فصل: باب ما جاء في الجلالة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار **


 باب تحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير

1 - عن أبي ثعلبة الخشني‏:‏ ‏(‏أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ كل ذي ناب من السباع فأكله حرام‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود‏.‏

2 - وعن ابن عباس قال‏:‏ ‏(‏نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي‏.‏

3 - وعن جابر قال‏:‏ ‏(‏حرم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يعني يوم خيبر لحوم الحمر الأنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير‏)‏‏.‏

رواه أحمد والترمذي‏.‏

4 - وعن عرباض بن سارية‏:‏ ‏(‏أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم حرم يوم خيبر كل ذي مخلب من الطير ولحوم الحمر الأهلية والخلسة والمجثمة‏)‏‏.‏

رواه أحمد والترمذي وقال نهى بدل لفظ التحريم وزاد في رواية قال أبو عاصم‏:‏ المجثمة أن ينصب الطير فيرمى‏.‏ والخلسة الذئب أو السبع يدركه الرجل فيأخذ منه يعني الفريسة فتموت في يده قبل أن يذكيها‏.‏

حديث جابر أصله في الصحيحين كما سلف وهو بهذا اللفظ بسند لا بأس به كما قاله الحافظ في الفتح وكذلك حديث العرباض بن سارية لا بأس بإسناده‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كل ذي ناب‏)‏ الناب السن الذي خلف الرباعية جمعه أنياب قال ابن سينا لا يجتمع في حيوان واحد ناب وقرن معًا وذو الناب من السباع كالأسد والذئب والنمر والفيل والقرد وكل ما له ناب يتقوى به ويصطاد قال في النهاية‏:‏ وهو ما يفترس الحيوان ويأكل قسرًا كالأسد والنمر والذئب ونحوها وقال في القاموس‏:‏ والسبع بضم الباء وفتحها المفترس من الحيوان اهـ‏.‏ ووقع الخلاف في جنس السباع المحرمة فقال أبو حنيفة‏:‏ كل ما أكل اللحم فهو سبع حتى الفيل والضبع واليربوع والسنور وقال الشافعي‏:‏ يحرم من السباع ما يعدو على الناس كالأسد والنمر والذئب وأما الضبع والثعلب فيحلان عنده لأنهما لا يعدوان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكل ذي مخلب‏)‏ المخلب بكسر الميم وفتح اللام قال أهل اللغة‏:‏ المخلب للطير والسباع بمنزلة الظفر للإنسان‏.‏

وفي الحديث دليل على تحريم ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير وإلى ذلك ذهب الجمهور‏.‏ وحكى ابن عبد الحكم وابن وهب عن مالك مثل قول الجمهور وقال ابن العربي‏:‏ المشهور عنه الكراهة قال ابن رسلان‏:‏ ومشهور مذهبه على إباحة ذلك وكذا قال القرطبي وقال ابن عبد البر‏:‏ اختلف فيه عن ابن عباس وعائشة وجاء عن ابن عمر من وجه ضعيف وهو قول الشعبي وسعيد بن جبير يعني عدم التحريم واحتجوا بقوله تعالى ‏{‏قل لا أجد فيما أوحي إلي‏}‏ الآية وأجيب بأنها مكية وحديث التحريم بعد الهجرة وأيضًا هي عامة والأحاديث خاصة وقد تقدم الجواب عن الاحتجاج بالآية مفصلًا وعن بعضهم إن آية الأنعام خاصة ببهيمة الأنعام لأنه تقدم قبلها حكاية عن الجاهلية أنهم كانوا يحرمون أشياء من الأزواج الثمانية بآرائهم فنزلت الآية ‏{‏قل لا أجد‏}‏ أي من المذكورات ويجاب عن هذا أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولحوم البغال‏)‏ فيه دليل على تحريمه وبه قال الأكثر وخالف في ذلك الحسن البصري كما حكاه عنه في البحر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والخلسة‏)‏ بضم الخاء وسكون اللام بعدها سين مهملة وهي ما وقع التفسير به في المتن‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والمجثمة‏)‏ قد تقدم ضبطها وتفسيرها‏.‏

 باب ما جاء في الهر والقنفذ

1 - عن جابر‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى عن أكل الهر وأكل ثمنها‏)‏‏.‏

رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي‏.‏

2 - وعن عيسى بن نميلة الفزاري عن أبيه قال‏:‏ ‏(‏كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ فتلا هذه الآية ‏{‏قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا‏}‏ الآية فقال شيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول ذكر عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال‏:‏ خبيثة من الخبائث فقال ابن عمر‏:‏ إن كان قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فهو كما قال‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود‏.‏

حديث جابر في إسناده عمر بن زيد الصنعاني قال المنذري وابن حبان‏:‏ لا يحتج به‏.‏ وقال ابن رسلان في شرح السنن‏:‏ لم يرو عنه غير عبد الرزاق‏.‏ وقد أخرج النهي عن أكل ثمن الكلب والسنور مسلم في صحيحه‏.‏

