فصل: باب الحت والقرص والعفو عن الأثر بعدهما

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار **


 باب سؤر الهر

1- عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت ابن أبي قتادة‏:‏ ‏(‏أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءًا فجاءت هرة تشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت منه قالت كبشة فرآني أنظر فقال‏:‏ أتعجبين يا ابنة أخي فقلت‏:‏ نعم فقال‏:‏ إن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال‏:‏ إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات‏)‏‏.‏

رواه إلخمسة وقال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏

2- وعن عائشة عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أنه كان يصغي إلى الهرة الإناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها‏)‏‏.‏

رواه الدارقطني‏.‏

الحديث الأول أخرجه أيضًا البيهقي وصححه البخاري والعقيلي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني وأعله ابن منده بأن حميدة الراوية له عن كبشة مجهولة وكذلك كبشة قال‏:‏ ولم يعرف لهما إلا هذا الحديث وتعقبه الحافظ بأن لحميدة حديثًا آخر في تشميت العاطس رواه أبو داود ولها ثالث رواه أبو نعيم في المعرفة‏.‏ وقد روي عنها مع إسحاق ابنه يحيى وهو ثقة عند ابن معين فارتفعت جهالتها‏.‏ وأما كبشة فقيل إنها صحابية فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها على ما هو الحق من قبول مجاهيل الصحابة وقد حققنا ذلك في القول المقبول في رد رواية المجهول من غير صحابة الرسول‏.‏

وفي الباب عن جابر عند ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ مثله‏.‏

والحديث الثاني الذي رواه الدارقطني عن عائشة قد اختلفت فيه على عبد ربه وهو عبد اللَّه بن سعيد المقبري ورواه الدارقطني من وجه آخر من عائشة وفيه الواقدي وروي من طرق أخر كلها واهية‏.‏

والحديثان يدلان على طهارة فم الهرة وطهارة سؤرها وإليه ذهب الشافعي ‏[‏مذهب الشافعي في سؤر الهرة طاهر غير مكروه وكذا سؤر جميع الحيوانات من إلخيل والبغال والحمير والسباع والحيات وسائر الحيوانات المأكول وغير المأكول إلا الكلب وإلخنزير وفرع أحدهما‏.‏ وحكى الماوردي مثل ذلك عن عمر بن إلخطاب وعلي وأبي هريرة والحسن البصري وعطاء والقاسم بن محمد‏.‏ وأما أبو حنيفة فقد كره سؤر الهر وابن أبي ليلى وكذا كرهه ابن عمر‏.‏ وقال ابن المسيب وابن سيرين‏:‏ يغسل الإناء من ولوغه مرة‏.‏ وعن طاوس قال‏:‏ يغسل سبعًا‏.‏ وذهب جمهور العلماء إلى عدم الكراهة‏]‏‏.‏ والهادي‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ بل نجس كالسبع لكن خفف فيه فكره سؤره واستدل بما ورد عنه صلى اللَّه عليه وسلم من أن الهرة سبع في حديث أخرجه أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة بلفظ‏:‏ ‏(‏السنور سبع‏)‏ وبما تقدم من قوله‏:‏ صلى اللَّه عليه وسلم عند سؤاله عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال ‏(‏إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء‏)‏ وأجيب بأن حديث الباب مصرح بأنها ليست بنجس فيخصص به عموم حديث السباع بعد تسليم ورود ما يقضي بنجاسة السباع‏.‏ وأما مجرد الحكم عليها بالسبعية فلا يستلزم أنها نجس إذ لا ملازمة بين النجاسة والسبعية على أنه قد أخرج الدارقطني من حديث أبي هريرة قال‏:‏ ‏(‏سئل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة فقيل إن الكلاب والسباع ترد عليها فقال لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور‏)‏ وأخرج الشافعي والدارقطني والبيهقي في المعرفة وقال‏:‏ له أسانيد إذا ضم بعضها إلى بعض كانت قوية بلفظ‏:‏ ‏(‏أنتوضأ بما أفضلت الحمر قال‏:‏ نعم وبما أفضلت السباع كلها‏)‏‏.‏ وأخرج الدارقطني وغيره عن ابن عمر قال‏:‏ ‏(‏خرج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في بعض أسفاره فسار ليلًا فمروا على رجل جالس عند مقراة له وهو الحوض الذي يجتمع فيه الماء فقال عمر‏:‏ أولغت السباع عليك الليلة في مقراتك فقال له النبي صلى اللَّه عليه وسلم‏:‏ يا صاحب المقراة لا تخبره هذا متكلف لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور‏)‏ وهذه الأحاديث مصرحة بطهارة ما أفضلت السباع‏.‏

