلف باللّه فليصدق ومن حلف له باللّه فليرض ومن لم يرض فليس من اللّه‏)‏‏.‏

رواه ابن ماجه‏.‏

2 - وعن ابن عباس‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لرجل حلفه‏:‏ احلف باللّه الذي لا إله إلا هو ما له عندي شيء يعني المدعي‏)‏‏.‏

رواه أبو داود‏.‏

3 - وعن عكرمة‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال له يعني ابن صوريا أذكركم باللّه الذي نجاكم من آل فرعون وأقطعكم البحر وظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى وأنزل التوراة على موسى أتجدون في كتابكم الرجم قال ذكرتني بعظيم ولا يسعني أن أكذبك وساق الحديث‏)‏‏.‏

رواه أبو داود‏.‏

4 - وعن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة على يمين آثمة ولو على سواك رطب إلا أوجب اللّه له النار‏)‏‏.‏

5 - وعن جابر‏:‏ ‏(‏عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ لا يحلف أحد على منبري كاذبًا إلا تبوأ مقعده من النار‏)‏‏.‏

رواهما أحمد وابن ماجه‏.‏

6 - وعن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ ثلاثة لا يكلمهم اللّه ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا بزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل ورجل بايع الإمام لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها وفى له وإن لم يعطه لم يف له ورجل باع سلعة بعد العصر فحلف باللّه لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا الترمذي‏.‏

وفي رواية‏:‏ ‏(‏ثلاثة لا يكلمهم اللّه ولا ينظر إليهم رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطى وهو كاذب ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم ورجل منع فضل ماء فيقول اللّه له اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك‏)‏ رواه أحمد والبخاري‏.‏

حديث ابن عمر قال ابن ماجه في سننه حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة حدثناأسباط بن محمد عن محمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر فذكره ومحمد بن إسماعيل المذكور ثقة وبقية إسناده رجال الصحيح‏.‏

وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا النسائي وفي إسناده عطاء بن السائب وفيه مقال وقد أخرج له البخاري مقرونًا بآخر وحديث عكرمة هو مرسل وقد سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح ويؤيده ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة قال‏:‏ قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يعني لليهود أنشدكم باللّه الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى وفي إسناده مجهول لأن الزهري قال أخبرنا رجل من مزينة ونحن عند سعيد بن المسيب عن أبي هريرة‏.‏ وحديث أبي هريرة الأول المذكور في الباب أخرجه أيضًا الحاكم في المستدرك‏.‏ وحديث جابر أخرجه أيضًا مالك وأبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم كذا في الفتح ورجال إسناده عند ابن ماجه كلهم ثقات‏.‏

وفي الباب عن أبي أمامة بن ثعلبة عند النسائي بإسناد رجاله ثقات رفعه من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين لا يقبل اللّه منه صرفًا ولا عدلًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من حلف باللّه‏)‏ فيه دليل على أنه يكفي مجرد الحلف باللّه تعالى من دون أن ينضم إليه وصف من أوصافه ومن دون تغليظ بزمان أو مكان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال له‏)‏ يعني ابن صوريا بضم الصاد المهملة وسكون الواو وكسر الراء المهملة ممدودًا‏.‏ أصل القصة أن جماعة من اليهود أتوا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو جالس في المسجد فقالوا يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة زنيا فقال ائتوني بأعلم رجل منكم فأتوه بابن صوريا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأنزل عليكم المن والسلوى‏)‏ أكثر المفسرين على أن المن هو الترنجبين وهو شيء أبيض كالثلج والسلوى طير يقال السماني فيه دليل على جواز تغليظ اليمين على أهل الذمة فيقال لليهودي بمثل ما قال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن أراد الاختصار قال قل واللّه الذي أنزل التوراة على موسى وإن كان نصرانيًا قال له قل واللّه الذي أنزل الإنجيل على عيسى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ذكرتني‏)‏ بتشديد الكاف المفتوحة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أن أكذبك‏)‏ بفتح الهمزة وكسر الذال المعجمة يعني فيما ذكرته لي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عبد ولا أمة‏)‏ أي ذكر ولا أنثى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولو على سواك رطب‏)‏ إنما خص الرطب لأنه كثير الوجود لا يباع بالثمن وهو لا يكون كذلك إلا في مواطن نباته بخلاف اليابس فإنه قد يحمل من بلد إلى بلد فيباع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثلاثة لا يكلمهم اللّه‏)‏ الخ فيه دليل على أن حالهم يوم القيامة حال المغضوب عليهم لأن هذه الأمور لا تكون إلا عند الغضب فهي كناية عن حلول العذاب بهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رجل على فضل ماء بالفلاة‏)‏ قد تقدم الكلام على منع فضل الماء وحكم مانعه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بعد العصر‏)‏ خصه لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لقد أعطي بها‏)‏ الخ قال في الفتح‏:‏ وقع مضبوطًا بضم الهمزة وفتح الطاء على البناء للمجهول وفي بعضها بفتح الهمزة والطاء على البناء للفاعل والضمير للحالف وهي أرجح ومعنى لأخذها بكذا أي لقد أخذها وقد استدل بأحاديث الباب على جواز التغليظ على الحالف بمكان معين كالحرم والمسجد ومنبره صلى اللّه عليه وآله وسلم وبالزمان كبعد العصر ويوم الجمعة ونحو ذلك وقد ذهب إلى هذا الجمهور كما حكاه صاحب الفتح‏.‏ وذهبت الحنفية إلى عدم جواز التغليظ بذلك‏.‏ وعليه دلت ترجمة البخاري فإنه قال في الصحيح ـ باب يحلف المدعي عليه حيثما وجبت عليه اليمين ـ وذهبت العترة إلى مثل ما ذهبت إليه الحنفية كما حكى ذلك عنهم صاحب البحر‏.‏ وذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك موضع اجتهاد للحاكم‏.‏