وحديث عيسى بن نميلة قال الخطابي‏:‏ ليس إسناده بذاك وقال البيهقي‏:‏ إسناده غير قوي ورواه شيخ مجهول وقال في بلوغ المرام‏:‏ إسناده ضعيف‏.‏

وقد استدل بالحديث الأول على تحريم أكل الهر وظاهره عدم الفرق بين الوحشي والأهلي ويؤيد التحريم أنه من ذوات الأنياب وللشافعية وجه في حل الهر الوحشي كحمار الوحش إذا كان وحشي الأصل لا إن كان أهليًا ثم توحش‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عيسى بن نميلة‏)‏ بضم النون وتخفيف الميم مصغر نملة ذكره ابن حبان في الثقات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏القنفذ‏)‏ هو واحد القنافذ والأنثى الواحدة قنفذة وهو بضم القاف وسكون النون وضم الفاء وبالذال المعجمة وقد تفتح الفاء وهو نوعان قنفذ يكون بأرض مصر قدر الفأر الكبير وآخر يكون بأرض الشام في قدر الكلب وهو مولع بأكل الأفاعي ولا يتألم بها كذا قال ابن رسلان في شرح السنن‏.‏

وقد استدل بالحديث على تحريم القنفذ لأن الخبائث محرمة بنص القرآن وهو مخصص لعموم الآية الكريمة كما سلف في مثل ذلك‏.‏

وقد حكى التحريم في البحر عن أبي طالب والإمام يحيى قال ابن رسلان راويًا عن القفال أنه قال‏:‏ إن صح الخبر فهو حرام وإلا رجعنا إلى العرب والمنقول عنهم أنهم يستطيبونه وقال مالك وأبو حنيفة القنفذ مكروه ورخص فيه الشافعي والليث وأبو ثور اهـ‏.‏

وحكى الكراهة في البحر أيضًا عن المؤيد باللّه والراجح أن الأصل الحل حتى يقوم دليل ناهض ينقل عنه أو يتقرر أنه مستخبث في غالب الطباع ويؤيد القول بالحل ما أخرجه أبو داود عن ملقام بن تلب عن أبيه قال صحبت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فلم أسمع لحشرات الأرض تحريمًا وهذا يؤيد الأصل وإن كان عدم السماع لا يستلزم عدم ورود دليل ولكن قال البيهقي إن إسناده غير قوي وقال النسائي ينبغي أن يكون ملقام بن التلب ليس بالمشهور قال ابن رسلان‏:‏ إن حشرات الأرض كالضب والقنفذ واليربوع وما أشبهها وأطال في ذلك‏.‏

 باب ما جاء في الضب

1 - عن ابن عباس عن خالد بن الوليد أنه أخبره أنه‏:‏ ‏(‏دخل مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على ميمونة وهي خالته وخالة ابن عباس فوجد عندها ضبًا محنوذًا قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد فقدمت الضب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فأهوى بيده إلى الضب فقالت امرأة من النسوة الحضور أخبرن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بما قدمتن له قلن هو الضب يا رسول اللّه فرفع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يده فقال خالد بن الوليد‏:‏ أحرام الضب يا رسول اللّه قال‏:‏ لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه قال خالد‏:‏ فاجتررته فأكلته ورسول اللّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم ينظر فلم ينهني‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا الترمذي‏.‏

2 - وعن ابن عمر‏:‏ ‏(‏أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم سئل عن الضب فقال‏:‏ لا آكله ولا أحرمه‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏

وفي رواية عنه‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان معه ناس فيهم سعد فأتوا بلحم ضب فنادت امرأة من نسائه إنه لحم ضب فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم‏:‏ كلوا فإنه حلال ولكنه ليس من طعامي‏)‏ رواه أحمد ومسلم‏.‏

3 - وعن جابر‏:‏ ‏(‏أن عمر بن الخطاب قال في الضب إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يحرمه وأن عمر قال إن اللّه لينفع به غير واحد وإنما طعام عامة الرعاة منه ولو كان عندي طعمته‏)‏‏.‏

رواه مسلم وابن ماجه‏.‏

4 - وعن جابر قال‏:‏ ‏(‏أتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بضب فأبى أن يأكل منه وقال لا أدري لعله من القرون التي مسخت‏)‏‏.‏

5 - وعن أبي سعيد‏:‏ ‏(‏أن أعرابيًا أتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وقال إني في غائط مضبة وإنه عامة طعام أهلي قال فلم يجبه فقلنا عاوده فعاوده فلم يجبه ثلاثًا ثم ناداه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في الثالثة فقال‏:‏ يا أعرابي إن اللّه لعن أو غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض ولا أدري لعل هذا منها فلم آكلها ولا أنهى عنها‏)‏‏.‏ رواهما أحمد ومسلم‏.‏

وقد صح عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن الممسوخ لا نسل له والظاهر أنه لم يعلم ذلك إلا بوحي وإن تردده في الضب كان قبل الوحي بذلك‏.‏ والحديث يرويه ابن مسعود أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ذكرت عنده القردة قال مسعر‏:‏ وأراه قال والخنازير مما مسخ فقال‏:‏ إن اللّه لم يجعل لمسخ نسلًا ولا عقبًا وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك‏.‏