وحديث عائشة المذكور في الباب نص في محل النزاع وأيضًا حديث أبي هريرة الذي استدل به أبو حنيفة فيه مقال‏.‏ ويمكن حمل حديث القلتين المتقدم على أنه إنما كان كذلك لأن ورودها على الماء مظنة لإلقائها الأبوال والأزبال عليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأصغى لها الإناء‏)‏ هو بالصاد المهملة بعدها غين معجمة ذكره في الأساس‏.‏ وقال أصغى الإناء للهرة أماله‏.‏ وفي القاموس وأصغى استمع وإليه مال بسمعه والإناء أماله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنها من الطوافين‏)‏ إلخ تشبيه للهرة بخدم البيت الذين يطوفون للخدمة‏.‏

 أبواب تطهير النجاسة وذكر ما نص عليه منها

 

باب اعتبار العدد في الولوغ

1- عن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏ ولأحمد ومسلم‏:‏ ‏(‏طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب‏)‏‏.‏

2- وعن عبد اللَّه بن مغفل قال‏:‏ ‏(‏أمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال‏:‏ ما بالهم وبال الكلاب ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم وقال إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا الترمذي والبخاري‏.‏ وفي رواية لمسلم‏:‏ ‏(‏ورخص في كلب الغنم والصيد والزرع‏)‏‏.‏

الحديثان يدلان على أنه يغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات وقد تقدم ذكر إلخلاف في ذلك وبيان ما هو الحق في باب أسآر البهائم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أولاهن بالتراب‏)‏ لفظ الترمذي والبزار أولاهن أو أخراهن ولأبي داود السابعة بالتراب وفي رواية صحيحة للشافعي أولاهن أو أخراهن بالتراب‏.‏ وفي رواية لأبي عبيد القاسم بن سلام في كتاب الطهور له إذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبع مرات أولاهن أو إحداهن بالتراب وعند الدارقطني بلفظ‏:‏ إحداهن أيضًا وإسناده ضعيف فيه الجارود بن يزيد وهو متروك والذي في حديث عبد اللَّه بن مغفل المذكور في الباب بلفظ‏:‏ ‏(‏وعفروه الثامنة بالتراب‏)‏ أصح من رواية إحداهن‏.‏

قال في البدر المنير‏:‏ بإجماعهم وقال ابن منده‏:‏ إسناده مجمع على صحته وهي زيادة ثقة فتعين المصير إليها وقد ألزم الطحاوي الشافعية بذلك واعتذار الشافعي بأنه لم يقف على صحة هذا الحديث لا ينفع الشافعية فقد وقف على صحته غيره لا سيما مع وصيته بأن الحديث إذا صح مذهبه فتعين حمل المطلق على المقيد‏.‏

وأما قول ابن عبد البر لا أعلم أحدًا أفتى بأن غسلة التراب غير الغسلات السبع بالماء غير الحسن فلا يقدح ذلك في صحة الحديث وتحتم العمل به وأيضًا قد أفتى بذلك أحمد بن حنبل وغيره وروى عن مالك أيضًا ذكر ذلك الحافظ ابن حجر‏.‏ وجواب البيهقي عن ذلك بأن أبا هريرة أحفظ من غيره فروايته أرجح وليس فيها هذه الزيادة مردود بأن في حديث عبد اللَّه بن مغفل زيادة وهو مجمع على صحته وزيادة الثقة يتعين المصير إليها إذا لم تقع منافية‏.‏

وقد خالفت الحنفية والعترة في وجوب التتريب كما خالفوا في التسبيع ووافقهم ههنا المالكية مع إيجابهم التسبيع على المشهور عندهم‏.‏ قالوا‏:‏ لأن التتريب لم يقع في رواية مالك قال القرافي منهم‏:‏ قد صحت فيه الأحاديث فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها وقد اعتذر القائلون بأن التتريب غير واجب بأن رواية التتريب مضطربة لأنها ذكرت بلفظ أولاهن وبلفظ أخراهن وبلفظ إحداهن وفي رواية السابعة وفي رواية الثامنة والاضطراب يوجب الاطراح‏.‏ وأجيب بأن المقصود حصول التتريب في مرة من المرات وبأن إحداهن مبهمة وأولاهن معينة وكذلك أخراهن والسابعة والثامنة ومقتضى حمل المطلق على المقيد أن تحمل المبهمة على إحدى المرات المعينة ورواية أولاهن أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية ومن حيث المعنى أيضًا لأن تتريب الآخرة يقتضي الاحتياج إلى غسله أخرى لتنظيفه وقد نص الشافعي على أن الأولى أولى كذا في الفتح‏.‏