وقد ورد عن جماعة من الصحابة طلب التغليظ على خصومهم في الأيمان بالحلف بين الركن والمقام وعلى منبره صلى اللّه عليه وآله وسلم‏.‏ وورد عن بعضهم الامتناع من الإجابة إلى ذلك‏.‏ وروي عن بعض الصحابة التحليف على المصحف‏.‏

والحاصل أنه لم يكن في أحاديث الباب ما يدل على مطلوب القائل بجواز التغليظ لأن الأحاديث الواردة في تعظيم ذنب الحالف على منبره صلى اللّه عليه وآله وسلم‏.‏ وكذلك الأحاديث الواردة في تعظيم ذنب الحالف بعد العصر لا تدل على أنها تجب إجابة الطالب للحلف في ذلك المكان أو ذلك الزمان‏.‏

وقد علمنا صلى اللّه عليه وآله وسلم كيف اليمين فقال للرجل الذي حلفه ‏(‏احلف باللّه الذي لا إله إلا هو‏)‏ كما في حديث ابن عباس‏.‏

وقال في حديث ابن عمر المذكور في الباب ‏(‏ومن حلف له باللّه فليرض ومن لم يرض فليس من اللّه‏)‏ وهذا أمر منه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالرضا لمن حلف له باللّه ووعيد لمن لم يرض بأنه ليس من اللّه ففيه أعظم دلالة على عدم وجوب الإجابة إلى التغليظ بما ذكر وعدم جواز طلب ذلك ممن لا يساعد عليه‏.‏

وقد كان الغالب من تحليفه صلى اللّه عليه وآله وسلم لغيره وحلفه هو الاقتصار على اسم اللّه مجردًا عن الوصف كما في قوله ‏(‏واللّه لا أحلف على شيء فأرى غيره خيرًا منه إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني‏)‏ وكما في تحليفه صلى اللّه عليه وآله وسلم لركانة فإنه اقتصر على اسم اللّه‏.‏ وتارة كان يحلف صلى اللّه عليه وآله وسلم فيقول‏:‏ ‏(‏لا والذي نفسي بيده‏.‏ لا ومقلب القلوب‏)‏ وقال تعالى ‏{‏فيقسمان باللّه‏}‏ ومن جملة ما استدل به البخاري على عدم وجوب التغليظ حديث‏:‏ ‏(‏شاهداك أو يمينه‏)‏ ووجه ذلك أن الذي أوجبه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم هو مطلق اليمين وهي تصدق على من حلف في أي زمان وأي مكان فمن بذل لخصمه أن يحلف له حنث هو ولم يجبه إلى مكان مخصوص ولا إلى زمان مخصوص فقد بذل ما أوجبه عليه الشارع ولا يلزمه الزيادة على ذلك لأن الذي تعبد به هو اليمين على أي صفة كانت ولم يتعبد بأشد الأيمان جرمًا وأعظمها ذنبًا‏.‏ على أنه قد ورد في اليمين التي يقتطع بها حق امرئ مسلم من الوعيد ما ليس عليه من مزيد كما في الباب الذي قبل هذا أنها من الكبائر ومن موجبات النار وليس في الحلف على منبره صلى اللّه عليه وآله وسلم وبعد العصر زيادة على هذا فالحق عدم وجوب إجابة الحالف لمن أراد تحليفه في زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو بألفاظ مخصوصة‏.‏