وفي رواية‏:‏ ‏(‏أن رجلًا قال يا رسول اللّه القردة والخنازير هي مما مسخ اللّه فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم‏:‏ إن اللّه لم يهلك أو يعذب قومًا فيجعل لهم نسلًا‏)‏ روى ذلك أحمد ومسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فوجد عندها ضبًا‏)‏ هو دويبة تشبه الحرذون ولكنه أكبر منه قليلًا ويقال للأنثى ضبة‏.‏

قال ابن خالويه‏:‏ إنه يعيش سبعمائة سنة وإنه لا يشرب الماء ويبول في كل أربعين يومًا قطرة ولا يسقط له سن ويقال بل أسنانه قطعة واحدة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏محنوذًا‏)‏ بحاء مهملة ونون مضمومة وآخره ذال معجمة أي مشويًا بالحجارة المحماة ووقع في رواية بضب مشوي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أختها حفيدة‏)‏ بمهملة مضمومة بعدها فاء مصغرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لم يكن بأرض قومي‏)‏ قال ابن العربي‏:‏ اعترض بعض الناس على هذه اللفظة وقال إن الضباب موجودة بأرض الحجاز فإن كان أراد تكذيب الخبر فقد كذب هو فإنه ليس بأرض الحجاز منها شيء وربما أنها حدثت بعد عصر النبوة وكذا أنكر ذلك ابن عبد البر ومن تبعه قال الحافظ ولا يحتاج إلى شيء من هذا بل المراد بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم بأرض قومي قريش فقط فيختص النفي بمكة وما حولها ولا يمنع ذلك أن تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأجدني أعافه‏)‏ أي أكره أكله يقال عفت الشيء أعافه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فاجتررته‏)‏ بجيم وراءين مهملتين هذا هو المعروف في كتب الحديث وضبطه بعض شراح المهذب بزاي قبل الراء وقد غلطه النووي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا آكله ولا أحرمه‏)‏ فيه جواز أكل الضب قال النووي‏:‏ وأجمع المسلمون على أن الضب حلال ليس بمكروه إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا هو حرام وما أظنه يصح عن أحد فإن صح عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله اهـ‏.‏

قال الحافظ‏:‏ قد نقله ابن المنذر عن علي رضي اللّه عنه فأين يكون الإجماع مع مخالفته ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم‏.‏

وقال الطحاوي في معاني الآثار‏:‏ كره قوم أكل الضب منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وقد جاء عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه نهى عن أكل لحم الضب أخرجه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن شبل قال الحافظ في الفتح‏:‏ وإسناده حسن فإنه من رواية إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل‏.‏ وحديث ابن عياش عن الشاميين قوي وهؤلاء شاميون ثقات ولا يغتر بقول الخطابي ليس إسناده بذاك وقول ابن حزم فيه ضعفاء ومجهولون وقول البيهقي تفرد به إسماعيل بن عياش وليس بحجة وقول ابن الجوزي لا يصح ففي كل ذلك تساهل لا يخفى فإن رواية إسماعيل عن الشاميين قوية عند البخاري وقد صحح الترمذي بعضها‏.‏

وأخرج أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان والطحاوي وسنده على شرط الشيخين من حديث عبد الرحمن بن حسنة نزلنا أرضًا كثيرة الضباب الحديث وفيه أنهم طبخوا منها فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب فأخشى أن تكون هذه فاكفؤها‏.‏ ومثله حديث أبي سعيد المذكور في الباب‏.‏

قال في الفتح‏:‏ والأحاديث وإن دلت على الحل تصريحًا وتلويحًا نصًا وتقريرًا فالجمع بينها وبين الحديث المذكور حمل النهي فيه على أول الحال عند تجويز أن يكون مما مسخ‏.‏ وحينئذ أمر بإكفاء القدور ثم توقف فلم يأمر به ولم ينه عنه‏.‏ وحمل الإذن فيه على ثاني الحال لما علم أن الممسوخ لا نسل له وبعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرمه وأكل على مائدته بإذنه فدل على الإباحة‏.‏ وتكون الكراهة للتنزيه في حق من يتقذره وتحمل أحاديث الإباحة على من لا يتقذره‏.‏

وقد استدل على الكراهة بما أخرجه الطحاوي عن عائشة أنه أهدي للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ضب فلم يأكله فقام عليهم سائل فأرادت عائشة أن تعطيه فقال لها أتعطينه ما لا تأكلين‏.‏

قال محمد بن الحسن‏:‏ دل ذلك على كراهته لنفسه ولغيره‏.‏ وتعقبه الطحاوي باحتمال أن يكون ذلك من جنس ما قال اللّه تعالى ‏{‏ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه‏}‏ ثم ساق الأحاديث الدالة على كراهة التصدق بخشف التمر وكحديث البراء كانوا يحبون الصدقة بأردأ تمرهم فنزلت ‏{‏أنفقوا من طيبات ما كسبتم‏}‏ قال فلهذا المعنى كره لعائشة أن تتصدق بالضب لا لكونه حرامًا‏.‏ وهذا يدل على أن الطحاوي فهم عن محمد أن الكراهة فيه للتحريم‏.‏ والمعروف عن أكثر الحنفية فيه كراهة التنزيه‏.‏ وجنح بعضهم إلى التحريم‏.‏