وقد وقع إلخلاف هل يكون التتريب في الغسلات السبع أو خارجًا عنها‏.‏ وظاهر حديث عبد اللَّه بن مغفل أنه خارج عنها وهو أرجح من غيره لما عرفت فيما تقدم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما بالهم وبال الكلاب‏)‏ فيه دليل على تحريم قتل الكلاب وقد اشتهر في السنة إذنه صلى اللَّه عليه وسلم بقتل الكلاب‏.‏ وسبب ذلك كما في صحيح مسلم أنه وعده جبريل عليه السلام أن يأتيه فلم يأته فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم أم واللَّه ما أخلفني فظل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يومه ذلك ثم وقع في نفسه جرو وكلب تحت فسطاط فأمر به فأخرج فأتاه جبريل فقال له‏:‏ قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة فقال‏:‏ أجل ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب فأصبح رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فأمر بقتل الكلاب ثم ثبت عنه صلى اللَّه عليه وسلم النهي عن قتلها ونسخه وقد عقد الحازمي في الاعتبار لذلك بابًا وثبت عنه صلى اللَّه عليه وسلم الترخيص في كلب الصيد والزرع والماشية والمنع من اقتناء غير ذلك وقال‏:‏ ‏(‏من اقتنى كلبًا ليس كلب صيد ولا ماشية نقص من عمله كل يوم قيراط‏)‏‏.‏ وثبت عنه الأمر بقتل الكلب الأسود البهيم ذي النقطتين وقال إنه شيطان‏.‏ وللبحث في هذا موطن آخر ليس هذا محله فلنقتصر على هذا المقدار وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا في أبواب الصيد‏.‏

 

باب الحت والقرص والعفو عن الأثر بعدهما

1- عن أسماء بنت أبي بكر قالت‏:‏ ‏(‏جاءت امرأة إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقالت إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع فقال تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏

قوله‏:‏ جاءت امرأة في رواية للشافعي أنها أسماء قال في الفتح‏:‏ وأغرب النووي فضعف هذه الرواية بلا دليل وهي صحيحة الإسناد لا علة لها‏.‏ ولا بعد في أن يبهم الراوي اسم نفسه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من دم الحيضة‏)‏ بفتح الحاء أي الحيض قاله النووي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تحته‏)‏ بفتح الفوقانية وضم المهملة وتشديد المثناة الفوقانية أي تحكه‏.‏ وكذا رواه ابن خزيمة والمراد بذلك إزالة عينه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثم تقرصه‏)‏ بفتح أوله وإسكان القاف وضم الراء والصاد المهملتين وحكى القاضي عياض وغيره فيه ضم المثناة من فوق وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك ويخرج ما يشربه الثوب منه ومنه تقريص العجين قاله أبو عبيدة‏.‏ وسئل الأخفش عنه فضم إصبعيه الإبهام والسبابة وأخذ شيئًا من ثوبه بهما وقال‏:‏ هكذا تفعل بالماء في موضع الدم وورد في رواية ذكر الغسل مكان القرص‏.‏ روى ذلك الشيخ تقي الدين من رواية محمد بن إسحاق بن يسار عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء قالت‏:‏ ‏(‏سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وسألته امرأة عن دم الحيض يصيب ثوبها فقال اغسليه‏)‏‏.‏ وأخرجه الشافعي من حديث سفيان عن هشام عن فاطمة عن أسماء قالت‏:‏ ‏(‏سألت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن دم الحيضة يصيب الثوب فقال حتيه ثم اقرصيه بالماء ورشيه وصلي فيه‏)‏ ورواه عن مالك عن هشام بلفظ‏:‏ ‏(‏أن امرأة سألت‏)‏ ورواه ابن ماجه بلفظ‏:‏ ‏(‏اقرصيه واغسليه وصلي فيه‏)‏ وابن أبي شيبة بلفظ‏:‏ ‏(‏اقرصيه بالماء واغسليه وصلي فيه‏)‏ وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن‏:‏ ‏(‏أنها سألت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن دم الحيضة يصيب الثوب فقال حكيه بصلع واغسليه بماء وسدر‏)‏‏.‏ قال ابن القطان‏:‏ إسناده في غاية الصحة ولا أعلم له علة والصلع بفتح الصاد المهملة وإسكان اللام ثم عين هو الحجر ذكره الحافظ في التلخيص عن ابن دقيق العيد قال‏:‏ وقال ووقع في بعض المواضع بكسر الضاد المعجمة ولعله تصحيف لأنه لا معنى يقتضي تخصيص الصلع بذلك لكن قال الصنعاني في العباب في مادة ضلع بالمعجمة وفي الحديث حتيه بصلع قال ابن الأعرابي الضلع ههنا العود الذي فيه الاعوجاج وكذا ذكره الأزهري في مادة الضاد المعجمة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثم تنضحه‏)‏ بفتح الضاد المعجمة أي تغسله قاله إلخطابي وقال القرطبي‏:‏ المراد به الرش لأن غسل الدم استفيد من قوله‏:‏ تقرصه وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب قال في الفتح‏:‏ وعلى هذا فالضمير في تنضحه يعود على الثوب بخلاف حتيه فإنه يعود على الدم فيلزم منه اختلاف الضمائر وهو على خلاف الأصل ثم إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئًا لأنه إن كان طاهرًا فلا حاجة إليه وإن كان متنجسًا لم يتطهر بذلك فالأحسن ما قاله إلخطابي الحديث فيه دليل على أن النجاسات إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات قاله إلخطابي والنووي قال في الفتح لأن جميع النجاسات بمثابة الدم ولا فرق بينه وبينها إجماعًا قال وهو قول الجمهور أي تعين الماء لإزالة النجاسة‏.‏ وعن أبي حنيفة وأبي يوسف يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر وهو مذهب الداعي من أهل البيت واحتجوا بقول عائشة ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه فإذا أصابه شيء من دم الحيض قالت بريقها فمصعته بظفرها‏.‏