وقد روى ابن رسلان أنهم لم يختلفوا في جواز التغليظ على الذمي فإن صح الإجماع فذاك عند من يقول بحجيته وإن لم يصح فغاية ما يجوز التغليظ به هو ما ورد في حديث الباب وما يشابهه من التغليظ باللفظ وأما التغليظ بزمان معين أو مكان معين على أهل الذمة مثل أن يطلب منه أن يحلف في الكنائس أو نحوها فلا دليل على ذلك‏.‏

 باب ذم من حلف قبل أن يستحلف

1 - عن ابن عمر قال‏:‏ ‏(‏خطبنا عمر بالجابية فقال يا أيها الناس إني قمت فيكم كقيام رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فينا أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد الشاهد ولا يستشهد ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد‏.‏ من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة‏.‏ من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن‏)‏‏.‏

رواه أحمد والترمذي‏.‏

قال الترمذي بعد إخراج هذا الحديث هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه‏.‏ وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم انتهى‏.‏ وأخرجه أيضًا ابن حبان وصححه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أوصيكم بأصحابي‏)‏ قد وقع الاختلاف فيمن يستحق إطلاق اسم الصحابي عليه وهو مبسوط في مواطنه من علم الاصطلاح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الجابية‏)‏ بالجيم قال في القاموس‏:‏ هو حوض ضخم والجماعة وقرية بدمشق وباب الجابية من أبوابها انتهى‏.‏ والمراد هنا القرية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثم يفشو الكذب‏)‏ رتب صلى اللّه عليه وآله وسلم فشو الكذب على انقراض الثالث‏.‏ فالقرن الذي بعده ثم من بعده إلى القيامة قد فشا فيهم الكذب بهذا النص‏.‏ فعلى المتيقظ من حاكم أو عالم أن يبالغ في تعرف أحوال الشهادة والمخبرين وأن لا يجعل الأصل في ذلك الصدق لأن كل شهادة وكل خبر قد دخله الاحتمال ومع دخول الاحتمال يمتنع القبول إلا بعد معرفة صدق المخبر والشاهد بأي دليل‏.‏ وأقل الأحوال أنه ليس ممن يتجارأ على الكذب ويجازف في أقواله‏.‏ ومن هذه الحيثية لم يقبل المجهول عند علماء المنقول لأن العدالة ملكة والملكات مسبوقة بالعدم فمن لا تعرف عدالته لا تقبل روايته لأن الفسق مانع فلا بد من تحقق عدمه‏.‏ وكذلك الكذب مانع فلا بد من تحقق عدمه كما تقرر في الأصول‏.‏

وفي الحديث التوصية بخير القرون وهم الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم‏.‏

وقد وعدنا أن نذكر ههنا طرفًا من الكلام على ما ورد من معارضة الأحاديث القاضية بأفضلية الصحابة فنقول قد تقدم في باب من أعلم صاحب الحق بشهادة له عنده وذم من أدى شهادة من غير مسألة حديث عمران ابن حصين وحديث أبي هريرة أن خير القرون قرنه صلى اللّه عليه وآله وسلم وفي ذلك دليل على أنهم الخيار من هذه الأمة وأنه لا أكثر خيرًا منهم وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك باعتبار كل فرد فرد وقال ابن عبد البر‏:‏ إن التفضيل إنما هو بالنسبة إلى مجموع الصحابة فإنهم أفضل ممن بعدهم لا كل فرد منهم‏.‏