وقال اختلفت الأحاديث وتعذرت معرفة المتقدم فرجحنا جانب التحريم ودعوى التعذر ممنوعة بما تقدم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في غائط مضبة‏)‏ قال النووي‏:‏ فيه لغتان مشهورتان إحداهما فتح الميم والضاد والثانية ضم الميم وكسر الضاد والأول أشهر وأفصح‏.‏ والمراد ذات ضباب كثيرة والغائط الأرض المطمئنة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يدبون‏)‏ بكسر الدال‏.‏

قوله ‏(‏ولا أدري لعل هذا منها‏)‏ قال القرطبي‏:‏ إنما كان ذلك ظنًا منه من قبل أن يوحى إليه أن اللّه لم يجعل لمسخ نسلًا فلما أوحى إليه بذلك زال التظنن وعلم أن الضب ليس مما مسخ كما في الحديث المذكور في الباب‏.‏ ومن العجيب أن ابن العربي قال‏:‏ إن قولهم الممسوخ لا نسل له دعوى فإنه أمر لا يعرف بالفعل وإنما طريقه النقل وليس فيه أمر يعول إليه وكأنه لم يستحضره من صحيح مسلم ثم قال وعلى تقدير كون الضب ممسوخًا فذلك لا يقتضي تحريم أكله لأن كونه آدميًا قد زال حكمه ولم يبق له أثر أصلًا وإنما كره النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الأكل منه لما وقع عليه من سخط اللّه كما كره الشرب من مياه ثمود اهـ‏.‏ ولا منافاة بين كونه صلى اللّه عليه وآله وسلم عاف الضب وبين ما ثبت أنه كان لا يعيب الطعام لأن عدم العيب إنما هو فيما صنعه الآدمي لئلا ينكسر خاطره وينسب إلى التقصير فيه وأما الذي خلق ذلك فليس نفور الطبع منه ممتنعًا‏.‏

 باب ما جاء في الضبع والأرنب

1 - عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أبي عمارة قال‏:‏ ‏(‏قلت لجابر الضبع أصيد هي قال نعم قلت آكلها قال نعم قلت آكلها قال نعم قلت أقاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال نعم‏)‏‏.‏ رواه الخمسة وصححه الترمذي‏.‏

ولفظ أبي داود عن جابر‏:‏ ‏(‏سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الضبع فقال هي صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم‏)‏‏.‏

2 - وعن أنس قال‏:‏ ‏(‏أنفجنا أرنبًا بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا وأدركتها فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بوركها وفخذها فقبله‏)‏‏.‏

رواه الجماعة‏.‏

ولفظ أبي داود‏:‏ ‏(‏صدت أرنبًا فشويتها فبعث معي أبو طلحة بعجزها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فأتيته بها‏)‏‏.‏

3 - وعن أبي هريرة قال‏:‏ ‏(‏جاء أعرابي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بأرنب قد شواها ومعها صنابها وأدمها فوضعها بين يديه فأمسك رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فلم يأكل وأمر أصحابه أن يأكلوا‏)‏‏.‏

رواه أحمد والنسائي‏.‏

4 - وعن محمد بن صفوان‏:‏ ‏(‏أنه صاد أرنبين فذبحهما بمروتين فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فأمره بأكلهما‏)‏‏.‏

رواه أحمد والنسائي وابن ماجه‏.‏

حديث عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أبي عمارة أخرجه أيضًا الشافعي والبيهقي وصححه أيضًا البخاري وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي وأعله ابن عبد البر بعبد الرحمن المذكور وهو وهم فإنه وثقه أبو زرعة والنسائي ولم يتكلم فيه أحد ثم إنه لم ينفرد به‏.‏

وحديث أبي هريرة قال في الفتح‏:‏ رجاله ثقات إلا أنه اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيرًا‏.‏