وأجيب بأنها ربما فعلت ذلك تحليلًا لأثره ثم غسلته بعد ذلك والحق أن الماء أصل في التطهير لوصفه بذلك كتابًا وسنة وصفًا مطلقًا غير مقيد لكن القول بتعينه وعدم إجزاء غيره يرده حديث مسح النعل وفرك المني وحته وإماطته بأذخرة وأمثال ذلك كثير ولم يأت دليل يقضي بحصر التطهير في الماء ومجرد الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقًا وغايته تعينه في ذلك المنصوص بخصوصه إن سلم‏.‏ فالإنصاف أن يقال أنه يطهر كل فرد من أفراد النجاسة المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النص إن كان فيه إحالة على فرد من أفراد المطهرات لكنه إن كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء فلا يجوز العدول إلى غيره للمزية التي اختص بها وعدم مساواة غيره له فيها وإن كان ذلك الفرد غير الماء جاز العدول عنه إلى الماء لذلك وإن وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهرات بل مجرد الأمر بمطلق التطهير فالاقتصار على الماء هو اللازم لحصول الامتثال به بالقطع وغيره مشكوك فيه وهذه طريقة متوسطة بين القولين لا محيص عن سلوكها‏.‏

‏[‏فإن قلت‏]‏ مجرد وصف الماء بمطلق الطهورية لا يوجب له المزية فإن التراب يشاركه في ذلك قلت وصف التراب بالطهورية مقيد بعدم وجدان الماء بنص القرآن فلا مشاركة بذلك الاعتبار ‏[‏واعلم‏]‏ أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين كما قال النووي‏.‏ وللحديث فوائد منها ما يأتي بيانه في باب الحيض ومنها ما ذكره المصنف ههنا فقال‏:‏

وفيه دليل على أن دم الحيض لا يعفى عن يسيره وإن قل لعمومه وأن طهارة السترة شرط للصلاة وأن هذه النجاسة وأمثالها لا يعتبر فيها تراب ولا عدد وأن الماء متعين لإزالة النجاسة اهـ‏.‏ وقد عرفت ما سلف‏.‏

2- وعن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏أن خولة بنت يسار قالت‏:‏ يا رسول اللَّه ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه قال‏:‏ فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه قالت‏:‏ يا رسول اللَّه إن لم يخرج أثره قال‏:‏ يكفيك الماء ولا يضرك أثره‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود‏.‏

3- وعن معاذة قالت‏:‏ ‏(‏سألت عائشة عن الحائض يصيب ثوبها الدم فقالت‏:‏ تغسله فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة قالت‏:‏ ولقد كنت أحيض عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ثلاث حيض جميعًا لا أغسل لي ثوبًا‏)‏‏.‏