وقد أخرج الترمذي بإسناد قوي من حديث أنس مرفوعًا‏:‏ ‏(‏مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره‏)‏ وأخرجه أبو يعلى في مسنده بإسناد ضعيف وصححه ابن حبان من حديث عمار وأخرج ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير بإسناد حسن قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم‏:‏ ليدركن المسيح أقوامًا إنهم لمثلكم أو خير ثلاثًا ولن يخزي اللّه أمة أنا أولها والمسيح آخرها ولكنه مرسل لأن عبد الرحمن تابعي وأخرج الطيالسي بإسناد ضعيف عن عمر رفعه أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولا يروني‏.‏

وأخرج أحمد والدارمي والطبراني بإسناد حسن من حديث أبي جمعة قال‏:‏ قال أبو عبيدة‏:‏ يا رسول اللّه أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك قال‏:‏ قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني وقد صححه الحاكم وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة رفعه بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء‏.‏

وأخرج أبو داود والترمذي من حديث ثعلبة رفعه تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين قيل منهم أو منا يا رسول اللّه قال‏:‏ بل منكم وجمع الجمهور بأن الصحبة لها فضيلة ومزية لا يوازيها شيء من الأعمال فلمن صحب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فضيلة الصحبة وإن قصر في الأعمال وفضيلة من بعد الصحابة باعتبار كثرة الأعمال المستلزمة لكثرة الأجور فحاصل هذا الجمع أن التنصيص على فضيلة الصحابة باعتبار فضيلة الصحبة وأما باعتبار أعمال الخير فهم كغيرهم قد يوجد فيمن بعدهم من هو أكثر أعمالًا منهم أو من بعضهم فيكون أجره باعتبار ذلك أكثر فكان أفضل من هذه الحيثية وقد يوجد فيمن بعدهم ممن هو أقل عملًا منهم أو من بعضهم فيكون مفضولًا من هذه الحيثية ويشكل على هذا الجمع ما ثبت في الأحاديث الصحيحة في الصحابة بلفظ‏:‏ ‏(‏لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه‏)‏ فإن هذا التفضيل باعتبار خصوص أجور الأعمال لا باعتبار فضيلة الصحبة ويشكل عليه أيضًا حديث ثعلبة المذكور فإنه قال للعامل فيهن أجر خمسين رجلًا ثم بين أن الخمسين من الصحابة وهذا صريح في أن التفضيل باعتبار الأعمال فاقتضى الأول أفضلية الصحابة في الأعمال إلى حد يفضل نصف مدهم مثل أحد ذهبًا واقتضى الثاني تفضيل من بعدهم إلى حد يكون أجر العامل أجر خمسين رجلًا من الصحابة وفي بعض ألفاظ حديث ثعلبة فإن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن كالقبض على الجمر أجر العامل فيهن أجر خمسين رجلًا فقال بعض الصحابة منا يا رسول اللّه أو منهم فقال بل منكم فتقرر بما ذكرناه عدم صحة ما جمع به الجمهور وقال النووي في حديث ‏(‏أمتي كالمطر‏)‏ أنه يشتبه على الذين يرون عيسى ويدركون زمانه وما فيه من الخير أي الزمانين أفضل قال وهذا الاشتباه مندفع بصريح قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم خير القرون قرني ولا يخفى ما في هذا من التعسف الظاهر والذي أوقعه فيه عدم ذكر فاعل يدرى فحمله على هذا وغفل عن التشبيه بالمطر المفيد لوقوع التردد في الخيرية من كل أحد والذي يستفاد من مجموع الأحاديث أن للصحابة مزية لا يشاركهم فيها من بعدهم وهي صحبته صلى اللّه عليه وآله وسلم ومشاهدته والجهاد بين يديه وإنفاذ أوامره ونواهيه ولمن بعدهم مزية لا يشاركهم الصحابة فيها وهي إيمانهم بالغيب في زمان لا يرون فيه الذات الشريفة التي جمعت من المحاسن ما يقود بزمام كل مشاهد إلى الإيمان إلا من حقت عليه الشقاوة وأما باعتبار الأعمال فأعمال الصحابة فاضلة مطلقًا من غير تقييد بحالة مخصوصة كما يدل عليه لو أنفق أحدكم مثل أحد الحديث‏.