وحديث محمد بن صفوان أخرجه أيضًا بقية أصحاب السنن وابن حبان والحاكم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الضبع‏)‏ هو الواحد الذكر والأنثى ضبعان ولا يقال ضبعة‏.‏ ومن عجيب أمره أنه يكون سنة ذكرًا وسنة أنثى فيلقح في حال الذكورة ويلد في حال الأنوثة وهو مولع بنبش القبور لشهوته للحوم بني آدم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال نعم‏)‏ فيه دليل على جواز أكل الضبع‏.‏ وإليه ذهب الشافعي وأحمد قال الشافعي ما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير ولأن العرب تستطيبه وتمدحه‏.‏ وذهب الجمهور إلى التحريم واستدلوا بما تقدم في تحريم كل ذي ناب من السباع‏.‏ ويجاب بأن حديث الباب خاص فيقدم على حديث كل ذي ناب واستدلوا أيضًا بما أخرجه الترمذي من حديث خزيمة بن جزء قال سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الضبع فقال أو يأكل الضبع أحد‏.‏ وفي رواية ومن يأكل الضبع فيجاب بأن هذا الحديث ضعيف لأن في إسناده عبد الكريم بن أمية وهو متفق على ضعفه والراوي عنه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف قال ابن رسلان‏:‏ وقد قيل إن الضبع ليس لها ناب وسمعت من يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد كصفيحة نعل الفرس فعلى هذا لا يدخل في عموم النهي اهـ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ويجعل فيه كبش‏)‏ فيه دليل على أن الكبش مثل الضبع‏.‏ وفيه أن المعتبر في المثلية بالتقريب في الصورة لا بالقيمة ففي الضبع الكبش سواء كان مثله في القيمة أو أقل أو أكثر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أنفجنا أرنبًا‏)‏ بنون ثم فاء مفتوحة وجيم ساكنة أي أثرنا‏.‏ يقال نفج الأرنب إذا ثار وأنفجته أي أثرته من موضعه ويقال الانتفاج الاقشعرار وارتفاع الشعر وانتفاشه‏.‏ والأرنب دويبة معروفة تشبه العناق ولكن في رجليها طول بخلاف يديها والأرنب اسم جنس للذكر والأنثى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بمر الظهران‏)‏ اسم موضع على مرحلة من مكة والراء من قوله بمر مشددة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فلغبوا‏)‏ بمعجمة وموحدة أي تعبوا وزنًا ومعنى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏صنابها‏)‏ بالصاد المهملة بعدها نون‏.‏ قال في القاموس‏:‏ الصناب ككتاب اهـ‏.‏ وهو صبغ يتخذ من الخردل والزبيب ويؤتدم به فعلى هذا عطف أدمها عليه للتفسير‏.‏ ويمكن أن يكون من عطف العام على الخاص‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بوركها‏)‏ الورك بكسر الراء وبكسر الواو وسكون الراء وهما وركان فوق الفخذين كالكتفين فوق العضدين كذا في المصباح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأمر أصحابه أن يأكلوا‏)‏ فيه دليل على جواز أكل الأرنب‏.‏ قال في الفتح‏:‏ وهو قول العلماء كافة إلا ما جاء في كراهتها عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص من الصحابة وعن عكرمة من التابعين وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء‏.‏

واحتجوا بحديث خزيمة بن جزء قال قلت يا رسول اللّه ما تقول في الأرنب قال لا آكله ولا أحرمه قلت ولم يا رسول اللّه قال نبئت أنها تدمي‏.‏ قال الحافظ‏:‏ وسنده ضعيف ولو صح لم يكن فيه دلالة على الكراهة وله شاهد عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص بلفظ‏:‏ ‏(‏جيء بها إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فلم يأكلها ولم ينه عنها وزعم أنها تحيض‏)‏ أخرجه أبو داود وله شاهد أيضًا عند إسحاق بن راهويه في مسنده وهذا إذا صح صلح الاحتجاج به على كراهة التنزيه لا على التحريم‏.‏ والمحكي عن عبد اللّه بن عمرو التحريم كما في شرح ابن رسلان للسنن‏.‏ وحكى الرافعي عن أبي حنيفة أنه حرمها وغلطه النووي في النقل عن أبي حنيفة‏.‏

وقد حكى في البحر عن العترة الكراهة يعني كراهة التنزيه وهو القول الراجح‏.‏

 باب ما جاء في الجلالة

1 - عن ابن عباس قال‏:‏ ‏(‏نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن شرب لبن الجلالة‏)‏‏.‏

رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي‏.‏

2 - وفي رواية‏:‏ ‏(‏نهى عن ركوب الجلالة‏)‏‏.‏

رواه أبو داود‏.‏

3 - وعن ابن عمر قال‏:‏ ‏(‏نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن أكل الجلالة وألبانها‏)‏‏.‏

رواه الخمسة إلا النسائي‏.‏

4 - وفي رواية‏:‏ ‏(‏أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها‏)‏‏.‏

رواه أبو داود‏.‏

5 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏:‏ ‏(‏نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة عن ركوبها وأكل لحومها‏)‏‏.‏

رواه أحمد والنسائي وأبو داود‏.‏

حديث ابن عباس أخرجه أيضًا أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه أيضًا ابن دقيق العيد ولفظه‏:‏ وعن أكل الجلالة وشرب ألبانها‏.‏

وحديث ابن عمر حسنه الترمذي‏.‏ وقد اختلف في حديث ابن عمر على ابن أبي نجيح فقيل عن مجاهد عنه وقيل عن مجاهد مرسلًا وقيل عن مجاهد عن ابن عباس‏.‏

وحديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضًا الحاكم والدارقطني والبيهقي‏.‏

وفي الباب عن أبي هريرة مرفوعًا وفيه النهي عن الجلالة وهي التي تأكل العذرة‏.‏ قال في التلخيص‏:‏ إسناده قوي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن شرب لبن الجلالة‏)‏ بفتح الجيم وتشديد اللام من أبنية المبالغة وهي الحيوان الذي يأكل العذرة والجلة بفتح الجيم هي البعرة‏.‏ وقال في القاموس‏:‏ الجلة مثلثة البعر أو البعرة اهـ‏.‏ وتجمع على جلالات على لفظ الواحدة وجوال كدابة ودواب يقال جلت الدابة الجلة وأجلتها فهي جالة وجلالة‏.‏ وسواء في الجلالة البقر والغنم والإبل وغيرها كالدجاج والإوز وغيرهما‏.‏ وادعى ابن حزم أنها لا تقع إلا على ذات الأربع خاصة ثم قيل إن كان أكثر علفها النجاسة فهي جلالة وإن كان أكثر علفها الطاهر فليست جلالة وجزم به النووي في تصحيح التنبيه‏.‏