رواه أبو داود‏.‏

الحديث الأول أخرجه الترمذي أيضًا وأخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي من طريقين عن خولة بنت يسار وفيه ابن لهيعة‏.‏

قال إبراهيم الحربي لم يسمع بخولة بنت يسار إلا في هذا الحديث قال ابن حجر‏:‏ وإسناده ضعيف‏.‏ ورواه الطبراني في الكبير من حديث خولة بنت حكيم الأنصارية‏.‏ قال ابن حجر أيضًا وإسناده أضعف من الأول‏.‏

والحديث الثاني أخرجه أيضًا الدارمي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا يضرك أثره‏)‏ استدل به على عدم وجوب استعمال الحواد وهو مذهب الناصر والمنصور باللَّه وكثير من أصحاب الشافعي وأكثر أصحاب أبي حنيفة‏.‏ وذهب الشافعي ورواه الإمام يحيى عن العترة إلى أنه يجب استعمال الحاد المعتاد لما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن مرفوعًا بلفظ‏:‏ ‏(‏حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر‏)‏‏.‏ قال ابن القطان‏:‏ إسناده في غاية الصحة‏.‏ وأجيب بأنه لا يفيد المطلوب لأن الحك إنما هو الفرك بالأصابع والنزاع في غيره ويرد بأن آخر الحديث وهو قوله‏:‏ ‏(‏واغسليه بماء وسدر‏)‏ يدل على وجوب استعمال الحاد‏.‏

وكذلك قوله‏:‏ في حديث عائشة المذكور ‏(‏فلتغيره بشيء من صفرة‏)‏ وأجيب بأن التغيير ليس بإزالة ويؤيده ما في آخر الحديث من قوله‏:‏ ‏(‏ولقد كنت أحيض عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ثلاث حيض لا أغسل‏)‏ ويرد بأن مجرد استعمال الصفرة يفيد المطلوب كاستعمال السدر‏.‏ وقيل يكون استعمال الحواد مندوبًا جمعًا بين الأدلة‏.‏ ويستفاد من قوله‏:‏ لا يضرك أثره إن بقاء أثر النجاسة الذي عسرت إزالته لا يضر لكن بعد التغيير بزعفران أو صفرة أو غيرهما حتى يذهب لون الدم لأنه مستقذر وربما نسبها من رآه إلى التقصير في إزالته‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا أغسل لي ثوبًا‏)‏ فيه دليل على أن ما كان الأصل فيه الطهارة فهو باق على طهارته حتى تظهر فيه نجاسة فيجب غسلها‏.‏

 

باب تعين الماء لإزالة النجاسة

1- عن عبد اللَّه بن عمر‏:‏ ‏(‏أن أبا ثعلبة قال يا رسول اللَّه أفتنا في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها قال إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء واطبخوا فيها‏)‏‏.‏

رواه أحمد‏.‏

2- وعن أبي ثعلبة الخشني‏:‏ ‏(‏أنه قال يا رسول اللَّه إنا بأرض قوم أهل الكتاب فنطبخ في قدورهم ونشرب في آنيتهم فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إن لم تجدوا غيرها فأرحضوها بالماء‏)‏‏.‏

رواه الترمذي وقال‏:‏ حسن صحيح‏.‏ والرحض الغسل‏.‏

الحديث الثاني يشهد لصحة الحديث الأول وهو متفق عليه من حديث أبي ثعلبة بلفظ‏:‏ ‏(‏قال قلت يا رسول اللَّه إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم قال إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها‏)‏ وفي رواية لأحمد وأبي داود‏:‏ ‏(‏إن أرضنا أرض أهل الكتاب وإنهم يأكلون لحم إلخنزير ويشربون إلخمر فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم قال إن لم تجدوا غيرها فأرحضوها بالماء واطبخوا فيها واشربوا‏)‏ وفي لفظ للترمذي‏:‏ ‏(‏فقال أنقوها غسلًا واطبخوا فيها‏)‏‏.‏

وقد استدل المصنف رحمه اللَّه بما ذكره في الباب على أنه يتعين الماء لإزالة النجاسة وكذلك فعل غيره ولا يخفاك أن مجرد الأمر به لإزالة خصوص هذه النجاسة لا يستلزم أنه يتعين لكل نجاسة فالتنصيص عليه في هذه النجاسة إلخاصة لا ينفي إجزاء ما عداه من المطهرات فيما عداها فلا حصر على الماء ولا عموم باعتبار المغسول فأين دليل التعين المدعى‏.‏ وقد تقدم في باب الحت والقرص ما هو الحق‏.‏