‏ إلا أن هذه المزية هي للسابقين منهم فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم خاطب بهذه المقالة جماعة من الصحابة الذين تأخر إسلامهم كما يشعر بذلك السبب وفيه قصة مذكورة في كتب الحديث فالذين قال لهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا هم جماعة من الصحابة الذين تأخرت صحبتهم فكان بين منزلة أول الصحابة وآخرهم أن إنفاق مثل أحد ذهبًا من متأخريهم لا يبلغ مثل إنفاق نصف مد من متقدميهم وأما أعمال من بعد الصحابة فلم يرد ما يدل على كونها أفضل على الإطلاق إنما ورد ذلك مقيدًا بأيام الفتنة وغربة الدين حتى كان أجر الواحد يعدل أجر خمسين رجلًا من الصحابة فيكون هذا مخصصًا لعموم ما ورد في أعمال الصحابة فأعمال الصحابة فاضلة وأعمال من بعدهم مفضولة إلا في مثل تلك الحالة ومثل حالة من أدرك المسيح إن صح ذلك المرسل وبانضمام أفضلية الأعمال إلى مزية الصحبة يكونون خير القرون ويكون قوله لا يدرى خير أوله أم آخره باعتبار أن في المتأخرين من يكون بتلك المثابة من كون أجر خمسين هذا باعتبار أجور الأعمال وأما باعتبار غيرها فلكل طائفة مزية كما تقدم ذكره لكن مزية الصحابة فاضلة مطلقًا باعتبار مجموع القرن لحديث خير القرون قرني فإذا اعتبرت كل قرن قرن ووازنت بين مجموع القرن الأول مثلًا ثم الثاني ثم كذلك إلى انقراض العالم فالصحابة خير القرون ولا ينافي هذا تفضيل الواحد من أهل قرن أو الجماعة على الواحد أو الجماعة من أهل قرن آخر فإن قلت ظاهر الحديث المتقدم أن أبي عبيدة قال يا رسول اللّه أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك فقال قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولا يروني يقتضي تفضيل مجموع قرن هؤلاء على مجموع قرن الصحابة قلت ليس في هذا الحديث ما يفيد تفضيل المجموع على المجموع وإن سلم ذلك وجب المصير إلى الترجيح لتعذر الجمع ولا شك أن حديث خير القرون قرني أرجح من هذا الحديث بمسافات لو لم يكن إلا كونه في الصحيحين وكونه ثابتًا من طرق وكونه متلقى بالقبول فظهر بهذا وجه الفرق بين المزيتين من غير نظر إلى الأعمال كما ظهر وجه الجمع باعتبار الأعمال على ما تقدم تقريره فلم يبق ههنا إشكال واللّه أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان‏)‏ سبب ذلك أن الرجل يرغب إلى المرأة لما جبل عليه من الميل إليها لما ركب فيه من شهوة النكاح وكذلك المرأة ترغب إلى الرجل لذلك فمع ذلك يجد الشيطان السبيل إلى إثارة شهوة كل واحد منهما إلى الآخر فتقع المعصية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بحبوحة الجنة‏)‏ قال في النهاية‏:‏ بحبوحة الدار وسطها يقال بحبح إذا تمكن وتوسط المنزل والمقام والبحبوحة بمهملتين وموحدتين والمراد أن لزوم الجماعة سبب الكون في بحبوحة الجنة لأن يد اللّه مع الجماعة ومن شذ شذ إلى النار كما ثبت في الحديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من سره حسنته‏)‏ الخ فيه دليل على أن السرور لأجل الحسنة والحزن لأجل السيئة من خصال الإيمان لأن من ليس من أهل الإيمان لا يبالي أحسن أم أساء وأما من كان صحيح الإيمان خالص الدين فإنه لا يزال من سيئته في غم لعلمه بأنه مأخوذ بها محاسب عليها ولا يزال من حسنته في سرور لأنه يعلم أنها مدخرة له في صحائفه فلا يزال حريصًا على ذلك حتى يوفقه اللّه عز وجل لحسن الخاتمة‏.‏

وإلى هنا انتهى الشرح الموسوم بنيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار بعناية مؤلفه ـ محمد بن علي بن محمد الشوكاني ـ غفر اللّه له ذنوبه وستر عيوبه وتقبل أعماله وأصلح أقواله وأفعاله وختم له بخير ودفع عنه كل بؤس وضير‏.‏ وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وسلم‏.‏

نهاية الكتاب‏.‏

انتهى الكتاب بعون الله تعالى‏.‏