وقال في الروضة تبعًا للرافعي‏:‏ الصحيح أنه لا اعتداد بالكثرة بل بالرائحة والنتن فإن تغير ريح مرقها أو لحمها أو طعمها أو لونها فهي جلالة‏.‏ والنهي حقيقة في التحريم‏.‏ فأحاديث الباب ظاهرها تحريم أكل لحم الجلالة وشرب لبنها وركوبها‏.‏

وقد ذهبت الشافعية إلى تحريم أكل الجلالة‏.‏ وحكاه في البحر عن الثوري وأحمد بن حنبل‏.‏ وقيل يكره فقط كما في اللحم المذكى إذا أنتن‏.‏

قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام‏:‏ لو غذى شاة عشر سنين بأكل حرام لم يحرم عليه أكلها ولا على غيره‏.‏ وهذا أحد احتمالي البغوي وإذا قلنا بالتحريم أو الكراهة فإن علفت طاهرًا فطاب لحمها حل لأن علة النهي التغير وقد زالت‏.‏

قال ابن رسلان‏:‏ ونقل الإمام فيه الاتفاق قال الخطابي‏:‏ كرهه أحمد وأصحاب الرأي والشافعي وقالوا لا تؤكل حتى تحبس أيامًا‏.‏

وفي حديث أن البقر تعلف أربعين يومًا ثم يؤكل لحمها‏.‏ وكان ابن عمر يحبس الدجاجة ثلاثًا ولم ير بأكلها بأسًا مالك من دون حبس اهـ‏.‏

قال ابن رسلان في شرح السنن‏:‏ وليس للحبس مدة مقدرة‏.‏ وعن بعضهم في الإبل والبقر أربعين يومًا وفي الغنم سبعة أيام وفي الدجاج ثلاثة‏.‏ واختاره في المهذب والتحرير‏.‏ قال الإمام المهدي في البحر‏:‏ فإن لم تحبس وجب غسل أمعائها ما لم يستحل ما فيه استحالة تامة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نهى عن ركوب الجلالة‏)‏ علة النهي أن تعرق فتلوث ما عليها بعرقها وهذا ما لم تحبس فإذا حبست جاز ركوبها عند الجميع كذا في شرح السنن‏.‏

وقد اختلف في طهارة لبن الجلالة فالجمهور على الطهارة لأن النجاسة تستحيل في باطنها فيطهر بالاستحالة كالدم يستحيل في أعضاء الحيوانات لحمًا ويصير لبنًا‏.‏

 باب ما استفيد تحريمه من الأمر بقتله أو النهي عن قتله

1 - عن عائشة قالت‏:‏ ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم‏:‏ خمس فواسق يقتلن في الحل والحرام الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا‏)‏‏.‏

رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي‏.‏

2 - وعن سعد بن أبي وقاص‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا‏)‏‏.‏

رواه أحمد ومسلم وللبخاري منه الأمر بقتله‏.‏

3 - وعن أم شريك‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أمر بقتل الوزغ‏)‏‏.‏

متفق عليه زاد البخاري قال وكان ينفخ على إبراهيم عليه السلام‏.‏

4 - وعن أبي هريرة قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم‏:‏ من قتل وزغًا في أول ضربة كتب له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك‏)‏‏.‏

رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي معناه‏.‏

5 - وعن ابن عباس قال‏:‏ ‏(‏نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه‏.‏

6 - وعن عبد الرحمن بن عثمان قال‏:‏ ‏(‏ذكر طبيب عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم دواء وذكر الضفدع يجعل فيه فنهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن قتل الضفدع‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود والنسائي‏.‏

7 - وعن أبي لبابة قال‏:‏ ‏(‏سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ينهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين فإنهما اللذان يخطفان البصر ويتبعان ما في بطون النساء‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏

8 - وعن أبي سعيد قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم‏:‏ إن لبيوتكم عمارًا فحرجوا عليهن ثلاثًا فإن بدا لكم بعد ذلك شيء فاقتلوه‏)‏‏.‏

رواه أحمد ومسلم والترمذي‏.‏ وفي لفظ لمسلم‏:‏ ‏(‏ثلاثة أيام‏)‏‏.‏

حديث ابن عباس قال الحافظ‏:‏ رجاله رجال الصحيح‏.‏ وقال البيهقي‏:‏ هو أقوى ما ورد في هذا الباب‏.‏ ثم رواه من حديث سهل بن سعد وزاد فيه والضفدع‏.‏