وقد استدل بالحديث أيضًا على نجاسة الكفار وقد تقدم في باب طهارة الماء المتوضأ به ما فيه كفاية‏.‏ وسيأتي لذلك مزيد تحقيق إن شاء اللَّه في باب آنية الكفار‏.‏

 

باب تطهير الأرض النجسة بالمكاثرة

1- عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏(‏قام أعرابي فبال في المسجد فقام إليه الناس ليقعوا به فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم دعوه وأريقوا على بوله سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا مسلمًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قام أعرابي‏)‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ زاد ابن عيينة عند الترمذي وغيره في أوله ‏(‏أنه صلى ثم قال اللَّهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم لقد تحجرت واسعًا فلم يلبث أن بال في المسجد‏)‏ وقد أخرج هذه الزيادة البخاري في الأدب من صحيحه‏.‏ وروى ابن ماجه الحديث تامًا من حديث أبي هريرة وحديث واثلة بن الأسقع‏.‏ وأخرجه أبو موسى المديني أيضًا من رواية سليمان بن يسار‏.‏

والأعرابي المذكور قيل هو ذو إلخويصرة اليماني ذكره أبو موسى المديني‏.‏ وقيل هو الأقرع بن حابس التميمي حكاه التاريخي عن عبد اللَّه بن نافع المدني‏.‏ وقيل هو عيينة بن حصن قاله أبو الحسين بن فارس‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ليقعوا به‏)‏ في رواية عند البخاري فزجره الناس‏.‏ وفي أخرى له فثار إليه الناس‏.‏ وفي أخرى له أيضًا فتناوله الناس‏.‏ وله أيضًا من حديث أنس فقال الصحابة مه مه وسيأتي‏.‏ وللبيهقي فصاح به الناس وكذا النسائي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سجلًا‏)‏ بفتح المهملة وسكون الجيم‏.‏ قال أبو حاتم السجستاني‏:‏ هو الدلو ملأى ولا يقال لها ذلك وهي فارغة‏.‏ وقال ابن دريد‏:‏ السجل دلو واسعة وفي الصحاح‏:‏ الدلو الضخمة وقد تقدم إشارة إلى بعض هذا في أول الكتاب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ذنوبًا‏)‏ قال إلخليل‏:‏ هو الدلو الملأى‏.‏ وقال ابن فارس‏:‏ الدلو العظيمة‏.‏ وقال ابن السكيت‏:‏ فيها ماء قريب من الملء‏.‏ ولا يقال لها وهي فارغة ذنوب فتكون أو للشك من الراوي أو للتخيير والمراد بقوله‏:‏ من ماء مع أن الذنوب من شأنها ذلك رفع الاشتباه لأن الذنوب مشترك بينه وبين الفرس الطويل وغيرهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإنما بعثتم‏)‏ إسناد البعث إليهم على طريق المجاز لأنه هو المبعوث صلى اللَّه عليه وسلم بما ذكر لكنهم لما كانوا في مقام التبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك‏.‏ أو هم مبعوثون من قبله بذلك أي مأمورون وكان ذلك شأنه صلى اللَّه عليه وسلم في حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات يقول‏:‏ ‏(‏يسروا ولا تعسروا‏)‏‏.‏

وفي الحديث دليل على أن الصب مطهر للأرض ولا يجب الحفر خلافًا للحنفية روى ذلك عنهم النووي‏.‏ والمذكور في كتبهم أن ذلك مختص بالأرض الصلبة دون الرخوة واستدلوا بما أخرجه الدارقطني من حديث أنس بلفظ‏:‏ ‏(‏احفروا مكانه ثم صبوا عليه‏)‏ وأعله بتفرد عبد الجبار به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ‏.‏ وكذا رواه سعيد بن منصور من حديث عبد اللَّه بن معقل بن مقرن المزني وهو تابعي مرفوعًا بلفظ‏:‏ ‏(‏خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء‏)‏ قال أبو داود‏:‏ روي مرفوعًا يعني موصولًا ولا يصح‏.‏ وكذا رواه الطحاوي مرسلًا وفيه ‏(‏واحفروا مكانه‏)‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ إن الطريق المرسلة مع صحة إسنادها إذا ضمت إلى أحاديث الباب أوجدت قوة ولها إسنادان موصولان أحدهما عن أبي مسعود رواه الدارمي والدارقطني ولفظه‏:‏ ‏(‏فأمر بمكانه فاحتفر وصب عليه دلو من ماء‏)‏ وفيه سمعان بن مالك وليس بالقوي قاله أبو زرعة‏.‏ وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبي زرعة‏:‏ هو حديث منكر وكذا قال أحمد‏.‏ وقال أبو حاتم‏:‏ لا أصل له‏.‏ وثانيهما عن واثلة بن الأسقع رواه أحمد والطبراني وفيه عبيد اللَّه بن أبي حميد الهذلي وهو منكر الحديث قاله البخاري وأبو حاتم‏.‏