وفيه عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد وهو ضعيف‏.‏

وحديث عبد الرحمن بن عثمان أخرجه أيضًا الحاكم والبيهقي قال البيهقي‏:‏ ما ورد في النهي ‏[‏هكذا الأصل المطبوع ولعل فيه سقطًا تقديره ما ورد في النهي عن الضفدع من الأحاديث ضعيف واللّه أعلم‏]‏‏.‏ وروى البيهقي من حديث أبي هريرة النهي عن قتل الصرد والضفدع والنملة والهدهد وفي إسناده إبراهيم بن الفضل وهو متروك‏.‏

وروى البيهقي أيضًا من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص موقوفًا‏:‏ لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما خرب بيت المقدس قال يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم‏.‏ قال البيهقي‏:‏ إسناده صحيح‏.‏ قال الحافظ‏:‏ وإن كان إسناده صحيحًا لكن عبد اللّه بن عمرو كان يأخذ عن الإسرائيليات‏.‏

ومن جملة ما نهي عن قتله الخطاف أخرج أبو داود في المراسيل من طريق عباد بن إسحاق عن أبيه قال‏:‏ ‏(‏نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن قتل الخطاطيف‏)‏ ورواه البيهقي معضلًا أيضًا من طريق ابن أبي الحويرث عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم‏.‏ ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث ابن عباس وفيه الأمر بقتل العنكبوت‏.‏ وفيه عمرو بن جميع وهو كذاب‏.‏ وقال البيهقي‏:‏ روي فيه حديث مسند وفيه حمزة النصيبي وكان يرمى بالوضع‏.‏

ومن ذلك الرخمة أخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نهى عن أكل الرخمة‏.‏ وفي إسناده خارجة بن مصعب وهو ضعيف جدًا‏.‏

ومن ذلك العصفور أخرج الشافعي وأبو داود والحاكم من حديث عبد اللّه بن عمر وقال صحيح الإسناد مرفوعًا‏:‏ ‏(‏ما من إنسان يقتل عصفورًا فما فوقها بغير حقها إلا سأله اللّه عنها قال يا رسول اللّه وما حقها قال يذبحها ويأكلها ولا يقطع رأسها ويطرحها‏)‏ وأعله ابن القطان بصهيب مولى ابن عباس الراوي عن عبد اللّه فقال لا يعرف حاله‏.‏ ورواه الشافعي وأحمد والنسائي وابن حبان عن عمرو بن الشريد عن أبيه مرفوعًا‏:‏ ‏(‏من قتل عصفورًا عبثًا عج إلى اللّه به يوم القيامة يقول يا رب إن فلانًا قتلني عبثًا ولم يقتلني منفعة‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خمس فواسق‏)‏ الخ هذا الحديث قد تقدم الكلام عليه في كتاب الحج‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أمر بقتل الوزغ‏)‏ قال أهل اللغة‏:‏ هي من الحشرات المؤذيات وجمعه أوزاغ وسام أبرص جنس منه وهو كباره وتسميته فويسقًا كتسمية الخمس فواسق وأصل الفسق الخروج والوزغ والخمس المذكورة خرجت عن خلق معظم الحشرات ونحوها بزيادة الضر والأذى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكان ينفخ على إبراهيم‏)‏ أي في النار وذلك لما جبل عليه طبعها من عداوة نوع الإنسان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في أول ضربة كتب له مائة حسنة‏)‏ في رواية أخرى سبعون قال النووي‏:‏ مفهوم العدد لا يعمل به عند جمهور الأصوليين فذكر سبعين لا يمنع المائة فلا معارضة بينهما ويحتمل أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أخبر بالسبعين ثم تصدق اللّه بالزيادة إلى المائة فأعلم بها النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم حين أوحى إليه بعد ذلك‏.‏ ويحتمل أن ذلك يختلف باختلاف قاتل الوزغ بحسب نياتهم وإخلاصهم وكمال أحوالهم ونقصها لتكون المائة للكامل منهم والسبعون لغيره‏.‏

وأما سبب تكثير الثواب في قتله بأول ضربة ثم ما يليها فالمقصود به الحث على المبادرة بقتله والاعتناء به وتحريض قاتله على أن يقتله بأول ضربة فإنه إذا أراد أن يضربه ضربات ربما انفلت وفات قتله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والصرد‏)‏ هو طائر فوق العصفور‏.‏ وأجاز مالك أكله‏.‏ وقال ابن العربي‏:‏ إنما نهى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن قتله لأن العرب كانت تتشاءم به فنهى عن قتله ليزول ما في قلوبهم من اعتقاد التشاؤم‏.‏ وفي قول للشافعي مثل مالك لأنه أوجب فيه الجزاء على المحرم إذا قتله‏.‏

وأما النمل فلعله إجماع على المنع من قتله‏.‏ قال الخطابي‏:‏ إن النهي الوارد في قتل النمل المراد به السليماني أي لانتفاء الأذى منه دون الصغير وكذا في شرح السنة‏.‏