واستدل بحديث الباب أيضًا على نجاسة بول الآدمي وهو مجمع عليه‏.‏ وعلى أن تطهير الأرض المتنجسة يكون بالماء لا بالجفاف بالريح أو الشمس لأنه لو كفى ذلك لما حصل التكليف بطلب الماء وهو مذهب العترة والشافعي ومالك وزفر‏.‏ وقال أبو حنيفة وأبو يوسف‏:‏ هما مطهران لأنهما يحيلان الشيء وكذا قال إلخراسانيون من الشافعية في الظل واستدلوا بحديث ‏(‏زكاة الأرض يبسها‏)‏ ولا أصل له في المرفوع‏.‏ وقد رواه ابن أبي شيبة من قول محمد بن علي الباقر ورواه عبد الرزاق من قول أبي قلابة بلفظ‏:‏ ‏(‏جفاف الأرض طهورها‏)‏‏.‏

وفي الحديث أيضًا دليل على جواز التمسك بالعموم إلى أن يظهر إلخصوص إذ لم ينكر صلى اللَّه عليه وسلم على الصحابة ما فعلوه مع الأعرابي بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة‏.‏

وفيه أيضًا دليل على ما أشار إليه المصنف رحمه اللَّه من أن الأرض تطهر بالمكاثرة‏.‏ وعلى الرفق بالجاهل في التعليم‏.‏ وعلى الترغيب في التيسير والتنفير عن التعسير‏.‏ وعلى احترام المساجد وتنزيهها لأن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قررهم على الإنكار وإنما أمرهم بالرفق‏.‏

2- وعن أنس بن مالك قال‏:‏ ‏(‏بينما نحن في المسجد مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم‏:‏ مه مه قال‏:‏ فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم‏:‏ لا تزرموه دعوه‏.‏ فتركوه حتى بال ثم إن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم دعاه ثم قال‏:‏ إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر اللَّه عز وجل والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه‏)‏‏.‏

متفق عليه لكن ليس للبخاري فيه إن هذه المساجد إلى تمام الأمر بتنزيهها‏.‏ وقوله‏:‏ لا تزرموه أي لا تقطعوا عليه بوله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أعرابي‏)‏ هو الذي يسكن البادية وقد سبق إلخلاف في اسمه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مه مه‏)‏ اسم فعل مبني على السكون معناه اكفف‏.‏ قال صاحب المطالع‏:‏ هي كلمة زجر أصلها ما هذا ثم حذف تخفيفًا وتقال مكررة ومفردة‏.‏ ومثله به بالباء الموحدة وقال يعقوب‏:‏ هي لتعظيم الأمر كبخ بخ وقد تنون مع الكسر وينون الأول ويكسر الثاني بغير تنوين وكذا ذكر غير صاحب المطالع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا تزرموه‏)‏ بضم التاء الفوقية وإسكان الزاي بعدها راء أي لا تقطعوه‏.‏ والإزرام القطع‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏إن هذه المساجد‏)‏ إلخ مفهوم الحصر مشعر بعدم جواز ما عدا هذه المذكورة من الأقذار والقذى والبصاق ورفع الصوت وإلخصومات والبيع والشراء وسائر العقود وإنشاد الضالة والكلام الذي ليس بذكر وجميع الأمور التي لا طاعة فيها وأما التي فيها طاعة كالجلوس في المسجد للاعتكاف والقراءة للعلم وسماع الموعظة وانتظار الصلاة ونحو ذلك فهذه الأمور وإن لم تدخل في المحصور فيه لكنه أجمع المسلمون على جوازها كما حكاه النووي فيخصص مفهوم الحصر بالأمور التي فيها طاعة لائقة بالمسجد لهذا الإجماع وتبقى الأمور التي لا طاعة فيها داخلة تحت المنع‏.‏ وحكى الحافظ في الفتح الإجماع على أن مفهوم الحصر منه غير معمول به قال‏:‏ ولا ريب أن فعل غير المذكورات وما في معناها خلاف الأولى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فجاء بدلو فشنه عليه‏)‏ يروى بالشين المعجمة والسين المهملة‏.‏ قال النووي‏:‏ وهو في أكثر الأصول والروايات بالمعجمة ومعناه صبه‏.‏ وفرق بعض العلماء بينهما فقال هو بالمهملة الصب بسهولة وبالمعجمة التفريق في صبه وقد تقدم الكلام على فقه الحديث‏.‏