وأما النحلة فقد روي إباحة أكلها عن بعض السلف‏.‏

وأما الهدهد فقد روي أيضًا حل أكله وهو مأخوذ من قول الشافعي أنه يلزم في قتله الفدية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فنهى عن قتل الضفدع‏)‏ فيه دليل على تحريم أكلها بعد تسليم أن النهي عن القتل يستلزم تحريم الأكل‏.‏ قال في القاموس‏:‏ الضفدع كزبرج وجندب ودرهم وهذا أقل أو مردود دابة نهرية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ينهى عن قتل الجنان‏)‏ هو بجيم مكسورة ونون مشددة وهي الحيات جمع جان وهي الحية الصغيرة‏.‏ وقيل الدقيقة الخفيفة‏.‏ وقيل الدقيقة البيضاء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا الأبتر‏)‏ هو قصير الذنب‏.‏ وقال النضر بن شميل‏:‏ هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب لا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها‏.‏ وهو المراد من قوله‏:‏ ‏(‏يتبعان ما في بطون النساء‏)‏ أي يسقطان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وذا الطفيتين‏)‏ هو بضم الطاء المهملة وإسكان الفاء وهما الخطان الأبيضان على ظهر الحية وأصل الطفية خوصة المقل وجمعها طفي شبه الخطين على ظهرها بخوصتي المقل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يخطفان البصر‏)‏ أي يطمسانه بمجرد نظرهما إليه لخاصية جعلها اللّه تعالى في بصرهما إذا وقع على بصر الإنسان‏.‏

قال النووي‏:‏ قال العلماء وفي الحيات نوع يسمى الناظر إذا وقع بصره على عين إنسان مات من ساعته‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فحرجوا عليهن ثلاثًا‏)‏ بحاء مهملة ثم راء مشددة ثم جيم والمراد به الإنذار‏.‏

قال المازري والقاضي‏:‏ لا تقتلوا حيات مدينة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إلا بإنذار كما جاء في هذه الأحاديث فإذا أنذرها ولم تنصرف قتلها وأما حيات غير المدينة في جميع الأرض والبيوت والدور فيندب قتلها من غير إنذار لعموم الأحاديث الصحيحة في الأمر بقتلها ففي الصحيح بلفظ‏:‏ ‏(‏اقتلوا الحيات‏)‏ ومن ذلك حديث الخمس الفواسق المذكورة في أول الباب‏.‏

وفي حديث الحية الخارجة بمنى أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أمر بقتلها ولم يذكر إنذارًا ولا نقل أنهم أنذروها فأخذ بهذه الأحاديث في استحباب قتل الحيات مطلقًا وخصت المدينة بالإنذار للحديث الوارد فيها وسببه ما صرح به في صحيح مسلم وغيره أنه أسلم طائفة من الجن بها وذهبت طائفة من العلماء إلى عموم النهي في حيات البيوت بكل بلد حتى تنذر‏.‏

وأما ما ليس في البيوت فيقتل من غير إنذار قال مالك يقتل ما وجد منها في المساجد قال القاضي‏:‏ وقال بعض العلماء الأمر بقتل الحيات مطلقًا مخصوص بالنهي عن حيات البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين فإنه يقتل على كل حال سواء كان في البيوت أم غيرها وإلا ما ظهر منها بعد الإنذار قالوا ويخص من النهي عن قتل حيات البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين اهـ وهذا هو الذي يقتضيه العمل الأصولي في مثل أحاديث الباب فالمصير إليه أرجح‏.‏

وأما صفة الاستئذان فقال القاضي روى ابن حبيب عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه يقول أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان بن داود أن تؤذننا وأن تظهرن لنا وقال مالك يكفيه أن يقول أحرج عليك باللّه واليوم الآخر أن تبدو لنا ولا تؤذننا ولعل مالكًا أخذ لفظ التحريج من لفظ الحديث المذكور‏.‏ وتبويب المصنف في هذا الباب فيه إشارة إلى أن الأمر بالقتل والنهي عنه من أصول التحريم‏.‏

قال المهدي في البحر‏:‏ أصول التحريم إما نص الكتاب أو السنة أو الأمر بقتله كالخمسة وما ضر من غيرها فمقيس عليها أو النهي عن قتله كالهدهد والخطاف والنحلة والنملة والصرد أو استخباث العرب إياه كالخنفساء والضفدع والعظاية والوزغ والحرباء والجعلان وكالذباب والبعوض والزنبور والقمل والكتان والنامس والبق والبرغوث لقوله تعالى ‏{‏يحرم عليهم الخبائث‏}‏ وهي مستخبثة عندهم والقرآن نزل بلغتهم فكان استخباثهم طريق تحريم فإن استخبثه البعض اعتبر الأكثر والعبرة باستطابة أهل السعة لا ذوي الفاقة اهـ‏.‏

والحاصل أن الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المذكورة في أول الكتاب وغيرها قد دلت على أن الأصل الحل وأن التحريم لا يثبت إلا إذا ثبت الناقل عن الأصل المعلوم وهو أحد الأمور المذكورة فما لم يرد فيه ناقل صحيح فالحكم بحله هو الحق كائنًا ما كان وكذلك إذا حصل التردد فالمتوجه الحكم بالحل لأن الناقل غير موجود مع التردد ومما يؤيد أصالة الحل بالأدلة الخاصة استصحاب البراءة الأصلية‏.‏