قال المصنف رحمه اللَّه‏:‏ وفيه دليل على أن النجاسة على الأرض إذا استهلكت بالماء فالأرض والماء طاهران ولا يكون ذلك أمرًا بتكثير النجاسة في المسجد‏.‏ انتهى‏.‏

 

باب ما جاء في أسفل النعل تصيبه النجاسة

1- عن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال‏:‏ إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور‏)‏ وفي لفظ ‏(‏إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب‏)‏‏.‏

رواهما أبو داود‏.‏

2- وعن أبي سعيد‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال‏:‏ إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثًا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود‏.‏

الحديث الأول أخرجه أيضًا ابن السكن والحاكم والبيهقي واختلف فيه على الأوزاعي ورواه ابن ماجه من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ‏:‏ ‏(‏الطريق يطهر بعضها بعضًا‏)‏ وإسناده ضعيف والرواية الأولى المذكورة في حديث الباب في إسنادها مجهول لأن أبا داود رواها بسنده إلى الأوزاعي قال‏:‏ أنبئت أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدث عن أبيه عن أبي هريرة ولم يسم الأوزاعي شيخه‏.‏ والرواية الثانية منه فيها محمد بن عجلان وقد أخرج له البخاري في الشواهد ومسلم في المتابعات ولم يحتجا به وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه غير واحد ولعله الرجل الذي أبهمه الأوزاعي في الرواية الأولى لأن أبا داود قال حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن كثير يعني الصنعاني عن الأوزاعي عن ابن عجلان عن سعيد ابن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة‏.‏

وحديث أبي سعيد أخرجه الحاكم وابن حبان واختلف في وصله وإرساله ورجح أبو حاتم في العلل الموصول‏.‏

وفي الباب عن أم سلمة عند الأربعة بلفظ‏:‏ ‏(‏يطهره ما بعده‏)‏ وعن أنس عند البيهقي بسند ضعيف‏.‏ وعن امرأة من بني عبد الأشهل عند البيهقي كلها هذه الأحاديث في معنى حديث أبي هريرة‏.‏

وورد في معنى حديث أبي سعيد أحاديث منها عند الحاكم من حديث أنس وعنده أيضًا من حديث ابن مسعود‏.‏ وعند الدارقطني من حديث ابن عباس وإسناده ضعيف‏.‏ وعند الدارقطني أيضًا من حديث عبد اللَّه بن الشخير وإسناده ضعيف أيضًا‏.‏ وعند البزار من حديث أبي هريرة وإسناده ضعيف معلول وهذه الروايات يقوي بعضها بعضًا فتنتهض للاحتجاج بها على أن النعل يطهر بدلكه في الأرض رطبًا أو يابسًا‏.‏

وقد ذهب إلى ذلك الأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف والظاهرية وأبو ثور وإسحاق وأحمد في رواية وهي إحدى الروايتين عن الشافعي‏.‏ وذهبت العترة والشافعي ومحمد إلى أنه لا يطهر بالدلك لا رطبًا ولا يابسًا‏.‏ وذهب الأكثر إلى أنه يطهر بالدلك يابسًا لا رطبًا‏.‏

وقد احتج للآخرين في البحر بحجة واهية جدًا فقال بعد ذكر الحديثين السابقين قلنا محتملان للرطبة والجافة فتعين الموافق للقياس وهي الجافة والثاني لا يسلم كالثوب‏.‏ قال صاحب المنار حاصل كلام المصنف إلغاء الحديث انتهى‏.‏

والظاهر أنه لا فرق بين أنواع النجاسات بل كل ما علق بالنعل مما يطلق عليه اسم الأذى فطهوره مسحه بالتراب‏.‏ قال ابن رسلان في شرح السنن‏:‏ الأذى في اللغة هو المستقذر طاهرًا كان أو نجسًا انتهى‏.‏

ويدل على التعميم ما في الرواية الأخرى حيث قال‏:‏ فإن رأى خبثًا فإنه لكل مستخبث ولا فرق بين النعل وإلخف للتنصيص على كل واحد منهما في حديثي الباب ويلحق بهما كل ما يقوم مقامهما لعدم الفارق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثم ليصل فيهما‏)‏ سيأتي الكلام على الصلاة في النعلين في باب مستقل من كتاب الصلاة إن شاء اللَّه‏.‏